✦ الفصل 9 ✦
رفعت ديانا صلاة طويلة من أجل شنتيلا، ومن أجل الطفل الذي لم يُكتب له أن يولد.
وحين خرجت من غرفة الصلاة، كانت الشمس قد بدأت تميل نحو المغيب.
وبرغم أن أيام الربيع لا تطول فيها ساعات النهار، إلا أن الوقت بدا متأخرًا.
“آنستي!”
أسرعت جيسي نحوها بعدما كانت تقاوم الملل خارجًا بانتظارها. فقد أصرت ديانا على أن تدخل غرفة الصلاة وحدها، فظلت جيسي هناك طوال الوقت.
“ألا تشعرين بالجوع؟ هل أنهيتِ صلاتكِ على خير؟“
“نعم، صليتُ جيدًا… ولا أدري إن كنتُ جائعة أم لا.”
“آه… يبدو أن اقتراب موعد زفافكِ أثقل تفكيركِ. عمَّ دعوتِ؟“
سألتها جيسي بلطف وهي تساعدها على ارتداء معطفها وتغلقه بإحكام.
وبلمساتها الماهرة، استقرت هيئة ديانا في أناقة مرتبة.
“لا شيء محدد… هل أكلتِ شيئًا يا جيسي؟ لا تقولي إنكِ بقيتِ هنا طوال الوقت.”
“وكيف لي أن أعرف متى ستخرجين يا آنستي؟“
أخرجت جيسي طرف لسانها بخفة وابتسمت.
إن كان ثمة شيء لم يتغير، فهي جيسي.
كانت مخلصة بإفراط يكاد يبدو ساذجًا.
ابتسمت ديانا ابتسامة خفيفة يشوبها شيء من المرارة.
“لا بد أنكِ جائعة. ما رأيكِ أن نتناول الطعام في طريق العودة؟“
“ماذا؟ أنا وأنتِ؟“
اتسعت عينا جيسي بدهشة.
ففي العادة، تختلف الأماكن التي ترتادها ابنة دوق فيلادلفيا الكبرى عن تلك التي تذهب إليها خادمة في القصر حتى من حيث الموقع.
ولو رآهما أحد تجلسان معًا لربما أصبحتا حديث الناس.
وفوق ذلك، وفي وقت ينبغي فيه توخي الحذر مع اقتراب الزواج، لن تتسامح الدوقة الكبرى مع أي شائعة—ولو كانت تافهة.
كادت جيسي تلوح بيديها رفضًا، لكن ديانا قالت بلا مبالاة:
“لا تقلقي. سنذهب إلى مكان فيه غرفة خاصة. أليست معدتكِ خاوية يا جيسي؟“
“حسنًا…”
“إذن لنذهب. أشعر برغبة في تناول العشاء خارجًا اليوم. فأنا في الخامسة عشرة الآن، أليس كذلك؟“
قالت ذلك بنبرة متماسكة متعمدة.
كانت تشعر وكأن صلاتها قد استنزفت كل ما فيها من طاقة، لكنها لم ترد أن تزيد قلق جيسي.
“إذًا… لنرسل رسولًا إلى القصر أولًا.”
“حسنًا.”
ترددت جيسي قليلًا، ثم أشرقت بابتسامة واسعة.
كان لتلك الابتسامة أثر مريح في قلب ديانا.
ومن بين ما أدركته بعد أن رأت المستقبل، أن الموت يسوّي بين الجميع، مهما علت منازلهم.
قد يكون النسب سلاحًا نافعًا في أوقات معينة، لكنه ليس القيمة المطلقة للحياة. لذلك، ما دام الإنسان قادرًا، فليحسن إلى من حوله.
صعدت ديانا وجيسي إلى العربة.
وأثناء مساعدتها على الركوب، ألقت ديانا نظرة خاطفة خلفها.
وكما توقعت، لم يكن إياندروس هناك.
على أي حال، بكبريائه ذاك، من غير المعقول أن يظل واقفًا منتظرًا. وحتى لو كان ينتظرها فعلًا، لما شعرت بالسرور.
أغلقت باب العربة بلا تردد.
* * *
بعد ذلك القدر من التجاهل الصريح، لا بد أن كبرياء الأمير قد تلقى ضربة موجعة. ومن الطبيعي أن تبدأ الشكوك تتسلل إليه بشأن ديانا.
كان من المفترض أن يظهر رد فعل ما، لكن على غير المتوقع، ظل إياندروس والعائلة المالكة في هدوء تام. بل إن من كانت تتململ على الجمر هي ديانا نفسها.
فالزواج لا يقف عند حدّه.
بعده… هناك ما يأتي لاحقًا.
وإن لم يُفلح الأمر مهما حاولت…
قبضت ديانا على أسفل بطنها بأصابع متشنجة.
سمعت أنه حتى إن لم تتوفر بعض السموم في الأسواق العادية، فإن السوق السوداء تبيع عقاقير تمنع الحمل نهائيًا.
لم تستطع أن تتخيل إزهاق روح بيدها.
فقد عرفت كم هو موجع أن يُدفن الطفل في صدر والديه. لم تستطع أن تجعل والديها يمران بمثل ذلك العذاب.
إذًا، فلتتحمل هي وحدها شقاء إياندروس هذه المرة، حتى لا يضطر أحد إلى تجرع ذلك الحزن مجددًا.
وعلى الرغم من مظهرها الهادئ وهي تقرأ كتابًا، كانت الأفكار في داخلها تضطرم بلا توقف.
ومع ذلك، قبل أن تبلغ ذلك الحد، كان عليها أن تجرب كل وسيلة أخرى. غير أن الحقيقة الأوضح ظلت كما هي: أفضل حل يخطر ببالها هو ألا تتزوج إياندروس من الأساس.
مررت أصابعها على الصليب المعلق في عنقها.
كان ذلك الصليب هو الثقل الذي ستعيش حاملةً إياه.
ثقل شنتيلا التي ذبلت قبل أن تتفتح، وثقل الطفل الذي لم يُمنح حتى اسمًا.
بدا الصليب الفضي واضحًا لافتًا فوق فستانها الأزرق الداكن.
وبينما كانت أشعة الشمس خلف النافذة تضيء ملامحها من الخلف، بدت ديانا كأنها قديسة هادئة.
تنهدت جيسي وهي تراقبها.
‘في الآونة الأخيرة، لم تعد آنستها تخرج كما اعتادت.’
رسائل الفتيات النبيلات اللواتي اعتدن مراسلتها ظلت من دون فتح.
كانت ديانا ترى في الخروج إلى المقاهي معهن متعة أيامها المشمسة، لكنها الآن أصبحت هادئة أكثر مما ينبغي.
لم تعد تفارق المكتبة أو غرفة نومها، تقرأ بلا انقطاع كتبًا سميكة وأخرى رقيقة بلا تمييز.
وإذا أرهقها التعب، تكورّت على نفسها ونامت.
ازداد شرودها وكثرت لحظات صمتها، بل وأصبحت أحيانًا ترغب في البقاء وحدها، حتى بعيدًا عن جيسي.
عبثت جيسي بأصابعها بقلق.
“آنسة ديانا.”
“نعم.”
أجابت ديانا بصوت هادئ.
“إن كان هناك ما يزعجكِ، فعليكِ أن تخبريني به. أنا جيسي الخاصة بكِ أليس كذلك؟“
رفعت ديانا عينيها عن الكتاب ورسمت ابتسامة خفيفة لتطمئنها.
“بالطبع يا جيسي.”
بقيت جيسي تحدّق في وجهها الصافي الشفاف للحظاتٍ طويلة، غير قادرة على أن تصرف نظرها عنه.
وربما كان ذلك التحديق انعكاسًا لقلقٍ تسلل إلى قلبها دون أن تجد له تفسيرًا.
* * *
“آنستي!!!”
صرخت جيسي وانهارت على الأرض.
كانت ترتجف وهي تكتم فمها بيدها، فيما أخذت قطرات دم ديانا تتناثر فتلطخ طرف تنورتها.
لعلّ ذلك القلق الذي شعرت به قبل أيام لم يكن إلا إنذارًا مبكرًا لما يحدث الآن.
كانت ديانا ممددة على السرير شاحبة كجثة وجفناها يرتعشان ارتعاشًا خفيفًا.
“آنستي، ما الذي حدث…! آنستي! أفيقي أرجوكِ! أحدٍ ما، ساعدونا!!!”
هرعت خادمات قصر فيلادلفيا على صراخ جيسي، فتجمدن أمام المشهد المفجع.
دم يسيل على طول المعصم، وديانا مسجّاة فوق السرير وخنجر صغير لا يزال في يدها.
لم يكن من الصعب تخيّل ما جرى.
كان الدم لا يزال يتدفق من معصمها الأيمن.
تفرّق الخدم مذعورين ينادون طبيب العائلة وسيدتهم بأصوات مرتفعة.
وكأن القدر تعمّد قسوته، فقد كان جميع أفراد عائلة فيلادلفيا خارج القصر ذلك اليوم.
كان غينيوس في مأدبة غداء للنبلاء، والدوق في اجتماع مع العائلة المالكة، أما الدوقة الكبرى فكانت في مناسبة اجتماعية مقررة مسبقًا.
وهكذا، بقيت ديانا وحدها في ذلك القصر الفسيح.
في النهاية، لم يُجب نداء الخدم المضطرب سوى طبيب العائلة في فيلادلفيا.
تقدّم بثبات وضغط منشفة بإحكام على معصمها الأيمن.
“سيد جايسون، آنستنا… آنستنا ستعيش، أليس كذلك؟ لن يحدث لها شيء، صحيح؟“
رمق الطبيب جيسي بنظرة سريعة، ثم أشار إلى مساعده.
“أخرجوا الجميع وجهّزوا الإبرة والخيط! وأحضروا ماءً فاترًا.”
“حاضر!”
“جيسي، عليّ الآن أن أخيط معصم الآنسة. الجرح أعمق مما يبدو، وإن أخطأنا فقد لا تستطيع استخدام يدها مجددًا. فهل تظنين أن صراخكِ سيساعدني؟“
نظرت إليه جيسي بذهول، ثم هزّت رأسها.
أدركت أن هلعها لن يغير شيئًا.
انفجرت دموعها تسيل بغزارة وقالت بصوت مرتجف:
“أرجوك… أرجوك اعتنِ بآنستنا….”
“جيسي، اخرجي واستدعي كبير الخدم ورئيسة الخادمات. ما حدث هنا لا يجب أن يتسرّب إلى الخارج. قد يدمّر مستقبل آنستكِ. إن شاع الأمر، فقد تُساق إلى مصحّ للأمراض العقلية وشيء آخر….”
“و… وشيء آخر؟“
“قد يُفسخ خطوبتها. وكل أنواع المصائب قد تتبع ذلك.”
أومأت جيسي بوجه شاحب وقد ارتسمت عليه عزيمة يائسة.
ولأن جايسون لم يعلّق بشيء حول خطر الموت، بدا أن حياتها على الأقل ليست في خطر مباشر.
تماسكت جيسي وأخرجت المتجمهرين من الغرفة، ثم انطلقت للبحث عن رئيسة الخادمات وكبير الخدم كما أُمرت.
وبينما أغلق الخدم أبواب قصر فيلادلفيا بإحكام، كان أول من عاد – ويا للمفارقة – هو غينيوس.
لكن المشكلة أنه لم يعد وحده، بل كان برفقة إياندروس.
“ما الذي يحدث في القصر؟ لماذا كل هذا الاضطراب؟“
سأل غينيوس كبير الخدم باستغراب.
كان وجه الأخير شاحبًا على نحو غير مألوف، خاصة وهو ينظر إلى إياندروس.
لم يكن هذا سلوك رجل طالما اعتز بخدمته لقصر الدوق.
“كبير الخدم؟“
“سيدي… لدي أمر دقيق أود إبلاغك به.”
“إذن له علاقة بهذه الفوضى. أين ديانا؟ غيرول، اصطحب الأمير إياندروس إلى غرفة الاستقبال.”
“نعم سيدي!”
“سموك، أرجو أن تسمح لي بالانصراف قليلًا….”
“تفضل، سأتريث هنا.”
قاد كبير الخدم غينيوس سريعًا إلى مكان جانبي بعيدًا عن الأنظار.
كان ارتباكه واضحًا؛ فلم يقده إلى المكتب كما جرت العادة، بل إلى غرفة ضيوف.
تسلل شعور ثقيل بالقلق إلى قلب غينيوس. ثم إن ديانا لم تنزل رغم عودته… وهذا وحده كافٍ لإثارة الريبة.
وجوه الخدم المذعورة، ووخزة حادة في أنفه كأن رائحة الدم لا تزال عالقة في الهواء.
“لا بد أن أمرًا جللًا قد وقع.”
“الأمر….”
ابتلع كبير الخدم ريقه بصعوبة، وهمس بصوت مخنوق:
“الآنسة….”
“ديانا؟“
“الآنسة جرحت معصمها. استدعينا السيد جايسون ليجري لها خياطة عاجلة… لكنها لم تستعد وعيها بعد. فقدت دمًا كثيرًا، ونحاول تحضير دواء لتعويض النزيف….”
“ما هذا الذي تقوله؟! هل تعي ما تنطق به؟!”
أمسك غينيوس بكتفيه بعنف.
شعر وكأن شرارة نار اشتعلت في عينيه.
نعم، سمع من قبل عن نبلاء أنهوا حياتهم بأيديهم… لكن ديانا؟ لم يكن لديها أي سبب يدفعها إلى ذلك!
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"