6
✦ الفصل 6 ✦
عقد غينيوس حاجبيه وعدّل جلسته.
صحيح أنه اضطر إلى إدخال ديانا في قيد زواجٍ سياسي، لكنه لم يكن يريد أن يراها بهذا التعبير.
كان يجب على ديانا أن تكون سعيدة.
كما عاشت طوال حياتها بصفتها الابنة الصغرى لعائلة فيلادلفيا، محاطة بالحب فقط!
“من الآن فصاعدًا، لا تحاول مساعدتي.”
“ماذا؟“
“لا تحاول مساعدتي أكثر من اللازم يا غينيوس. عليك أن تعتني بنفسك قبل أي شيء. لديك عائلتك أيضًا، أليس كذلك؟“
“ديانا؟ كلامك المفاجئ هذا غريب. هل حدث شيء فعلًا؟“
“… لا. لا شيء. فقط هذا ما أردت قوله. غينيوس كما أنك تكبر، أنا أيضًا أكبر.”
“ديانا… هل أصبحتِ فجأة راشدة لأن موعد زفافك اقترب؟“
ابتسمت ديانا بملامح تشبه ملامح غينيوس.
لم تصبح ديانا راشدة فجأة، بل كانت راشدة منذ زمن بعيد.
بل إن غينيوس الجالس أمامها الآن بدا لها طفوليًا إلى حد ما.
قبل عودتها إلى هذا الزمن، كانت ديانا في الخامسة والثلاثين من عمرها.
وإذا فكرت في الأمر، فإياندروس كان كذلك أيضًا.
الغريب أن إياندروس، رغم أن عمره الآن خمسة عشر عامًا فقط، لا يبدو لها كذلك.
كانت ديانا ترى في إياندروس الصغير أعمارَه كلها:
العشرين، والخامسة والعشرين، والثلاثين، وحتى الخامسة والثلاثين.
ولعل السبب في ذلك أن السنوات التي قضتها معه كانت أطول من الخمسة عشر عامًا التي عاشتها في فيلادلفيا.
رسمت ديانا ابتسامة لطيفة محاولةً منها لتخفيف قلق غينيوس.
“الأمر بسيط. كما أنك تكبر، لا يمكنني أنا أن أبقى على حالِي. اهتم بنفسك أولًا بدلًا مني يا غينيوس.”
“من الصعب أن أعتاد سماع هذا منك، ديانا. قبل مدة قصيرة فقط كنتِ تتوسلينني لأشاركك الحلوى التي آكلها.”
“ذلك لأن…”
توقفت ديانا فجأة وارتسمت ابتسامة على شفتيها.
نعم، كان هذا صحيحًا.
لا تعرف لماذا كانت أشياء غينيوس تبدو لها دائمًا أفضل من أشيائها.
كل ما كان يأكله كانت تصر على تذوقه وكل ما كان يملكه كانت تريد امتلاكه.
وبفضل غينيوس الذي كان يتنازل لها في معظم الأوقات حتى عندما تعاند بعناد غير منطقي كانت ديانا تحصل على كل ما تريده تقريبًا.
“مع ذلك، إن جاء وقت يصبح فيه الوضع خطرًا… أريدك أن تهتم بنفسك قبل أن تفكر بي.”
مع تكرارها للكلام نفسه مرارًا، بدا على وجه غينيوس الاستغراب.
قبل أيام فقط قالت إنها عادت من المستقبل، والآن كانت تتصرف فعلًا وكأن ذلك صحيح.
واصلت ديانا إلحاحها عليه.
“هاه؟ قل إنك ستفعل.”
“حقًا… حسنًا فهمت فهمت. لكن الآن جاء دورك لتجيبي يا ديانا. هل لم تنامي جيدًا؟ ما هذه الشحوب في وجهك؟ ما الذي يحدث بالضبط؟“
كانت تعلم أنه حتى لو شرحت فلن يصدقها، فاكتفت بهزّ رأسها بصمت.
“مجرد كابوس.”
كان كابوسًا طويلًا، طويلًا جدًا.
“أي نوع من الأحلام كان؟“
حدّقت ديانا في غينيوس لبرهة ثم ابتسمت وهزّت رأسها مرة أخرى.
“لا أتذكر. أيقظني تمامًا لكنني لا أذكر شيئًا منه.”
نهض غينيوس وكأنه لا حيلة له.
اقترب منها وعبث بشعرها الممشط بعناية دون نظام.
“وما الأمر الذي كنتِ تتحدثين عنه سابقًا؟ هل انتهى؟“
“نعم. لم يكن شيئًا. هو الآخر كان مجرد حلمٍ سيئ.”
“إن كان كذلك فهذا مطمئن. وإن حاول إياندروس مضايقتك… وإن جعلك تبكين، فأخبِريني فورًا يا ديانا. أنا دائمًا في صفك.”
بعد كل ما قالته، لم يفهم بعد.
أطلقت ديانا ضحكة مسموعة.
فهي أصلًا لا تنوي أن يتكرر ذلك الأمر مرة أخرى، لذا لا بأس أن يبقى غينيوس على طبيعته.
* * *
جاء إياندروس إلى مقر عائلة فيلادلفيا منذ الفجر مصرًّا على رؤية ديانا.
وبسبب هذا الزائر المبكر، دبّت الحركة في القصر منذ الصباح.
ورغم أنه جاء دون سابق إشعار، لم يكن من الممكن طرده نظرًا إلى مكانته وإلى المستقبل الذي سيجمعه بديانا.
وبسببه، اضطرت ديانا إلى التحرك بنشاط منذ الصباح الباكر.
“هاه…”
في الماضي، لم يسبق لإياندروس أن جاء لرؤيتها من تلقاء نفسه.
هذا أمر كانت متيقنة منه.
كل تصرفاته كانت دائمًا بتوجيهٍ من شخص آخر.
لم يكن رجلًا يبادر من تلقاء نفسه. وفوق ذلك، كان يحمل في داخله قدرًا كبيرًا من النفور تجاه ديانا.
لكن بعد عودتها بالزمن، صار إياندروس يقدم على تصرفات مفاجئة دون تردد.
“ما الذي جاء به منذ الصباح ليُتعبني هكذا؟“
تمتمت ديانا بصوتٍ يختلط فيه الإرهاق.
“يا إلهي يا آنستي؟ إنه خطيبكِ، لا يجوز أن تقولي ذلك! ألم تكوني سعيدة به إلى هذا الحد من قبل؟ لعل اقتراب موعد الزواج أربك مشاعر آنستنا.”
قالت جيسي ذلك بنبرة مرحة.
نظرت ديانا إلى انعكاس وجه جيسي في المرآة وابتسمت ابتسامةً مُرّة.
لم يكن اضطرابها بسبب إياندروس.
في كل مرة تستحم، وفي كل مرة تلمس بيديها الندوب الخشنة المختبئة تحت القماش أسفل صدرها، كانت تشعر بالارتباك.
كانت تلك الندوب متجذّرة بقسوة، وكأنها تحذّر ديانا.
‘لا تنسي مستقبلكِ يا ديانا.’
أحيانًا، كان يبدو لها أن ذلك الجرح أشبه بعلامة تركتها شِنْتيلا من أجلها.
‘اهربي يا أمي…….’
هكذا كان الأمر.
كان صراخ شِنْتيلا الممزّق لا يزال يطنّ في أذنيها.
ذلك المشهد حين أدارت ظهرها وركضت مبتعدة مع علمها أن الطفلة ستفقد حياتها بعد لحظات على المقصلة ظل محفورًا في ذاكرتها.
السبب الذي جعل ديانا تفعل ذلك.
السبب الذي جعلها وهي تعلم يقينًا أن شِنْتيلا ستموت تعجز عن الجري نحوها واحتضان خوفها من الموت بدلًا عنها!
وضعت ديانا يدها على أسفل بطنها بعينين فارغتين.
مرّرت كفّها على بطنٍ مسطّح لم يعد يحمل أي أثرٍ للحياة.
في ذلك الوقت، كانت ديانا حاملًا.
كانت تحمل جنينًا لم يتجاوز بعدُ كونه نقطةً صغيرة مستديرة، ولذلك لم يكن أحد يعلم بوجوده.
كان طفلًا غير متوقَّع.
كان ذلك في يومٍ عاد فيه إياندروس ثملًا وكانت ديانا قد أمضت يومًا مرهقًا حتى الإنهاك.
وقد سحقها ثقل الظروف حتى أرادت أن تتخلى عن كل شيء، فاكتفت بأن تستسلم لإياندروس بصمت.
وفي صباح اليوم التالي، ما إن أفاق حتى بدا على وجهه الخزي وغادر غرفة النوم على الفور.
أكان ذلك عبثًا من القدر؟ أم كان سوطًا إلهيًا يوقظ ديانا التي أرادت التخلي عن كل شيء؟
كانت ديانا تحمل طفلًا ثانيًا.
طفلًا لم يرَ نور الدنيا قط ومات في رحم ديانا.
لم تستطع ديانا أن تحمي شِنْتيلا ولا ذلك الطفل الثاني الذي لم تمنحه حتى اسمًا.
“هل بطنكِ يؤلمكِ؟“
“نعم…….”
أجابت ديانا شاردة الذهن.
كان الألم نافذًا حتى العظم.
سألتها جيسي مجددًا وملامح القلق بادية على وجهها.
“هل أستدعي الطبيب؟ أم أحضر لكِ ماءً دافئًا أو كيسًا ساخنًا…؟“
“لا. ليس الأمر كذلك… لا، أنا بخير.”
هزّت ديانا رأسها.
لم يكن هذا النوع من الألم مما يُشفى بتلك الأشياء.
كان فقدانًا سيلازمها طوال حياتها.
تحرّكت شفتا ديانا ببطء.
“عجّلي في تزييني. كما قالت جيسي، لا يمكننا أن نُبقي الأمير في الانتظار.”
“آه، يا لسهوِي. حاضر آنستي.”
حين انتهت جيسي من تزيين ديانا، كانت قد تمكنت من لملمة مشاعرها إلى حدٍّ ما.
أمرت الدوقة بأن يُرافق الأمير إلى غرفة الاستقبال الصغيرة.
لم تكن غرفة الضيوف الرسمية التي تُستخدم عادةً عند استقبال الزوار، بل الغرفة التي تستعملها ديانا لأغراضها الخاصة.
“إذًا هذا هو قرار أمي.”
كان في ذلك تحذيرٌ أيضًا: مهما رفضت ديانا وتمردت، فلن تستطيع مخالفة إرادة العائلة.
يكفي أن والدتها فتحت فضاء ديانا الخاص من تلقاء نفسها دون أن تنبس بكلمة. وهي أصلًا لم تكن تتوقع أن يكون الأمر سهلًا.
رؤية حزم والدتها جعلت معدتها تنقبض.
“ديانا.”
“سموّ الأمير.”
أدّت ديانا تحيةً مقتضبة.
رغم أنه مكان خاص، كانت جيسي وبقية الخادمات حاضرات.
لم يكن ممكنًا أن تنادي إياندروس باسمه كما في السابق، فالأعين كثيرة.
جلست ديانا قبالته.
ألقت نظرة خاطفة على وجه الأمير الذي بدا أكثر كآبة من ذي قبل.
“… ما سبب زيارتك؟“
سألت ديانا ببرود.
كان توقيت إياندروس سيئًا على الدوام، وهذا اليوم ليس استثناءً.
‘لماذا اليوم تحديدًا، وفي هذا الوقت؟‘
كانت ديانا تخطط للذهاب إلى المعبد لتواسي طفليها اللذين لم تستطع حمايتهما.
من أجل أولئك الأطفال المساكين الذين لا يتذكرهم هذا الرجل اللعين الجالس أمامها حتى.
“… ديانا.”
تحدث إياندروس بصوتٍ منخفض عميق لا يليق بصبي في سنه.
“بعد حديثنا قبل يومين، فكّرت في الأمر. وفكّرت أيضًا في الفستان الأسود الذي ترتدينه.”
شبكت ديانا أصابعها معًا.
شعرت بكفّيها تبتلّان بعرقٍ بارد.
كان قلبها يخفق بقوة وهي تحاول استباق ما سيقوله إياندروس. ومع ذلك، كان هدوؤها هذه المرة أفضل مما كان عليه قبل أيام.
لن يعرف إياندروس أبدًا.
لن يدرك مقدار الشجاعة التي تعتصرها ديانا في كل مرة تقف فيها أمامه.
“…… هل لديكِ أي موعد اليوم؟“
سألها وهو يراقب تعابيرها، لكنها لم تجبه بشيء.
“إن كان لديكِ وقت، ما رأيكِ أن نذهب إلى المعبد معًا؟“
ارتجفت جفون ديانا.
للذهاب إلى المعبد أسباب كثيرة.
ربما كان ينوي اصطحابها لإخضاعها لفحصٍ عقلي.
بعد أن أعاد التفكير، ربما خلص إلى أن ديانا مجنونة فعلًا.
ومع طبعه، لم يكن ذلك مستبعدًا.
لذلك…
“أنا أصدق أن ما قلتِه حقيقي. ولهذا أريد أن أصلّي يا ديانا.”
“ماذا…؟“
خرج صوت ديانا مكبوتًا ومبحوحًا، صوتًا لا يشبهها، صوتًا متصدعًا.
“من أجل أولئك الذين يجب أن أصلّي لهم.”
دَوِيٌّ مكتوم—
كان ذلك صوت قلب ديانا وهو يهوِي في قاع صدرها.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 6"