5
✦ الفصل 5 ✦
على عكس ما كانت تتمناه ديانا، لم يكن لدى إياندروس أي نية لإلغاء زواجه منها.
ولسببٍ ما، كان يساوره شعور سيئ متكرر بأن الاستمرار على هذا النحو، شارد الذهن بلا حراك، سيقوده حقًا إلى خسارة ديانا.
كان يبدو له أن ديانا ستغادره دون أي تردد، مهما كلّفها الأمر.
* * *
كان يومًا طويلًا بحق.
وضعت جيسي كيسًا من الثلج على جفني ديانا المتورمين.
•هل أنتِ متأثرة إلى هذا الحد يا آنستي؟ أم أن سموّ الأمير قال لكِ كلامًا جارحًا؟•
“… هل تظنيننا طفلين؟ تشاجرنا.”
كانت تلك الأمور قد انتهت منذ زمن منذ أن كانا أصغر سنًا بكثير. لقد بلغا من العمر ما يكفي ليدركا أن تجاهل بعضهما أفضل من تبادل اللوم والخصام. وخصوصًا ديانا الآن.
حين أجابت ديانا بصوتٍ متعب أشبه بالتمتمة بدا على وجه جيسي الامتعاض.
أي خادمة يمكن أن تكون مسرورة بعودة سيدتها ووجهها منتفخ من البكاء مهما كان السبب؟
أصدرت الفستان الأسود الذي ارتدته ديانا بعناد صوت احتكاكٍ واضح.
كان اللون الأسود أكثر الألوان كرهًا لديانا.
ومع ذلك ولسببٍ غير معلوم، أصرت على ارتداء فستان بسيط شديد السواد.
لا بد أن وراء ذلك سببًا، لكن مهما سألتها جيسي لم تحصل على جواب.
كانت ديانا تكتفي بهزّ رأسها بصمت بوجهٍ مثقل بالأفكار.
كأنها تقول: أنتِ لن تفهمي أبدًا.
بدا وكأن ديانا قد تغيّرت بين ليلة وضحاها.
“… آنستي، أنتِ غريبة اليوم حقًا. هل تشعرين بتوعك؟ أم رأيتِ كابوسًا؟ أم…”
“لا شيء يا جيسي.”
قالت ديانا ذلك بنبرةٍ لينة.
لم يكن هناك داعٍ لأن تقسو على جيسي.
فقد كانت جيسي المرأة التي اعتنت بها طوال حياتها، الخادمة الوفية التي كانت دائمًا في صفّها.
“كل ما في الأمر… أنني كبرت.”
كانت تدرك كم سيبدو هذا الكلام سخيفًا الآن، وتعلم أنه لا يختلف عن صراخ الأطفال: “أنا كبيرة! لا تعاملوني كطفلة!” لكنها كانت أيضًا التفسير الوحيد لما اقترفته ديانا، ولما ستقترفه لاحقًا.
قالت جيسي بصوتٍ يحمل شيئًا من الضحك:
“هذا خبرٌ سار. كنت أخشى أن آنستنا لن تكبر قبل زفافها، لكنكِ كبرتِ قبل أن نشعر.”
ابتسمت ديانا ابتسامةً خفيفة.
شعرت بأن جيسي أخذت كلامها على سبيل المزاح.
لكن ذلك لم يكن خطأ جيسي؛ فالغريب والمريب هنا كان ديانا، لا جيسي.
‘كيف تلقّيتَ الأمر يا إياندروس؟‘
مهما كان حكم إياندروس، فكل ما على ديانا فعله هو إنهاء هذا الزواج.
لن تهتم بعد الآن بما قد يمرّ به إياندروس لاحقًا.
فهو سواء بقيت ديانا إلى جانبه أم لا، سيسير نحو الشقاء حتمًا.
فإياندروس، في جوهره، كان رجلًا ضعيفًا.
يكفي أن تنجو ديانا وأن تنجو فيلادلفيا من ذلك المصير.
أما إن غرق إياندروس في وحل قدره، فلا شأن لديانا به بعد الآن.
ولا ينبغي أن يكون لها أي شأن به مستقبلًا.
قبل أن تفترق عنه اليوم، قالت ديانا لإياندروس إنها تتطلع إلى سماع أخبار سارة قريبًا.
أغمضت ديانا عينيها بإحكام.
جفونها الثقيلة كقطنٍ مشبع بالماء، امتلأت بالدموع مجددًا كأنها عُصرت عصرًا.
“… غدًا سأذهب إلى المعبد يا جيسي.”
“إلى المعبد؟“
“نعم. هناك صلاة أودّ أن أرفعها.”
“حسنًا يا آنستي. سأجهّز التقدمة والزهور. وبالنسبة لثياب الغد…”
[ التقدمة هي التبرعات ]
“الأسود. سأرتدي فستانًا أسود.”
“… غدًا أيضًا؟“
“نعم.”
ولفترةٍ من الزمن، وربما لما هو قادم أيضًا.
ابتلعت ديانا الزفرة التي كادت تخرج منها على سبيل العادة.
كانت جيسي تحب الطفل الذي أنجبته ديانا كما لو كان طفلها هي، كما أحبت ديانا نفسها.
لكن جيسي الآن ومن الطبيعي لا تتذكر ذلك الطفل إطلاقًا.
لا تعرف بوجوده أصلًا.
الشخص الوحيد الذي يتذكره هو ديانا.
لذلك قررت ديانا أن تنوب عن الجميع في الحداد عليه، من أجل ذلك الطفل الذي لن تراه أبدًا مرة أخرى.
‘أحبكِ يا أمي.’
‘كانت طفلة أحبّها بقدر ما كان إياندروس يتجاهلها.’
[ تراها بنت بس لمه يُذكر اسمها هبقى اخليها طفلة ]
أطلقت ديانا ضحكةً حزينة.
لأنها افتقرت إلى الشجاعة، قررت أن تهرب كما نصحها طفلها بدلًا من مواجهة القدر والأمل بلقائه مرةً أخرى.
‘آسفة… أنا آسفة لأن أمكِ بلا شجاعة. أنا… آسفة لكِ كثيرًا.’
انهمرت دموع ساخنة من الفراغ الصغير الذي لم يغطيه كيس الثلج.
كانت جيسي تراقب ديانا في صمتٍ مريب وكأنها لاحظت الأمر فأطبقت شفتيها بإحكام.
بدت ديانا كمن أصابته مراهقة متأخرة، ولذلك كانت جيسي تنوي أن تنصحها ما دامت ذاهبة إلى المعبد بألا تختار ثيابًا زاهية الألوان، لكن لم يكن هناك داعٍ لذلك.
لم تكن تعرف ما الذي تغيّر في نفسيتها تحديدًا، لكنها شعرت بالحنين إلى ديانا المرحة والمفعمة بالحيوية.
“ما الصلاة التي تودين رفعها؟“
“…فقط…….”
ترددت ديانا قبل أن تكمل.
“من أجل شعلة لم يُكتب لها أن تتوهّج…….”
شعلة لم تتفتح.
كان اسم الطفلة “شِنْتيلا“.
عادت إليها مشاعر الامتلاء التي غمرتها يوم وُلدت تلك الكائنة الصغيرة الثمينة.
كانت طفلة وُلدت بشعرٍ أحمر مائل إلى البني، يشبه شعر والدة ديانا.
كانت متألقة كالشعلة، وتملك ابتسامة جميلة تخطف الأبصار.
بعد أسبوعٍ من التفكير، اختارت ديانا وإياندروس اسم “شنتيلا“. ولم تكن علاقتهما يومًا أفضل مما كانت عليه آنذاك.
حتى الشقاء الذي كان يخيم على كتفي إياندروس بدا وكأنه انزاح في تلك الفترة.
حلمت ديانا بمستقبلٍ سيكون أفضل قليلًا، مستقبل تصنعه مع شنتيلا.
لكن آمالها تحطمت وتبعثرت إلى شظايا.
تظاهرت ديانا بالنوم وأغمضت عينيها.
ولأنها لم تتحرك مطلقًا، بدا أن جيسي ظنتها قد نامت، فأصبحت حركاتها أكثر حذرًا.
سُمِع صوت خادمةٍ أخرى تفتح الباب بهدوء وتدخل.
ومع انشغال عينيها، بدا أن سمعها صار أكثر حدة.
وصل إلى أذنيها صوت وضع إبريقٍ وكأس ماء قرب رأسها.
“جيسي، كيف حال الآنسة؟“
“لا أدري… ألم تقل قبل قليل إنها ستذهب إلى المعبد لتصلي من أجل الشعلة؟“
“وماذا يعني ذلك؟“
“وكأنني أعلم. أظن أن آنستنا تمر هذه الأيام بمرحلة مراهقة متأخرة. كما تعلمين، هذا العمر يضحك فيه المرء لأوراقٍ تتدحرج، ثم يبكي لأوراقٍ تتساقط.”
“آه… استنتاج معقول.”
ابتلعت ديانا ضحكتها وهي تستمع إلى حديثهما كاملًا.
فكّرت أن من الممكن فعلًا أن يريا الأمر بهذه الطريقة.
فهي في الحقيقة، أصبحت أكبر من أن تمر بمرحلة مراهقة.
لكن لا أحد يصدق أنها جاءت من المستقبل.
في هذه اللحظة تحديدًا
‘أنتِ بالتأكيد في كامل وعيك، ولا بد أن لديكِ سببًا لتقولي هذا.’
لماذا خطر لها وجه إياندروس الشاحب فجأة؟
ذلك الرجل الذي لم يقل لها مثل هذا الكلام قط عندما عاشا زوجين… فما الذي طرأ عليه؟
لم تستطع فهم إياندروس حتى اللحظة التي سبقت موتها، ويبدو أنها لن تفهمه حتى بعد عودتها بالزمن إلى الوراء.
ابتلعت ديانا زفرةً أخرى.
على غير المتوقع، زاد رد فعل إياندروس من اضطراب أفكارها.
فمن تصرفاته، لم يبدُ أنه ينوي إلغاء زواجه منها بسبب ما حدث.
‘هل عليّ حقًا أن أدخل مصحًّا للأمراض العقلية؟‘
فلو حُفِظ مثل هذا السجل، فلن تقبلها العائلة الملكية أبدًا.
لكن حتى ذلك لم يكن سهلًا.
فما تزال ديانا مجرد طفلة تحت حماية عائلة فيلادلفيا.
أو ربما كان هناك سبيل آخر، كإخافة إياندروس نفسه.
تنهدت ديانا في داخلها. قد يظن الجميع أنها مجرد طفلة تدلل وتعنِد، لكن بالنسبة لها، كان الأمر يتعلق بحياتها القادمة بأكملها.
* * *
في اليوم التالي للقاء إياندروس، ثم الذي يليه.
على مدار يومين، انشغلت ديانا بالتأمل في نفسها ومراجعة ما ينتظرها في المستقبل.
“أرأيتِ؟ مجرد نوبة عناد، أليس كذلك؟“
قال شقيق ديانا الثاني “غينيوس” ذلك ضاحكًا بمكر وهو يعض تفاحة.
لا شك أنه جاء بعدما سمع أنها لم تخرج من غرفتها ليومين كاملين.
وحتى حين فتح باب غرفة النوم بوقاحة ودخل، لم تمنعه ديانا.
في الماضي كانت ستعترض، لكنها الآن تذكرت زمنًا كانت تشتاق فيه حتى لمثل هذه الوقاحة.
فغينيوس هو أيضًا من ضحّى بحياته من أجل حمايتها.
من أجل ديانا، قدّم عائلة فيلادلفيا بأكملها فريسة تحت أقدام كلاب الصيد التي مزّقتهم.
“غينيوس…….”
نادت ديانا اسمه بصوتٍ متعب.
“ما بكِ؟ لم تستطيعي النوم من شدة الحماس؟“
ضحك غينيوس بخفة.
ألقى بقايا التفاحة التي أكلها في فنجان الشاي الفارغ عند ديانا بلا مبالاة، ثم ارتمى على الأريكة.
قبل أيام فقط كانت تصرّ على أنها لن تتزوج، وحين سمع أنها لم تخرج من غرفتها، أسرع إليها على الفور.
كان غينيوس منشغلًا بالاستعداد لوراثة عائلة فيلادلفيا، لكنه بطبعه كان شديد التعلق بأخته الصغرى.
رفعت ديانا رأسها عن الكتاب الذي كانت تقرؤه وهي متكئة على الأريكة المقابلة.
“ليس بسبب الحماس.”
“وجهك شاحب يا آنا.” [ دلع ديانا ]
قال غينيوس ذلك وهو يعقد حاجبيه.
حين رأى الهالات المزرقّة حول عيني ديانا وكأنها لم تنم جيدًا، تسللت إليه مخاوف لم تكن موجودة من قبل.
“هل أخطأ إياندروس في حقك يا آنا؟“
“… ليس الأمر كذلك.”
“آنا، آنا. إن لم تقولي الحقيقة، فلن أستطيع مساعدتك.”
أغلقت ديانا الكتاب ووضعته جانبًا.
“أقول هذا لأنني أريد مساعدتك.”
تعلقت عينا ديانا الزرقاوان بلون الفجر بغينيوس مباشرة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 5"