استمتعوا
“الم آمر الاميرة ان تلزم الصمت؟!”
“……!”
صرخت بعجلة، فارتد صوت ابي كالصاعقة يوبخني بغضب عارم.
“اه… اه يا الهي…”
تماسكت بالكاد امام دموع كادت تفيض، احدق في ابي بعينين مرتجفتين لا تفهمان ما يدور في خلده.
كان ينظر الي بوجه جامد لا تقرا فيه نية، قبل ان يامر كبير الخدم قائلا.
“اذهب حالا، واحضر مربية الامير والاميرة الى القصر.”
“امرك، جلالتك.”
غادر كبير الخدم بخطوات سريعة، اما انا فغص صدري برعب مكتوم.
هل سيحبسني مجددا في القصر مثلما فعل في السابق؟
هل سادفن في عزلة مظلمة مرة اخرى؟
“ارجوك، ارجوك سامحني… اعدك انني لن استخدم تلك القدرة بعد الان!”
ركضت نحوه وامسكت بطرف بنطاله اتشبث به بكل قوتي، وصوتي يتقطع في البكاء.
“لم اكن اعلم شيئا، حقا لم اكن!”
تنهد ابي بعمق، واضعا اصابعه على ما بين حاجبيه كما لو كنت عبئا يثقله.
“يا اميرتي الصغيرة…”
ارتجف قلبي مع كل نفس يلفظه، ولكن فكرة ان يبعدني مجددا كانت اخطر علي من الموت نفسه.
“كله خطئي انا! ارجوك، لا تحبسني… لا تعدني الى هناك!”
“ايلين، انهضي.”
ناداني ابي بصوت متعب، محاولا رفعي عن الارض.
“ابي! ارجوك، لن اكررها مجددا!”
صرخت بحرقة، وانهارت الدموع من عيني كالسيل.
“جلالتك، المربيتان وصلتا.”
“ادخلوهما.”
انفتح الباب، ودخلت ليني وسيلفيا.
“أميرتي!”
شهقت ليني حين راتني متشبثة بثياب الامبراطور، فاسرعت الي مذعورة.
“اميرتي، ما الذي يحدث؟!”
وقفت عاجزة عن انتزاعي منه، وانا اجهش بالبكاء.
“خذا الاميرة الى القصر حالا.”
“امرك، جلالتك.”
“لا، لا اريد!”
صرخت، اقاوم بكل ما اوتيت من قوة، متشبثة بثيابه كانني اتشبث بالحياة ذاتها.
“اميرتي، علينا الذهاب.”
“اتركيني!”
لكن جسد طفلة لا يقوى على صد قوة الكبار.
“ايلين…”
ناداني لوكاس بصوت خافت وهو في حضن سيلفيا، كان رؤيتي بهذا الحال كسر شيئا في داخله.
لم يكن احد منهم يعلم لماذا اصرخ وابكي هكذا.
ظنوا جميعا انني طفلة خائفة من كلمات ماركيز قاس، لا اكثر.
لكن نظرات الماركيز رمانو الحمراء التي التقت عيني شلت انفاسي.
“اه…”
جمدت في مكاني، كان بردا غامضا تسلل في عروقي.
حدسي اخبرني ان هذا الرجل ربما هو نفسه من جعلني حبيسة الظلام في حياتي السابقة.
حين صرف بصره عني، شعرت اخيرا بانفاسي تعود.
“ليني… دعينا نذهب بسرعة، اريد العودة الى القصر…”
“نعم، اميرتي. هيا بنا.”
حملتني ليني بخفة، وبينما كانت تستدير بي، تلاقت عيناي بعيني فالدير.
توقف الزمن لحظة.
نظراته كانت باردة، لا اثر فيها للعاطفة او الحنو الذي عرفته.
ذلك الوجه الذي اعتدت ان اجد فيه الامان لم يعد يمنحني شيئا سوى الخوف.
“معلمي…”
ناديته بصوت مرتعش، لكنه وضع اصبعه على شفتيه مشيرا لي ان اصمت.
اطبقت فمي فورا.
هل سيتخلى عني هو ايضا؟
لكن ما لبثت شفتاه ان افترتا عن ابتسامة طفيفة، تحمل خبثا خفيفا كابتسامة صبي يخفي سرا.
تجمدت لوهلة، فقرات عيناي شفتيه وهما تتحركان بصمت يقول.
“لا تقلقي.”
اومات براسي بقوة، ودفنت وجهي في عنق ليني لاخفي دموعي التي لم تزل ساخنة.
كانت تلك الكلمة الصامتة كنسمة دفئت قلبي المتجمد من الخوف.
غادرت الاميرة والامير، وبقي في قاعة العرش ثلاثة فحسب.
الامبراطور ادوين نيفا وينفريد،
وسيد برج السحر الشاب فالدير اوفنهايم،
وماركيز ريمانو أوتمن.
اجتماع كهذا لا يعقد عادة الا في اخطر الشؤون، وكان سببه الوحيد ايلين، الاميرة الصغيرة.
قال الماركيز بصوت مقيد بالحذر.
“جلالتك، كما ذكرت انفا، ان قدرة الاميرة ايلين—”
“ماركيز.”
قطع الامبراطور حديثه بصرامة حادة.
“جلالتك.”
“تتحدث وكانك ترغب في ان انبذ ابنتي.”
“لم اقصد ذلك يا جلالتك…”
تلاشت الابتسامة المرسومة على وجه الماركيز، تلك التي كانت تخفي خلفها نوايا اكثر ظلمة من ليل بلا قمر.
قال الامبراطور موجها حديثه الى سيد البرج.
“اره ما اريتني من قبل، اجعله يرى الحقيقة كما رايتها.”
“كما تامر، يا جلالتك.”
وهكذا، في صمت ثقيل يخفي عواصف القرارات القادمة، بدا السحر يتوهج في انامل فالدير…
بينما الحقيقة التي سيرها الماركيز كانت كفيلة بان تغير مصير الامبراطورية باكملها.
اخرج سيد برج السحر من جيب عباءته الداخلية كرة بلورية شفافة، ووضعها على المائدة امام الامبراطور، قائلا بنبرة خفيفة لا تخلو من السخرية، كان مقام العرش لا يرعبه في شيء.
تابع الامبراطور المشهد بصمت مهيب، لا اثر فيه للدهشة او الغضب، بينما كان الماركيز رمانو يستشعر في تلك اللامبالاة نذير خطر خفي يحاك ضده.
قال سيد البرج بابتسامة جانبية.
“افتح عينيك جيدا، ولا تغفل ما سترى.”
ثم نقر باطراف اصابعه على الكرة مرتين، فانبعث منها ضباب ابيض رقيق، اخذ يلتف ويتجمع شيئا فشيئا حتى اتخذ هيئة بشر.
وما لبثت الاشكال ان تحركت كانها شريط ذكرى يعيد مشهدا من الماضي؛ لقد كانت كرة تسجيل سحري تظهر صورة الاميرة الصغيرة.
“معلمي، هو ضربني…!”
“ماذا؟ من الذي تجرا على ضرب الاميرة؟!”
“اي… يولمني…”
“هل ضربك في مكان اخر ايضا؟“
“براسي… بالعصا تلك!”
“هاه! بتلك العصا ضربوا الاميرة؟!”
ظهرت الاميرة – متنكرة في هيئة لوكاس – وهي تبكي بحرقة بين ذراعي فالدير، بينما كان النبلاء ممددين ارضا فاقدي الوعي.
كانت تبكي بعينين غارقتين في الدموع، والانين المرتجف يقطع القلب.
ثم عرضت الكرة ما تلا ذلك من مشهد، اذ ارسل فالدير الاميرة الى برجه الغربي، وتولى هو بنفسه معاقبة اولئك النبلاء.
قال وهو يبتسم بازدراء.
“لا داعي لان تشكرني، يا ماركيز، فقد تكفلت انا بتاديبهم نيابة عنك.”
زم ريمانو شفتيه وقال ببرود.
“اذن كيف تفسر ما قاله اولئك النبلاء عما اصابهم في ذلك اليوم؟“
“ربما نوبة هذيان جماعي بسبب اوهام مشتركة؟“
“هه، اتظنني احمقا؟“
“يبدو لي ذلك احيانا.”
ضحك فالدير بخفة، قائلا وهو يحدق فيه.
“ظننتك غبيا منذ البداية، يا ماركيز.”
“ما الذي قلته؟!”
“ظننتك عاقلا، لكن يبدو انني كنت مخطئا. ههاها.”
قال الماركيز بعصبية.
“لقد شهدوا باعينهم!”
“نعم، هم شهدوا، لا انت. جرب ان تشهد بنفسك قبل ان تتحدث عن الحقائق.”
ثم اضاف، وهو يخطو ببطء ليقف خلفه.
“اتظن ان شيئا سيجدي نفعا ما دمت واقفا خلف الامير؟“
اقترب من اذنه وهمس له بصوت خافت لا يسمعه سواه.
“تذكر هذا جيدا.”
ثم ابتعد مبتسما، وهز كتفيه كمن ينفض الغبار قائلا ببرود مصطنع.
“اه، عذرا، كان على كتفك غبار.”
وعاد الى مكانه وجلس مسترخيا على الاريكة.
قال الامبراطور اخيرا وهو يراقب الرجلين.
“ماركيز ريمانو.”
“نعم، جلالتك.”
“اعلن من هذه اللحظة سحب كامل سلطتك على تعليم الامير، وافوضها الى سيد برج السحر.”
“لكن يا جلالتك!”
“لقد فقدت الثقة في قدرتك على تولي الامر، اليس كذلك؟“
رفع الامبراطور الكرة البلورية من على الطاولة وادارها في كفه وهو يتحدث، فتراجع صوت الماركيز قائلا بخضوع مكسور.
“ا… اجل، يا جلالتك… كما تامر.”
“سلم كل ما يتعلق بالدروس السابقة الى سيد البرج.”
“امرك، يا جلالتك…”
لم يستطع قول شيء اخر؛ فكل ما حدث كان كابوسا نسجه سوء حظه.
كيف سارت الامور بهذه الطريقة؟
الاميرة حضرت الدرس في غير اوانه، وذلك الأحمق ابن الكونت جعل الامور تتفاقم… يا لغبائه وغبائهم جميعا.
قال الامبراطور في حزم قاطع.
“يمكنكما الانصراف الان.”
انحنى الاثنان تحية وغادرا القاعة.
وبمجرد ان خرجا، قال فالدير وهو يبتسم ابتسامة لاذعة.
“هاه، ما شعورك حين تقع في الفخ الذي حفرته بنفسك؟“
“ماذا؟“
“كنت تطمح للامساك بالامير، فخسرت الامير والاميرة معا!”
ضحك بحرارة كمن يسخر من طفل ارتكب حماقة، بينما ظل الماركيز صامتا، جامد الملامح.
قال فالدير متابعا.
“ولا داعي لان تتعب نفسك في اعداد ملاحظات الدروس السابقة، فلن احتاجها. فكل ما علمته ليس الا هراء.”
لم يعلق الماركيز، لكن عينيه كانتا تومضان غضبا مكتوما.
“ساغادر الان. وان اشتقت لرؤيتي، فتعال الى برجي الغربي متى شئت!”
صرخ فالدير ضاحكا وهو يغادر الممر الطويل، لكن الماركيز تمتم من خلفه وهو يعض على شفته حتى سال الدم.
“ساحر معتوه متخف في عباءة حكيم.”
وغادر قصر الامبراطور بخطوات سريعة يملؤها الحنق.
عاد فالدير الى برجه، وجلس صامتا يسترجع ما جرى في غرفة دراسة الامير في ذلك اليوم.
حين انقطع التواصل السحري مع السوار الذي وضعه على معصم الاميرة، انتقل فورا الى موقعها، فاذا بالمكان فوضى عارمة، والنبلاء ممددون ارضا، بينما كانت الاميرة ترتجف غيظا، تطلق من جسدها طاقة غريبة لا تشبه اي قدرة عرفها من قبل.
لقد ظن انها ستظهر القدرة الإمبراطورية التي تحفظ الامبراطورية، لا تلك التي تهاجم الاخرين.
لكن حين عاد بها الى البرج، قالت انها صاحبة قدرة “الشفاء“!
لم يصدقها… فهو راى بام عينيه كيف اذابت نظراتها اجساد اولئك النبلاء الما.
غير انه تذكر في اليوم ذاته حين لامست يده يدها صدفة، فاختفى جرح صغير في لحظة.
حينها ادرك ان ما حدث مع النبلاء لم يكن وعيا، بل انفجارا لا اراديا لقوة مجهولة.
الاميرة نفسها لا تعرف ما فعلت.
فكر مليا.
“لا احد يعلم بالقدرة الهجومية غيري. وربما لا احد يظن انها ظهرت اصلا… فلو علم الامبراطور، لما جعل التوام يتلقيان التعليم معا.”
كم هو غامض امرها!
كل لحظة معها تحمل احتمالا جديدا، وكل نظرة تخفي قوة لا يقاس مداها.
ابتسم فالدير في نفسه قائلا.
“يبدو ان علي ان اكون اكثر من معلم… علي ان اكون درعها وسرها معا.”
كان يعلم ان ما فعله خدعة صغيرة، لكنها انقذت الاميرة.
فقد استعمل الشارة السحرية التي يحملها عادة لتوثيق ابحاثه، فالتقطت مشهد ذلك اليوم، ثم عرض منه ما يكفي لاقناع الامبراطور بنقل تعليم الاميرين اليه.
ولم يتردد الامبراطور لحظة في الموافقة.
وبعد قليل من خروج الماركيز، دخل التوامان القاعة، وكانت الاميرة منذ لحظة دخولها مضطربة القسمات، ثم اندفعت تبكي متشبثة بابيها وهي تتوسل الا يعيدها الى الحبس.
“لا تغلقوا علي مجددا… ليس كما في المرة السابقة…”
تجمد فالدير في مكانه.
كيف يمكن لطفلة في السادسة ان تتحدث بهذا الشكل؟!
كلماتها كانت غريبة، اثقل من عمرها، كانها تحمل ذكرى حياة سابقة لا يعرفها سواها.
لقد راى الاميرة تبكي كثيرا، لكن دموع اليوم كانت مختلفة… كانت تحمل حزن من ذاق الفقد اكثر من مرة.
جلس فالدير طويلا يفكر في تلك الطفلة الغامضة، ثم نهض قائلا لنفسه بصوت خافت.
“علي ان اطمئن عليها بنفسي… الان.”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"