استمتعوا
“أريد أن أعيش بسلامٍ مع لوكاس أيضًا…”
لم أدرِ ما الذي كان يقوله فالدير، فقد انهمكتُ في الحديث وحدي.
“لا أريد أن أموت هكذا مرةً أخرى…”
صحيحٌ أن لوكاس قتلني في حياتي السابقة، لكنني كنت أرجو أن تكون هذه الحياة مختلفة.
غير أنني وجدت نفسي مجددًا لعبةً بين أيدي النبلاء، كدميةٍ تحركها أهواؤهم. حاولتُ وحدي أن أغيّر شيئًا، لكن لا جدوى؛ ما من شيءٍ يتبدّل بصراخٍ أو بكاء.
كل ما كنت أريده أن أعيش حياةً هادئة، كأميرةٍ بلا طموحٍ ولا مطامع، أعيش كما لو كنتُ موجودةً وغير موجودةٍ في آنٍ واحد، في سكونٍ وسلام.
“هُوَاه…”
تنهدتُ بين دموعي، فخرج الزفير مثقلاً بالضيق والخيبة.
رفعتُ بصري لأجد فالدير يحدّق بي بعينين مفعمتين بالقلق.
“سموّ الأميرة؟“
“…”
لا، لم يكن صحيحًا أنّ شيئًا لم يتغيّر.
فالشخص الذي يحتضنني الآن هو فالدير أوفنهايم، سيد برج السحر، ذاك الذي لم أره قط في حياتي الماضية.
‘كيف أزعم أن شيئًا لم يتبدّل، وأنا الآن تلميذةُ هذا الرجل؟ يا لي من حمقاء.’
بمجرد أن راودتني هذه الفكرة، هدأ اضطراب قلبي الذي كان يغلي منذ لحظات، واستعادت روحي بعض توازنها.
لا يليق بي أن أنهار بعد الآن، فحياتي الجديدة ما زالت في بدايتها، ولا بدّ أن أتشبّث بها بقوة.
“سموّ الأميرة، قبل قليل كنتِ تقولين…”
“معلمي… ذاك الشخص ضربني…”
‘حين تسنح الفرصة، لا بد أن أبوح بكل شيء.’
“ماذا؟ من الذي تجرّأ وضرب الأميرة؟“
“آي… آي…”
وضعتُ كلتا يديّ على خدي المنتفخ بدل الردّ.
“ألم يضربكِ في مكانٍ آخر أيضًا؟“
سأل وهو يحدق في وجهي بنظرةٍ خطيرةٍ تشبه البرق قبل العاصفة.
‘هل… هل سمعتُ صوت أسنانه تطحن الغضب؟‘
مددتُ يدي بحذرٍ أتحسس ذقنه، ثم أومأت برأسي وأطلقتُ سيلًا جديدًا من الدموع.
وأشرتُ إلى الأرض قائلاً.
“هناك… هناك سقط العصى التي ضربني بها!”
كانت أشبه بعصًا تأديبية، لكنها بدت في عيني كعصا وحشية.
“هاه! بتلك العصا ضرب سموّ الأميرة؟!”
أومأتُ مجددًا، والدموع والمخاط يتدفقان على وجهي.
‘صحيح أنه لم يضربني في هذه الحياة، لكنه حاول… وفي حياتي السابقة ضربني بالفعل. لن أستطيع مسامحته.’
توقّف يد فالدير التي كانت تمسح دموعي، وسرعان ما تجمّد الهواء من حولي.
“معـ… ـلمي؟“
رفعتُ رأسي بوجل، أنظر إلى وجهه.
كان فمه ما زال يرسم ابتسامةً هادئة، لكن عينيه… كانتا تتوهجان بنية قتلٍ صريحة.
“مـ… مـخيف…”
اختفت دموعي ومخاطي دفعةً واحدة.
قال مبتسمًا بلطفٍ مريب.
“سموّ الأميرة، ما رأيك أن تذهبي إلى البرج وتتناولي بعض الحلوى؟“
“هاه؟“
وبين رمشة عين، وجدتُ نفسي في برج السحر الغربي، وخيطٌ من المخاط لا يزال متدلّيًا من أنفي.
“معلمي!”
“أوه، كنتُ بانتظاركِ يا سموّ الأميرة.”
ظهر فالدير بابتسامته المشرقة المعهودة، كأن شيئًا لم يحدث.
أمطرتُه بالأسئلة عمّا جرى بعد أن نُقلتُ من هناك، فأجابني بابتسامةٍ خفيفة.
“أولئك النبلاء؟ لقد طويتهُم بعنايةٍ وأعدتُهم إلى حيث جاءوا.”
‘طواهم؟ البشر يُطوَون؟‘
رمقته بنظرة شكٍّ، لكنني قررت ألّا أتعمّق في ذلك.
مجردُ فكرة أن أحدًا قد حماني من أجلي جعلت الخوف يتبدّد في صدري.
رفعتُ إصبعيّ الإبهام في كلتا يديّ، كما رأيتُ في الكتب في حياتي السابقة، وهي إشارةٌ تعني أنتَ الأفضل.
ألم يكن يُقال إنّ رفعَ إبهامٍ واحد هو إعجاب، ورفعَ إبهامين معًا هو إعجابٌ مضاعف؟
أنا سعيدةٌ حقًّا لأنّك معلّمي
حدّق بي فالدير لحظةً بتعجّب، ثم ابتسم، بينما كنتُ ألوّح بيديّ في الهواء فرِحةً كطفلة.
“آه، على فكرة…”
“نعم؟“
“سموّ الأميرة، لقد أظهرتِ قدرة، أليس كذلك؟“
“نعم…”
“لكنها بدت قدرةً هجومية، أليس كذلك؟“
‘هل هناك ما يُسمّى بالشعور بالقدرات؟‘
“لا، أنا أجيد الشفاء.”
“الشفاء؟“
“نعم، إنها قدرة علاجية.”
“حقًا؟ غريب، لأنني رأيتكِ قبل قليل تسحقين أولئك النبلاء سحقًا.”
توقف عن الكلام فجأة، ونظر إليّ بثباتٍ طويل.
“ما الأمر؟“
“هاهاها، سموّ الأميرة حقًا طريفة!”
‘ما الذي يضحكه الآن؟‘
“لا يمكنني إخباركِ بعد، لكن انتظريني بضعة أيام فقط.”
“حسنًا…”
ربّت على رأسي برفق، ثم أخرج من الفضاء السحري صناديق من الحلوى المتنوعة.
تناولتُها بشهيةٍ، محاوِلةً تعويض الطاقة التي استنزفتها في البكاء.
وبعد يومين من تلك الحادثة، استدعانا والدي الإمبراطور أنا ولوكاس إلى مكتبه.
لكن قبل أن أذهب إلى القصر الإمبراطوري، توجّهتُ أولًا إلى قصر الأمير للقاء لوكاس.
ما إن مددتُ يدي إلى مقبض الباب لأفتحه، حتى اندفع الباب بعنفٍ من الداخل، وخرج لوكاس مهرولًا ليقف أمامي.
“أنت… لماذا لم تخبرني؟“
نظرتُ إلى وجهه، ولم أستطع أن أُخفي حيرتي ودهشتي.
“…”
“لوكاس، إن لم تتكلم الآن فورًا فسوف…”
قاطَعني بصوتٍ خافتٍ كمن يُلقي اعترافًا مؤلمًا.
“لأنّ إيلين تضجر منّي دائمًا.”
“ماذا قلت؟“
“ظننتُ أنه لو أخبرتكِ، فستزدادين ضجرًا منّي…”
“ذاك…”
“أنا أحبّ إيلين أكثر من أيّ أحدٍ في هذا العالم، لكن إيلين لا تشعر بالمثل، أليس كذلك؟“
وضعتُ يدي على جبيني، متنهّدةً وأنا أحدّق في وجهه الصغير الغارق في الحزن.
‘ما الذي سأفعل بهذا الفتى العنيد؟‘
“ليس الأمر كذلك يا لوكاس.”
“إذًا… هل تحبينني أنتِ أيضًا أكثر من الجميع؟“
“قلتُ لك ليس الأمر كذلك.”
أجبتُه دون أن أُفكّر، كردّ فعلٍ فوريّ على كلماته.
“هاه؟“
“هاه؟“
تجمّدتُ في مكاني. يا ويلي… هذا ليس ما كنتُ أريد قوله!
احمرّت عيناه على الفور، وكأنّ الدموع توشك أن تنفجر منهما، فدبّ في نفسي القلق.
“…”
“بالطبع أنا أيضًا أُحبّ لوكاس… أَعني… أُقدّركَ كثيرًا.”
“أوهواااه…”
تنهدتُ يائسة. ‘ها قد أبكيتُه من جديد.’
بعد جهدٍ طويل لتهدئته، دخلنا معًا إلى مكتب الإمبراطور في القصر.
كان في الغرفة رجلٌ غريبُ الملامح يجلس قبالة أبي، وإلى جواره فالدير.
قال الرجل بنبرةٍ محترمة.
“تشرفنا برؤيتكم، سموّ الأميرة وسموّ الأمير.”
فأجابه أبي.
“أهلاً بكما، تفضّلا بالجلوس.”
وأشار إلى المقاعد المقابلة لهم، فجلستُ بجوار فالدير، وجلس لوكاس إلى جانبي.
وقعت عين أبي على وجه لوكاس وقال متفاجئًا.
“ما بال وجه الأمير؟“
تلعثمتُ قليلًا وأنا أحاول إيجاد مخرجٍ للكذبة.
“آه… لقد… لقد تثاءب وهو في الطريق، يا أبي.”
“تثاءب؟“
“نعم… لقد شعر بالنعاس.”
ألقى أبي نظرةً إلى الساعة المعلّقة على الجدار وقال بابتسامةٍ خفيفة.
“همم، أظن أن وقت القيلولة قد حان، إذًا لنطوِ الحديث سريعًا.”
تنفّستُ الصعداء في سري، ثم رفعتُ بصري إلى الرجل الجالس أمامنا.
كان ذا شعرٍ برتقاليٍّ لامعٍ كغروبٍ يحتضر، وعينين بلون العنبر المشتعل، وسيماً إلى حدٍّ يثير الريبة.
قال أبي بصوتٍ جاد.
“ماركيز رِمانو، ما رأيك في هذه المسألة؟“
“كلّ الخطأ خطئي، يا صاحب الجلالة.”
‘ماذا؟ ما الذي يتحدّث عنه؟‘
أرهفتُ سمعي للحديث الدائر بين أبي وذلك الذي يُدعى بالماركيز رِمانو.
تدخّل فالدير بنبرةٍ باردةٍ خاليةٍ من المجاملة.
“هل هذا كل ما لديك لتقوله؟ من الواضح أنّك لم تسمع بعد بالتفصيل ما اقترفه ذاك الذي أوصيتَ به تجاه سموّ الأميرة وسموّ الأمير.”
تجمّد الجوّ لحظة، فالدير لا يعرف الخوف من أحد، حتى من نبلاء البلاط أنفسهم.
قال الماركيز بحدّةٍ مغلّفةٍ بالتحفّظ.
“سيد البرج، من الحكمة أن تُمسكَ لسانك.”
“ولماذا أفعل؟” أجابه فالدير بابتسامةٍ باردة.
“بسببك، كادَت تلميذتي العزيزة، سموّ الأميرة، أن تُزهَق روحها.”
‘لم يكن الأمر بتلك الخطورة…’
تمتمتُ في نفسي بخجلٍ وأنا أعبث بحاشية فستاني.
ردّ الماركيز باستهزاءٍ ظاهر.
“عزيزة؟ غريبٌ أن تقول ذلك، فالقوة التي أظهرتها سموّ الأميرة لا تبدو قوةً نبيلة.”
تجمّدتُ، وكأنّ الدم انسحب من عروقي.
“لقد سمعتُ من النبلاء الذين شهدوا الواقعة بأنّ الأميرة جاءت إلى الدرس بدلًا عن الأمير.”
رفع عينيه تجاهي وهو يتحدث، فارتجف جسدي من رهبة نظرته.
‘كيف عَلِم بأمري؟ كيف عرف ما هي قدرتي؟‘
بدأ الخوف يتسلّل إلى صدري كالدخان.
قال فالدير ببرودٍ يكسوه الغضب المكبوت.
“نعم، بفضلها انكشفت جرائم أولئك النبلاء الذين أساؤوا إلى سموّ الأمير.”
ردّ الماركيز متظاهرًا بالجهل.
“قلتُ إنني لم أكن أعلم بشيء من ذلك.”
“لم تكن تعلم؟ أليس من اختيارك أنت؟“
“أنا اخترتُه، نعم، لكن لا أتدخّل في كل تفصيلٍ بعد ذلك.”
قالها ببرودٍ تام، وكأنه بريء من كل مسؤولية.
“أهكذا يتحدث من أُوكلت إليه تربية الأمير؟ أيّ تهاونٍ هذا؟”
قال فالدير بسخريةٍ لاذعة.
قبض الماركيز على يده بقوةٍ حتى ابيضّت مفاصله، وكأنه على وشك أن يهوِي على فالدير بلكمة.
تدخّل أبي أخيرًا بصوتٍ حازمٍ لوقف الجدال.
“كفى. ماركيز، حدّثنا عمّا تعرفه بشأن قدرة الأميرة.”
انحنى الرجل قليلًا ثم قال.
“نعم، يا صاحب الجلالة. النبلاء الذين كانوا هناك صرّحوا بأنهم كادوا يفقدون حياتهم بسبب القوة التي استخدمتها سموّ الأميرة.”
“حياتهم؟“
“إنّ القوى التي يمنحها الدم الإمبراطوري وُجدت لحماية الإمبراطورية، لا لقتل رعاياها. لكنّ القوة التي استُخدمت يومها كانت طاقةً مميتة.”
“هل هذا مؤكد؟“
“نعم، مؤكد جلالتك. وسيد البرج كان حاضرًا، وقد رآها بعينه.”
‘لا! هذا غير صحيح! أنا لم أُؤذِ أحدًا! إنها قدرة الشفاء، وليست الهجوم!’
نظرتُ نحو فالدير أرجوه بعينيّ أن يقول الحقيقة، لكنّ كلماته التي قالها لي قبل أيامٍ عادت ترنّ في رأسي:
‘هل أظهرتِ قدرتك؟‘
‘نعم…’
‘لكنها بدت هجومية.’
‘لا، إنها قدرة علاجية.’
‘علاجية؟ غريب… لقد رأيتكِ تسحقين النبلاء هناك.’
‘ماذا؟‘
‘هاهاها، سموّ الأميرة طريفة حقًا.’
‘لا… لا يمكن… أهو أيضًا يظن أنّ قدرتي هجومية؟‘
رفعتُ نظري إليه بلهفة، لكنه لم يُعِرني نظرةً واحدة، وظلّ صامتًا، يحدّق في الماركيز بعينين جامدتين لا حياة فيهما.
“إنّ… إنّ قدرة إيلين هي…”
“لتصمتي يا ابنتي.”
قاطعني أبي بصوته الجليل الذي لا يُنازَع.
“تابع يا ماركيز.”
“أخشى أن الاستمرار في تدريب سموّ الأميرة على مهام الوريث قد يكون خطرًا. بل أرى أنّ علينا الحدّ من مخالطتها للآخرين حتى تتبيّن حقيقتها.”
قالها وهو ينظر إليّ بنظرةٍ باردةٍ كالسيف.
تسارعت أنفاسي، وضجّ رأسي بالرفض.
“لا… لا! لستُ كما تقول! لا أريد أن تعزلوني مجددًا!”
‘هل سيحبسونني في الظلام مرةً أخرى؟ أفي هذه الحياة أيضًا؟ أسرع من المرة السابقة؟‘
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"