استمتعوا
ريمون كارلسون.
هو الابنُ الثاني لعائلةِ الكونت كارلسون، وقد تخرَّجَ متصدّرًا في الأكاديميّة وهو في صِغَرٍ غير مألوف.
لكنّ عقله حادٌّ، وطبعه خشنٌ ووحشيٌّ، فكانت العائلةُ تُخفي حقيقةَ طبيعته هذه.
ربّما لذلك أُلصِقَ بي هكذا التصنيفُ.
أنا أيضًا اكتشفتُ ذلك بعد أن خضتُ التجربةَ بنفسي.
في حياتي السابقة حاولتُ أن أتجنّبَ ما حدث لي مع ريمون كارلسون، فبحثتُ عن معلّمٍ آخر في هذه الحياة، وبِحُسن حظٍّ عرَفتُ رابطةَ التلميذ والمعلّم مع فالدير.
ظننتُ أنّ الهروبَ يكفي، لكنّ مصيري انتقلَ إلى لوكاس بدلًا عنّي.
هل احتملَ لوكاس هذا اللوعةَ طوال الأشهر الثلاثة الماضية؟ لماذا يكابر ذلك الطفلُ الضجِرُ على هذا الفعل؟
على أيّ حال، لوكاس لو تعلّمَ من غير ريمون لكان سيَصِرُّ على نفس الحال.
إذًا كانت علاقتنا في الحياةِ السابقة لتصبحَ هكذا منفصلةً ومشوّهةً.
هؤلاء النبلاءُ يقدّرون أن يصنعوا إمبراطورًا يُسوّقونَه كما يشاؤون، فيُدرِبون طفلًا لا يَعِي شيئًا بهذه الطريقة، وفي النهاية…
‘هل كانوا يُرَبّونُهُ قاتلًا يزهقُ حتى أقربَ أهلِه؟ ربّما كان لأحدهم دورٌ في موتي أيضًا.’
المعرفةُ التي اكتسبتها الآن لا تُبرّرُ بالطبع قتلَ لوكاس لي في حياتي السابقة.
لكنّي شكَّكتُ أنّ كلَّ ما جرى لم يكن من فعل لوكاس وحدَه.
“سمو الأمير، هل تستمعُ لما أقول؟“
غضبتُ في التفكيرِ فلم أجب، فاعتقدَ ريمون كارلسون أنّي أحتقِرُه، فلوّحَ بعصاٍ أمامَ عينيّ وناشدني.
“….”
يا له من إنسانٍ عظيمٍ بحقّ.
في الحياةِ الماضية كان يعبثُ بي، وفي هذه الحياة كان يعبثُ بأخي التوأم لوكاس، وما أقلَّ شأنَهُ كونه ابنُ الكونت الثاني، وهو يتكرّر عبر حياتين.
كلّما ازدادتِ الفكرةُ في رُأسي ارتفعَ طرفُ عيني بحِدّةٍ، وحدّقتُ في ريمون كارلسون بغضبٍ مكشوفٍ.
“هل تحدّقُ في معلّمِكِ هكذا؟“
“….”
“هاه. كم مرّةً علمتُك ألا تنظر إليّ بمثلِ تلك النظرات.”
قال ذلك، ثمّ غرزَ بعصاَهُ في ظهرِ يدي الممدودة فوقَ المكتبِ.
“دائمًا ما تُجبرُني على حملِ العصا. اليوم سأبدأُ بالعشرِ ضربات.”
“…ماذا؟“
لم أُدركِ المعنىَ على الفور.
“سأوقفُها حين تستعد لإظهارِ الاحترامِ للمعلّم.”
قالها وهو يبتسمُ ابتسامةً دنيئةً، فانقطعَ نفسِي وارتعدَ جسدي.
في حياتي السابقة كان وجههُ كذلك عند تعنيفي أيضًا.
كان يهيمنُ عليّ بصفتي من العائلةِ الإمبراطورية وكأنّ ذلك يُثبتُ تفوّقه.
“أتعتقدُ أنّك تستطيعُ القيامَ بهذا الفعلِ والنجاةَ منه؟“
شَدَدتُ على جسدي ثمّ نطقتُ. لم أعد وحدي، بل لديّ الآن معلّمٌ سندٌ فلا حاجة للخوف.
“ماذا قلت لتوه؟“
انحنى ريمون كارلسون مُقربًا جسده وكأنّهُ لم يسمع سوى كلامًا أعجِبَه، وفركَ أذنهُ متظاهرًا بالدهشة.
“تستقِبلُ الأمرَ وكأنّك تستخفّ بالعائلةِ الإمبراطوريّة.”
“فو… كهاهاها!”
“…؟“
انفجرَ ريمون ضاحكًا فجأةً، فارتبكتُ وفتحتُ عينيّ اتساعًا.
“سمو الأمير، يبدو أنّ فطورَك هذا الصباح لم يكن دون طائل.”
“ماذا قلتَ؟“
“أم أنّ تعليمي كان ناقصًا طوال هذا الوقت؟“
قالها، فانطفأت الضحكةُ من محيّاه كما لو أنّها لم تكن هناك.
صرخةٌ خفيفة—سرعان ما مالَ وجهي إلى اليمين واطبَعَته حرارةٌ لاهبة.
“…!”
مفاجأةُ الألمِ التي كانت أوّلَ ضربةٍ منذ عودتي من التكرار جعلتني عاجزةً عن الكلام.
“آسفٌ جدًا، لم أرغبُ في لمسكِ، هل أنت بخير؟“
عادَ وجهُ ريمون كارلسون إلى ضحكته، ثمّ بدأَ يغيظُ خدي المتورّم بعصاه.
حين قَبَضتُ على شفتيّ بقوةٍ ممتنعه عن البكاءِ، لم يجد ما يثيرهُ أكثر فأَلاطَفَ شعري برضاٍ واضحٍ.
“سمو الأمير، عليكِ أن تَصمُت وتتبِع كلامي فقط، أليس قد قلتُ مرارًا إنّ ذاكَ الشخص سيتكفّلُ بأن يجعلَكِ إمبراطورَ هذه الإمبراطوريّة؟“
‘ذاك الشخص‘؟
“من بحقِّ الـ…”
“غيرُ مسموحٍ للأميرِ أن يَسألَ.”
حين هممتُ بالسؤال قاطعَني ريمون بصرامةٍ، فأدركتُ أنّ ثمة من يقِفُ وراءَهُ قطعًا.
يا لهُم من حمقى. يجلسون طفلًا في السادسةِ على عرشٍ ويجرّبون عليه مثل هذه الأمور.
قبَضتُ بقبضتيّ على حافةِ المكتبِ لأمنعَ الدموعَ من الانهمار، كأنّها ستفيض في أيّ لحظة.
“سأقتُلُكم…”
“ماذا قلتِ؟“
“أنتمُ جميعًا…”
“حقًا تثير غضبي اليوم.”
“سأقتُلُكم…”
“هاه. انهض فورًا.”
تنفّسَ ريمون كارلسون ثمَّ أمسكَ بطوقِ رقبتيّ. كان أسلوبُهُ مهذبًا في الكلام، لكن أفعاله وكلامه يصدران منبعًا بعيدًا عن أيِّ أدبٍ.
“جرّب إن استطعت.”
“…….”
كان النبلاءُ الواقفون في آخر قاعة الدراسة يكتفون بالمشاهدة، كأنّهم متفرّجون في مسرحٍ دمويّ، لا يتدخّلون مهما فعل ريمون كارلسون بي.
“قلتُ. جرّب إن استطعت!”
زمجرَ ريمون وهو يهزّ ياقة ثوبي بعنفٍ حتى كاد يخنقني.
“سأقتلك!”
صرختُ وأنا أحدّق فيه، وقد انطلقتْ الكلمات من صدري كزئيرٍ مكبوت.
وفي اللحظة التالية، تماوجَ من تحت قدميّ ضبابٌ أسود، كأنّه ظلّي وقد دبّت فيه الحياة،
واندفع بسرعةٍ خاطفةٍ نحو ريمون، فالتفَّ حولَ قدميه كأنّه وحشٌ يبتلع فريسته.
“أيها الأميرُ التافه!”
“…….”
ترنّح ريمون إلى الخلف وقد أفلتَ قبضته عني، وملامحُ الدهشة تتآكلُ وجهه.
“ما… ما هذا؟ كَه!”
لم أُجب.
كان الضبابُ الأسود يزحفُ صاعدًا على جسده، يلتفّ حول عنقه ويقبض عليه بقوّةٍ متزايدة.
“ماذا يحدث هنا!”
“يا كارلسون!”
“ماذا تفعل بحقِّ السماء!”
بدأ النبلاءُ، الذين كانوا حتى اللحظة صامتين، يتقدّمون نحوي وقد شعروا أنّ الأمر خرج عن السيطرة.
“اقتربوا إن جرُؤتم!”
صرختُ وأنا أستدير إليهم.
وفي اللحظة ذاتها، انطلقتْ ألسنةُ الضباب من حولي نحوهم كسهامٍ مظلمة.
“آااخ!”
“كَه!”
“الـ… الأمير!”
تخبّطوا في أماكنهم، يتلمّسون أعناقهم كأنّهم يختنقون، ثمّ سقطوا واحدًا تلو الآخر على الأرض.
وبينما كنتُ أراهم يتلوّون، عادت إليّ ذكرياتُ حياتي السابقة بكلِّ وضوحها، وتخيلتُ ما كان لوكاس يعانيه على أيديهم.
حينها اشتعلَ الغضبُ في دمي.
“لماذا؟ لماذا فعلتُم بي ذلك؟!”
صرختُ كمن يطلب اعترافًا لا يأتي.
“هل هذه… قوّةٌ العائلة الإمبراطوريّة؟“
“يا إلهي، أيُّ طاقةٍ شيطانيّةٍ هذه!”
“أوقفوه… حالًا!”
لكنّهم، حتى وهم يختنقون، لم يروا سوى ‘الظاهرة‘ الخارقة، لا عذابي، لا وجعي.
“لن أتركَكم بسلامٍ هذه المرّة.”
ارتجفَ الهواءُ من حولي حين فاضتْ الطاقةُ من جسدي دون وعيٍ منّي، وتمنّيتُ في أعماقي أن يتجرّعوا الألمَ ذاته الذي ذقته.
“جرّبوا أنتم أيضًا كيف هو العذاب.”
وكأنّ الظلالَ تفهمُ إرادتي، انطلقتْ مني عواصفُ الضبابِ الأسود والتفّت حول النبلاء، تخنقهم وتجرّدهم من أنفاسهم.
“ا… ارحمنا سموك!”
“أاااه!”
“…….”
بعضُهم كان قد أغمي عليه والزبدُ يتجمّعُ على شفتيه، والبعضُ الآخر لا يزال يتوسّلُ للحياة وهو يترنّحُ على الأرض.
“هِكّ!”
خرجتْ من فمي شهقةٌ متقطّعة، وشعرتُ بقواي تنهارُ فجأةً، كأنّ الأرضَ تبتلعني ببطء.
“لا… لم أنتهِ بعد.”
لم أستطع السقوط.
لم أستطع أن أنهار قبل أن أُعيدَ لهم كلَّ ما صنعوه بي.
شدَدتُ على جسدي بكلِّ ما تبقّى لي من قوّة، فانفجرَ الضبابُ من حولي يملأ القاعةَ كلَّها.
كراك!
سمعتُ صوتَ كسرٍ خافتٍ عند معصمي — الحجرُ الفيروزيُّ الذي كان في سوارِ فالدير قد تفتّت.
لكنّ عينيّ ظلّتا معلّقتين على وجوه النبلاء، التي كانت تبهتُ حتى ازرقتْ ثمّ مالتْ إلى الأرجوانيّ.
“آاااه!”
“وحش! إنه وحش!”
“شيءٌ كهذا لا يحقُّ له أن يعيش!”
“يجبُ أن يُحبسَ حالًا!”
حتى في لحظاتِ اختناقهم، وجدوا الوقتَ ليتّهموني ويشيروا إليّ بأصابعهم المرتجفة.
وسهامُ كلماتهم اخترقتني، لكنّني لم أوقف تدفّقَ القوّة.
“سموّ الاميرة.”
جاء صوتٌ هادئٌ، ومعه دفءُ كفٍّ وُضعت برفقٍ على كتفي.
ارتجفَ قلبي عند سماعه، فاستدرتُ بصعوبةٍ نحو مصدره.
“المعـ… المعلم؟“
“شش… الآن كلُّ شيءٍ على ما يُرام. اهدئي.”
ابتسمَ فالدير لي، واقفًا خلفي كمن نزل من النور.
‘المعلّم… أتى إلى هنا بنفسه.’
بمجرد أن رأيته، تهاوى الجدارُ الذي كان يطوّق صدري، وتنفّستُ للمرة الأولى دون ألم.
“معلّم؟“
“قال… سموّ الأميرة؟“
“أتقصدون أنّ هذا الوحش… أميرة؟!”
“هي التي تجلّتْ فيها القوّة؟!”
لم تدمْ لحظةُ الطمأنينة طويلًا.
ارتجفَ جسدي عند سماعِ كلماتهم.
لقد استفاقوا، وسمعوا حديثي مع فالدير.
“أيّ شرفٍ يبقى للأسرة الإمبراطوريّة إن كانت تملك مثل هذه القدرة!”
“إنها طاقةٌ شرّيرة، تُهلكُ الناس!”
“لم يعد هناك من يمكن الوثوق به إلا الأمير!”
مرةً أخرى… عادوا للمقارنة بيني وبين لوكاس.
أما زالوا لم يستفيقوا بعد؟
“كفّوا… أرجوكم، كفّوا!”
وضعتُ يديّ على أذنيّ وصرختُ من أعماقي.
“……!”
“آااخ!”
“كهاه!”
“غاه!”
بمجرد أن صرختُ، اضطربتْ أجسادُهم كما لو صُعقوا بالكهرباء، ثمّ تهاوَوا أرضًا فاقدين الوعي.
“إيلين!”
“كفى… توقّف.”
تمتمتُ، غافلةً عما أفعل، وما زالت الطاقةُ تتدفّقُ من جسدي.
“يكفي الآن.”
اقتربَ فالدير، يضمّني بذراعَيه، بينما يتأمّل النبلاء الممدّدين على الأرض.
ربّتَ على ظهري برفقٍ مطمئنٍ.
عندها فقط، انفجرَ السدُّ في صدري، واندلعت الدموعُ من عينيّ.
وبينما كنتُ أبكي، بدأتْ خيوطُ الضبابِ السوداء تتلاشى، كأنّها ذابت في الهواء متأثرةً بانكسارِ قلبي.
“أوه… معلّمي…”
نظرَ إليّ فالدير بصمتٍ ثمّ أجابني بنبرةٍ هادئةٍ مطمئنة.
“أنا هنا.”
“أنا… لا أريد أن أكون إمبراطورةً، أبدًا…”
“ومن قال إنّكِ يجب أن تكونيها؟ لا تفعلين ما لا تريدين. تلك مجرّد أطماعٍ من الكبار.”
أعاد قبضتَه حولي، وهمس في أذني بصوتٍ دافئٍ كالحلم.
“لكن… لماذا لا يتركونني أنا ولوكاس وشأنَنا؟“
“…….”
“لا أريد العودة إلى ذلك الوقت مجددًا… أبداً…”
توقّفتْ يدُه التي كانت تربّت على ظهري.
ثمّ قال بصوتٍ منخفضٍ، وقد غامت عيناه.
“ذلك الوقت؟ أيُّ وقتٍ تعنين؟“
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"