✦ الفصل 8 ✦
انتشر خبر خروج ديانا بعد انقطاعٍ طويل ووصل بالطبع إلى الدوقة الكبرى وإلى غينيس أيضًا.
كانت الدوقة الكبرى تحتسي الشاي في هدوء، ولمّا بلغها الخبر، ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة أخيرًا.
فقد كانت ديانا لا تغادر غرفتها أصلًا، وخروجها بحد ذاته كان أمرًا محمودًا، وإن بدا غريبًا بعض الشيء أن يكون مقصدها الأول هو المعبد.
لا شكّ أن ديانا استعادت رشدها.
وفوق ذلك، بدا أن الأمير إياندروس هو الآخر يوليها اهتمامًا صادقًا.
يكفي أنه جاء إلى مقرّ الدوقية في الصباح الباكر من أجلها.
“هل طرأ تغيير ما على حالة أختك النفسية مؤخرًا؟ جيسي تقول إنها أمرت بالتخلّص من كل الفساتين في غرفة الملابس واستبدالها بألوان حيادية.”
في نظر الدوقة الكبرى، كانت المشكلة من جانب ديانا.
“وما الغريب في ذلك؟“
أجاب غينيَس بلا اكتراث.
“ديانا بلغت الخامسة عشرة، لا بدّ أن ذوقها تغيّر. وربما تحاول أن تكون أكثر وقارًا الآن بما أنها ستصبح أميرة.”
“إن كان هناك ما يدعو للقلق، فالأمر يتعلق بالأمير إياندروس، أليس كذلك؟“
تابع غينيَس.
“فهو الوحيد الذي تبذل ديانا جهدها من أجله، وإذا كانت قد تغيّرت فجأة، فلا بدّ أن السبب يعود إليه.”
بدا رأي غينيَس معقولًا، فتنهدت الدوقة الكبرى تنهدًا خفيفًا.
كانت ديانا طفلة يليق بها الربيع؛ فصل البراعم الغضة، واللون الوردي، والأصفر، والأخضر الفاتح.
تلك الألوان كانت تناسبها تمامًا.
لكن منذ أيام قليلة، تغيّرت ديانا كليًا.
لزمت غرفتها ولم تعد تخرج، وفجأة أعلنت رغبتها في فسخ الخطبة.
وللأسف، لم يكن ذلك أمرًا يمكن تلبيته لمجرد أنها تريده.
أخذت الدوقة الكبرى تراجع موقفها في الأيام الماضية.
ربما كانت ديانا رغم صغر سنها تحتاج إلى المواساة والعناق، لا إلى تلك الصرامة المفرطة.
لان قلبها قليلًا.
“… هل بدت بخير؟ ماذا عن حالتها؟ هل تنام جيدًا؟“
أمور لا يمكن معرفتها من لقاءات عابرة على مائدة الطعام.
“يبدو أنها تعاني شيئًا من الأرق… وتفكّر كثيرًا. ربما بدأت تنضج.”
“تنضج؟“
“قالت لي كلامًا غريبًا.”
“وماذا قالت؟“
“قالت إنها تنمو بقدر ما أنمو أنا.”
“ديانا قالت هذا؟“
اتسعت عينا الدوقة الكبرى بدهشة.
لم تكن تتخيّل أن ديانا التي ظنتها ستبقى أصغر مدلّلة إلى الأبد قد تنطق بمثل هذا الكلام.
“إنه لأمر غريب حقًا.”
عقدت حاجبيها برفق.
حين تعود ديانا اليوم، لا بدّ من الحديث معها.
شعرت وكأن شرخًا خفيًا بدأ يتسلل إلى بيت فيلادلفيا الذي كان هادئًا حتى الآن.
“… قريبًا ستخرج قوات فيلادلفيا الخاصة إلى المعركة. الحرب لم تعد بعيدة.”
“هل من المؤكد أنني لست مضطرًا للذهاب؟“
“أنت لا تجيد حتى حمل السيف كما ينبغي. ذلك المكان أنسب لابن عمك الأكبر منك.”
كان ردّ الدوقة الكبرى حاسمًا.
من سيمثّل فيلادلفيا في هذه الحرب هو قريب غينيَس، بيديغَن، وهو رجل لا يُجيد شيئًا بقدر إجادته لاستخدام السيف.
“بيديغَن لا يعرف سوى التلويح بالسيف. في ساحة الحرب، نحتاج إلى من يفكّر أيضًا. وإلا سنُساق دون وعي.”
“وهذا أيضًا من مسؤوليات بيديغَن يا غينيَس. أعرف طيبتك، لكن إن غادرتَ أنت، فماذا عن فيلادلفيا؟“
نظرت إليه الدوقة الكبرى بنظرة حادة.
كان بريق عينيها الذي بدا قبل قليل دافئًا تحت أشعة الشمس قد صار قاسيًا فجأة.
“وأختك؟ ماذا ستفعل بديانا؟“
عند ذكر اسم ديانا، أومأ فينيَس برأسه على مضض.
“حسنًا. أنتِ دائمًا تستخدمين ديانا في مثل هذه اللحظات.”
“وما حيلتي؟ إنها الورقة التي تؤثّر فيك أكثر من غيرها.”
كان ذلك في النهاية جزءًا من استراتيجيتها لمنعه من الرحيل. وهكذا خمد الحوار القصير بينهما. ومع ذلك، لمَ كانت كلمات ديانا تتردد في ذهنه بإلحاح؟
أخذ فينيَس يعبث بفنجان الشاي الذي برد منذ زمن.
‘احمِ نفسك أولًا، لا أنا، يا غينيَس.’
من أين جاءت تلك الكلمات؟
كانت ديانا تبدو بسيطة ومشرقة، لكنها في الحقيقة أعمق مما يظنه الجميع.
لا يمكن أن تكون قد قالت ذلك بلا معنى.
‘لا يجب أن يتم هذا الزواج يا غينيَس! إن حدث، سنكون في خطر… أنت أيضًا ستكون في خطر!’
لم تفارق خياله صورة ديانا وهي تركض نحوه بوجهٍ شاحب كأن صاعقة قد ضربتها.
* * *
لم يخفف إياندرِس من سرعة عربته حتى توقفت عربة ديانا أمام المعبد.
وهكذا، نزل الاثنان من عربتيهما في وقتٍ متقارب.
“ديانا.”
ناداها إياندروس ثم أمسك بها بحذر.
أطلقت ديانا زفرة خافتة وأدارت رأسها قليلًا.
لو أنه تصرّف كعادته لكان أفضل، فما الذي يدفعه إلى هذا الآن؟
نظرتها إليه كانت باردة كأن احتكاك الجليد يُسمَع منها، ومع ذلك لم يستطع إياندروس أن يترك يدها.
شعر وكأن ديانا التي كان يظنها دائمًا إلى جواره توشك أن تختفي.
“ديانا، دعيني أذهب معك. سأفعل كما تفعلين أنتِ…”
“أنت.”
قالتها بصوتٍ مكبوت بالكاد خرج منها.
“لا تعرف شيئًا.”
“ماذا؟“
“لا تعرف شيئًا، ولذلك تستطيع أن تقول هذا!”
وأخيرًا انفجرت ديانا صراخًا.
التفتت أنظار زوّار المعبد إليهما دفعة واحدة.
كانت تلهث من شدّة الغضب فعضّت على شفتيها بقوة ثم نزعت يد إياندروس التي كانت تمسك بها.
“أنا… أنا، ماذا يجب أن أفعل؟“
“لا تتبعني يا إياندروس.”
تمتمت ديانا ببرودة أكثر من أي وقت مضى.
“هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنك فعله الآن.”
حدّق إياندروس مذهولًا في ظهر ديانا البعيد.
كان ظهرها المتصب وهي مرتدية الفستان الكحلي الداكن يتلاشى بسرعة في المسافة.
ركضت جيسي خلفها حاملة المعطف تلاحقها بسرعة.
كانت جيسي تنظر خلفها بقلق متكرر، لكن…
ديانا لم تلتفت إلى الوراء أبدًا.
لم يسبق لإياندروس أن رأى ظهر ديانا من قبل.
والآن، كل ما يمكنه فعله هو مراقبة ظهرها وهي تمشي.
قبل أيام، واليوم أيضًا، كان الأمر كإبرة تغرس قلبه بحدة.
“ديانا…”
تمتم إياندروس بصوت خافت، مذهولًا.
شعور كأن شيئًا كان يُعتبر مسلّمًا قد انتُزع منه في لحظة واحدة تاركًا فراغًا في قلبه.
خطر له فجأة، إذا استمر في التردد كما كان يفعل دومًا، قد يفقد ديانا إلى الأبد.
“يا صاحب السمو، بماذا تفكر؟“
“….”
“يبدو لي أن الأمر خطير جدًا… وأنت تفكر بنفس الطريقة، أليس كذلك؟“
بجانب الأمير الصغير الذي لم يرد، ضحك كولين ضحكة متوترة غريبة بعض الشيء.
* * *
تنفست ديانا بعمق.
“آنسة…”
“لا بأس.”
قاطعَت ديانا جيسي قبل أن تكمل كلامها.
“أنا بخير، والأمير بخير أيضًا. لذا لا داعي للقلق.”
حتى في المعبد، حيث جاءت لتصلي من أجل الأطفال، لم تكن ترغب في الحديث عن ذلك الوغد.
عندما دخلت، ارتجف قلبها.
فبالنسبة لها، كان هذا المكان مقدسًا…
أما إياندروس، فلم يكن يملك حتى الحق في أن تطأ قدمه أرض المعبد، ولا الحق في الحداد على الأطفال أيضًا.
جرّت ديانا فستانها الكحلي الطويل على الأرض.
“أمكِ جاءت يا شنتيلا.”
فتحت باب غرفة الصلاة بالمعبد.
كان المكان مفتوحًا للجميع، وقد حضر الكثيرون بالفعل لأداء الصلوات.
تدخلت ديانا بينهم بشكل مناسب ثم ركعت على ركبتيها.
“شنتيلا…”
همست ديانا بصوت خافت.
خلعت الصليب الذي كانت تضعه حول عنقها وقبّلته.
أين ستكون شنتيلا الآن؟ وعلى عكس طفلها الثاني الذي لم يُولد أبدًا، ماذا حدث لشنتيلا…
ارتجفت يدها وهي تمسك قلادة الصليب.
إذا لم تتخذ القرار نفسه هذه المرة، فلن تولد شنتيلا أبدًا.
هذا الكائن اللطيف والدافئ سيمحى تمامًا من هذا العالم، كأنّه لم يوجد أصلاً.
شدّ قلبها.
كان مؤلمًا أن تكون هي وحدها من تذكر شنتيلا.
لم يكن أحد يتذكر طفولة شنتيلا، لطافتها وحبّها.
عندما بلغ إياندروس العشرون، غمره شقاءه لدرجة أنه لم ينظر حتى إلى ابنته.
ترك شنتيلا مهملة بلا اكتراث وجذبها في نهاية المطاف إلى دوامة بؤسه بلا رحمة.
بدون حماية الملك والأب، كان شنتيلا معرضة للخطر بالكامل.
بعد الحادث المأساوي، بدا إياندروس فاقدًا لأي رغبة في الحياة، لدرجة أنه لم يكترث لموت شنتيلا في طفولتها.
ديانا وحدها لم تمتلك القوة الكافية لحمايتها.
وكانت فيلادلفيا رغم عظمتها بالكاد تستطيع حماية إياندروس العاجز وديانا الضعيفة.
حتى لأقوى الأسر، كان الحفاظ على الملكية مهمة شاقة جدًا.
ومع ذلك، نمت شنتيلا جميلة وبصحة جيدة رغم كل الظروف.
‘أمي، ما هذا؟‘
‘زهرة. انظري، أليست جميلة؟‘
“‘عم يا أمي! إنها جميلة مثل أمي.’
‘الآن هذه الزهرة لك، فماذا ستسميها؟‘
“همم… الزهرة جميلة، وأمي جميلة… هل يمكنني أن أسميها باسمك؟“
ابتسامتها المشرقة لم تفارق ذهن ديانا.
كانت طفلة دافئة كأشعة الشمس التي ترسم ظلّها على الأرض من نافذة المعبد.
كانت شنتيلا لا تزال حية في قلب ديانا.
أرادت رؤيتها مرة أخرى.
إذا استطاعت رؤيتها مجددًا، وعانقتها أكثر من قبل، لما مانعت من تكرار حياة زوجية شاقة.
لكن لم يكن بإمكانها السماح للطفلة الصغيرة بأن تواجه الموت مرة أخرى.
حتى لو كان السعادة محدودة، فإنها ستكون سعيدة بالنسبة لها، لكن شنتيلا ستعيش جحيمًا.
هذه المرة، لن تتباهى بالاعتداد بأنها ستحميها.
ديانا كانت قديمة ومرهقة جدًا للتفاوض على حياة طفل.
اختارت دفن هذه الشرارة الصغيرة في قلبها إلى الأبد.
“آسفة يا شنتيلا. شُعلتي الجميلة… طفلتي…”
ارتجف جسد ديانا كله وهي تقبّل الصليب.
شعرت وكأن دوامة المصير العاتية ستجرفها بعيدًا.
كانت ما تزال صغيرة جدًا، لكنها استمرت في تلاوة صلواتها متمنية أن يكون أفضل ما في قدرتها هو الأفضل للجميع أيضًا.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"