7
✦ الفصل 7 ✦
تشابكت الأفكار في رأس ديانا وهي تنظر إلى إياندروس.
هل كان إياندروس في الأصل على هذه الشاكلة؟ لا تتذكر جيدًا.
لا تتذكر أي نوعٍ من الرجال كان ذلك الشخص الذي عاشت معه أكثر من نصف عمرها؛ كيف كان يفكر، وكيف كان يتصرف.
بعد تلك الحادثة، تحطّم إياندروس تمامًا وانهار، ولذلك كان من الطبيعي ألا تتذكره بوضوح.
ظلّ غارقًا في اجترار مأساة المملكة وشقائه الشخص، دون أن يلتفت إلى عائلته.
ومع ذلك، أحبت ديانا ذلك الأمير البائس وسارت معه حتى النهاية في طريق الهلاك.
لكن… كيف كان إياندروس قبل ذلك؟
كان فتى ساخرًا، لا يبدي اهتمامًا يُذكر بديانا.
لكن، هل كان هذا كل شيء؟
أم أن ذاكرتها هي التي شوّهت الصورة؟
بين الماضي واليوم، كانت تصرفات إياندروس تجاهها مختلفة عمّا تتذكره عنه.
“ولماذا يفعل الأمير ذلك؟“
سألت ديانا بعد صمت.
ربما كان إياندروس يراقب تصرفاتها، يلازمها ليرى إن كانت تتظاهر بالجنون أم أنها مجنونة فعلًا.
تلقّى إياندروس نظرتها الغارقة بهدوءٍ مماثل.
“لأنني أريد أن أصلّي أيضًا.”
“ومن أجل ماذا؟“
“من أجل أشياء لا أتذكرها.”
خرج صوته ثقيلًا لا يشبه سنه على الإطلاق.
كان ذلك خلاصة تفكيرٍ طويل امتد أيامًا.
إن كان ما قالته ديانا صحيحًا، وإن كان قد وُجد فعلًا طفل بينهما، وذلك الطفل…
“إن كنتُ أنا من قتله.”
أراد إياندروس أن يطلب الغفران عن ذلك وأن يصلّي من أجل طفلٍ لا يذكره.
لم يكن قادرًا على تجاهل الأمر ببساطة بحجة أنه لا يعلم، فملامح ديانا كانت مؤلمة أكثر من اللازم.
نظرتها التي بدت على وشك الانهيار كانت مليئة بمرارةٍ جارحة وعتبٍ لا يُحتمل.
على الأقل، ديانا التي يعرفها لم تكن امرأة تعبث بموت أحد.
ولهذا جاء إلى فيلادلفيا مع بزوغ الفجر.
تذكّر كيف عقد حاجبيه عندما رآها ترتدي الفستان الأسود قبل أيام، وأراد أن يعتذر بصدق عمّا لم يكن يعرفه، وعن أمورٍ لم تكن إلا هي وحدها تعلمها.
“…… لا داعي لأن تفعل ذلك.”
كان شعورًا أشبه برؤية إنسانٍ منحط يعود فجأة ليصبح إنسانًا.
لم تستطع ديانا أن تفهم إياندروس ذي الخمسة عشر عامًا على الإطلاق.
لم يكن الأمر وكأنه تغيّر فجأة، بل كأن شخصيته قد استُبدلت تمامًا.
ومع ذلك، لم يكن في نية ديانا أن تقبل إياندروس.
“ديانا.”
“… لا أفهم سبب تصرفك المفاجئ هذا. أنت لست شخصًا لطيفًا معي إلى هذا الحد يا صاحب السمو.”
“ذلك لأن…”
“تصرف كما كنت تفعل دائمًا يا صاحب السمو. هذا هو أكثر ما أتمناه الآن. اذهب إلى القصر الملكي وأخبروا الجميع أن ديانا فيلادلفيا قد جنّت وأنها فقدت صوابها. لن يكون ممكنًا دفع زواج الأمير من فتاةٍ معيبة، لكن رباط العائلتين لن ينفصم. لذلك…”
“هذا لا يمكن.”
قاطعها إياندروس بنبرةٍ حاسمة.
الآن فقط بدا له كما كانت تعرفه.
والمضحك أن ديانا في هذه اللحظة بالذات، شعرت بالارتياح.
نعم… هذا هو وجه إياندروس ليونيد وهو ينظر إليها.
وجه بارد، متجمّد، لا يظهر فيه أي أثرٍ للعاطفة.
“…… هذا كل ما أريده. لذا لا حاجة لأن تتكبد عناءً لا طائل منه يا صاحب السمو.”
أنهت ديانا كلامها بكبرياء وكأنها تغلق الباب تمامًا أمام أي شيء آخر.
أمام هذا الموقف، لم يجد إياندروس بدًّا من التراجع.
بدا وكأن ديانا ستنفجر بالبكاء في أية لحظة إن لم يتراجع ويذعن.
* * *
خرجت ديانا لتوديع الأمير بدافع اللياقة فحسب، لكنها كانت تبدو خفيفة الروح كأنها أخيرًا ستحقق ما كانت تصبو إليه بالذهاب إلى المعبد.
خرجت من القصر بوجه شارد، بينما كان إياندروس جالسًا في العربة دون أن يأمر بانطلاقها فراح كولين ينظر إليه باستغراب.
“هل أنطلق بالعربة؟“
“انتظر قليلًا.”
هزّ إياندروس رأسه نافيًا.
كان جلوسه ساكنًا على نحوٍ مقلق كأن شيئًا ما قد حدث وتركه تائهًا.
وبعد أن راقبه قليلًا، سأله كولين بحذر:
“… هل تمّ رفضك؟“
كان هذا مجرد ظنّ من كولين، لكنه اعتقد أن إياندروس جاء اليوم ليطلب من الآنسة النبيلة الخروج معه.
صحيح أن الأمير شدّد أكثر من مرة على أنه لا يقترح سوى الذهاب معًا إلى المعبد للصلاة، لكن كولين لم يكن يراه كذلك.
فإياندروس قد بلغ الخامسة عشرة هذا العام، أليس هذا العمر الذي تتفتح فيه أولى مشاعر الحب؟ بل لعلّه كان يفكّر أن الأمير بدأ أخيرًا يدخل عالم الكبار.
فحتى الآن، كان لدى إياندروس جانب متحفظ ومتحامل بعض الشيء؛ ذلك النوع الذي يتظاهر بعدم الاكتراث رغم شعوره الحقيقي.
ومع ذلك، منذ بداية هذا العام، صار يُظهر اهتمامًا متزايدًا بديانا.
صحيح أنه لم يكن يكشف لها عن مشاعره صراحة، لكنه كان يلمّح بها على طريقته.
فعلى سبيل المثال، بعد العودة من إحدى الحفلات الراقصة:
“ديانا كانت ترتدي فستانًا ورديًّا اليوم. بدا أنيقًا عليها أكثر من السابق. هل الفتيات النبيلات يناسبهن اللون الوردي أصلًا؟“
“هل تعلم كم فتاة نبيلة في عمرها ارتدت فستانًا ورديًّا اليوم؟ كان موضوع الحفل الوردة الوردية.”
“إذًا لم تكن الوحيدة؟“
أو بعد العودة من نزهة خارجية:
“أُرسلت اليوم من قصر فيلادلفيا كعكات بالكوب تحتوي على الفراولة. سمعت أن ديانا تحب الحلويات التي تحتوي على الفراولة. هل طاهي القصر الملكي يجيد صنع الحلويات؟“
“ولِمَ… تقلق بشأن أمر كهذا؟“
“إذا تزوّجنا، فستعيش ديانا في القصر الملكي. لا بدّ أن تناسبها الحلويات على الأقل.”
“حتى هذا يقلقك…”
وهكذا كانت تدور الأحاديث.
على أي حال، وبالنظر إلى مجمل هذه التصرفات، بدا واضحًا أن هذا الأمير الساذج والبسيط يكنّ لديانا مشاعر إعجاب واهتمام، وإن لم يكن قادرًا على إظهارها علنًا. إلا أن الأمور بدأت تبدو غريبة منذ أيام.
فمنذ عودته من مشغل الأزياء بعد تفصيل فستان الزفاف للآنسة النبيلة، صار يقضي وقتًا أطول جالسًا في شرود.
“أممم… هل كانت الآنسة ديانا جميلة على نحوٍ لافت قبل أيام؟“
“ماذا؟“
“أقصد… هل كان فستان الزفاف يليق بها كثيرًا؟“
“ليس الأمر كذلك! أعني… كان يليق بها فعلًا، لكن…!”
تذمّر إياندروس بصوت منخفض.
“إذًا ما الذي يحدث معها؟ حتى اليوم ورغم أننا في الربيع، ارتديت فجأة فستان أسود.”
نظر إياندروس إلى كولين بنظرة غامضة.
قبل أيام، كانت ديانا تتحدث وكأنها تقذف الكلمات قذفًا، ومع ذلك لم تبدُ وكأنها تتوقع منه أن يصدقها.
بل كانت تروي كل شيء بوجهٍ خالٍ من المشاعر، كمن يؤدي واجبًا مفروضًا عليه.
والآن وهو يواجه كولين، بدأ يفهم على نحوٍ مبهم سبب تلك النظرة.
فحتى لو أفصح إياندروس عمّا أخبرته به ديانا من أسرار، لما بدا أن كولين سيصدّقه.
ومع ذلك… لماذا أخبرته ديانا بكل شيء؟
‘لن نتزوج.’
عادت الجملة التي كررتها ديانا إلى ذهنه.
‘أنت لا تحبني حقًا، وأنا كذلك. لذلك أريدك أن تُنهي هذا الزواج.’
لكن أكثر ما استقر في صدره كالسهم، كان قولها:
‘وأنا كذلك.’
لم يكن هناك مجال للشك. ديانا لا تحب إياندروس.
‘منذ متى؟‘
رغم جرأته، كان إياندروس واثقًا من مشاعر ديانا.
فبعكسه، كانت تُظهر خجلها وترددها بوضوح، ما يجعل من المستحيل ألا يلاحظ.
لكن منذ اليوم الذي ادّعت فيه أنها عادت من المستقبل، تغيّر كل شيء منذ أيام قليلة فقط.
نظراتها إليه، أسلوبها في التعامل معه… في كل لحظة عابرة، لم يكن يشعر منها بمودة، بل بكراهية ونفور.
‘لماذا…؟‘
وبضيقٍ واضح، أخذ ينقر إبهامه بإصبعه الثالث.
كانت تلك أول مرة يشك فيها إياندروس بمستقبله.
‘ماذا فعلتُ في المستقبل لأصل إلى هذا الحد؟‘
تنفّس إياندروس زفرة كان يكتمها.
لقد أضيئت إشارة الخطر في المستقبل الذي كان يتصوره. فلم يسبق له قط أن تخيّل مستقبلًا لا تكون فيه ديانا موجودة.
“كولين.”
“نعم؟“
“الحق بديانا.”
“ماذا؟ لكن لديك أعمال هذا المساء…”
“قلتُ لك، الحق بها.”
تردّد كولين أمام عناد الأمير، ثم أطلق زفرة طويلة.
مزّق الأوراق التي كان يحملها وألقاها على الأرض.
“حسنًا. يبدو أن ما يخص الآنسة ديانا أهم عندك الآن، أليس كذلك؟“
“نعم.”
“إذًا، لا بدّ أن أساعدك.”
طرق كولين حجر استدعاء السائق بوجهٍ حازم.
* * *
“هناك عربة تلاحقنا من الخلف.”
قالت جيسي ذلك وهي تلقي نظرة قَلِقة إلى الوراء.
وبالطبع، كانت ديانا قد لاحظت ذلك أيضًا.
كما رأت بوضوح ختم العائلة المالكة على العربة. لا بدّ أنها العربة التي يستقلها إياندروس، ذاك الذي ودّعته قبل قليل وكأنها تطرده.
يبدو أنه قرر أخيرًا أن يتبعها رغمًا عنها.
كانت قد ارتابت منذ البداية عندما رأته يرتدي الزيّ الأسود.
تنهدت ديانا وأغلقت الكتاب الذي كانت تقرؤه.
“دعيه. سيتوقف في منتصف الطريق.”
وضعت الكتاب فوق ركبتيها وأسندت يدها عليه.
صارت في الآونة الأخيرة تلجأ إلى القراءة أكثر من أي وقت مضى محاولةً ترتيب أفكارها المضطربة.
وبعد قليل، فتحت الكتاب مجددًا بحركةٍ عصبية.
أكثر ما كان يعقّد أفكار ديانا هو إياندروس نفسه.
لم يكن يبدو وكأنه ينوي تأجيل زواجه منها. وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يجدر بها أن تلجأ إلى حيلة جديدة؟
لقد فكّرت ديانا فعلًا في أن تذهب بنفسها إلى مصحٍّ للأمراض العقلية.
وإن لم تفعل…
نظرت ديانا إلى يدها بوجهٍ شاحب.
كانت مخفية تحت القماش والدانتيل، لكن حركة بسيطة كانت كفيلة بإظهار معصمها الأبيض النحيل.
من يُلحق بنفسه عيبًا لا يمكنه الزواج من أحد أفراد العائلة المالكة. ذلك حكم منصوص عليه في قوانين المعبد، وهو أيضًا قانون صارم يلتزم به النبلاء.
إذًا…
“لا داعي للقلق…”
همست ديانا بصوت خافت.
كان أسفل صدرها ينبض بألمٍ خفيف، كأن جرحًا قد انفتح لتوّه.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 7"