4
✦ الفصل 4 ✦
“ماذا…؟”
توقعت ديانا تمامًا أن تكون ردة فعله هكذا، فابتسمت بسخرية من جديد.
وما إن رأت ردة فعل إياندروس حتى شعرت بأن التوتر الذي كان يطبق على صدرها بدأ ينفكّ.
ثم ما لبثت أن أزالت ابتسامتها وتمتمت ببرود:
“أنا أقول إنني رأيت المستقبل. رأيت المستقبل حين نتزوج. ستموت أنت… وسأموت أنا أيضًا.”
“ماذا تقولين الآن…؟”
حدّقت ديانا في وجه إياندروس بنظرة باردة.
“أنا أقول إننا إن تزوجنا… سيموت الجميع. لا أظن أنك عاجز عن فهم هذا، أليس كذلك؟ سيموت الجميع.”
“ديانا…”
“لهذا السبب… إلغي هذا الزواج. لا أريد تكرار مثل هذا المستقبل مرة أخرى. لقد قلت ذلك مرارًا، لكن لا أحد يصغي إلي، لذا عليك أنت أن تُلغيه.”
تداعت الكلمات من فم ديانا كأنها تهمس بها لنفسها.
كانت واثقة أن إياندروس سيصرخ عليها بعد لحظة بصوتٍ منزعج: هل فقدتِ صوابك؟
“وربما أبدو لك مجنونة، لكنني لست كذلك.”
غير أن ردّ إياندروس جاء مغايرًا تمامًا لتوقعاتها.
فقد بدا عليه التفكير للحظة، ثم هزّ رأسه.
“… لا. لا أظن أنك مجنونة.”
“طبعًا… ماذا؟”
كانت ديانا هي المصدومة هذه المرة.
“لا أظن أنك مجنونة. من الواضح أنك بكامل وعيك… ولديك سبب يجعلك تقولين هذا.”
‘ما الذي يقوله الآن؟‘
لو كان يتصرف كما في الماضي، لكان قد انفجر غاضبًا لأن شخصًا خاطبه وهو أمير بهذا الكلام عن الموت.
كان سيشير إليها صارخًا: “أنتِ مجنونة!” ثم يغادر فورًا.
لكنّ إياندروس ظلّ جالسًا ينصت إليها بهدوء.
‘هل أتوهّم؟ هل أسيء تذكّر الماضي؟‘
لقد مرت أكثر من عشرين سنة.
وكما كانت ديانا صغيرة في ذلك الحين، كان إياندرىس أيضًا شابًا صغيرًا.
أي حديث كان قد دار بينهما في الماضي؟
‘لم أعد أتذكر شيئًا.’
في ذكريات ديانا القديمة، كان إياندروس شخصًا قليل الكلام، بارد الطباع. وكان يصرخ عليها تغضّبًا كلما ساء مزاجه.
لذا لم يكن مألوفًا لها أن تراه يتعامل معها بلطف… أو يصدقها.
“أقول لك إنني أعرف ما سيحدث. ستموت. ولن تكون وحدك… سأموت أنا أيضًا.”
قالت ديانا ذلك بلهفة وقد أقلقها هدوء إياندروس الغريب.
‘اهربي… يا أمي…’
لماذا يرنّ الآن في مسامعها صوتُ ابنتها التي لم تستطع إنقاذها؟
صوتها الذي ترجّاها بحرقة، ثم انتهى بها الأمر إلى الموت، ومعها ماتت تلك الطفلة التي تخلى عنها إياندروس في ذلك المستقبل البائس.
المشهد كله عاد ليقف أمام عينيها بوضوح مرعب.
كان اتزان ديانا ورزانتها يتحطمان كقطعة زجاج رقيق.
غرقت عيناها بالدموع.
“لهذا… لا يجب أن نتزوج يا إياندروس. سيموت الجميع!”
صرخت ديانا بصوت مرتفع. ولم تستطع هذه المرة أن تكبح دموعها فانحدرت على وجنتيها.
حدّق فيها إياندروس مذهولًا، بينما توجهت أنظار من في المقهى إليهما.
كان الموسم الاجتماعي في أوجه، وقد ازدحم المكان بنبلاء الإمبراطورية. وكان أبرز من فيه سيدات اصطحبن أبناءهن الذين يستعدون لظهورهم الأول في المجتمع الإستقراطي.
أخذ الحاضرون يتفحصون واحدًا تلو الآخر المرأة بثوبها الأسود كالغُراب، والأمير الجالس أمامها.
أدركت ديانا تلك النظرات فمسحت دموعها بقسوة براحة يدها.
“إياندروس… هذه هي ثاني فرصة تُمنح لي. لا يمكنني ولا أريد إفسادها مرة أخرى. لا أريد أن أموت. لذا نحن…”
“لا تبكي يا ديانا.”
أخرج إياندروس من جيبه منديلًا ومدّه نحوها بنظرة مرتبكة.
نظرت ديانا إلى المنديل نظرة صامتة، لكن جريان الدموع الذي انفجر داخلها كان قد خرج عن السيطرة.
ارتعشت شفتاها.
إياندروس الذي لم يلتفت يومًا إلى دموعها أو توسلاتها في الماضي، كان الآن ينظر إليها مباشرة ويقدّم لها المنديل.
كانت هذه أول مرة تتقابل أعينهما منذ طفولتهما.
قالت ديانا بحدة:
“… أنت لا تعرف شيئًا. ولهذا أنت هادئ هكذا. تجلس بوجه بارد… لأنك لا تعلم أنك ستموت… وأنني سأموت… وأن ابنتي أيضًا… قتلتها.”
شهق إياندروس.
لم يكن يهم ديانا إن كان سيصدقها أم لا.
بما أنها بدأت بالحديث، فقد قررت أن تكشف كل شيء.
حتى إن أدى ذلك إلى فسخ الخطبة، فهي لا تحتمل رؤيته يعيش مرتاح البال بلا معرفة الحقيقة.
مهما كانت ردة فعله، أرادت أن تزرع هذا الكلام في إحدى زوايا ذهنه.
أرادت ألا يعيش جاهلًا بما اقترفت يداه.
عضّت ديانا شفتها بقوة.
سقط المنديل من يد إياندروس على الطاولة بصوت خافت.
“أنا… قتلتُ…؟”
كان وجهه مليئًا بالذعر.
حدّقت ديانا في إياندروس بنظرة حادة تخترق الأعماق.
كان ذلك الوجه الضعيف في المواقف الحرجة مألوفًا لديها.
حرّكت ديانا شفتيها ببطء وقالت:
“نعم. فلا ترتدِ ذلك الوجه الجاهل… أيها القاتل.”
شحب وجه إياندروس.
لقد قالت أخيرًا كل ما أرادت قوله.
ورغم أن ملامح ديانا كانت منهارة، فإنها واصلت التحديق فيه بثبات.
من الطبيعي أنه سيشعر الآن بالصدمة والارتباك، فكل ما سمعه لم يكن يومًا ضمن حدود تخيله.
ولكن، حين يعود إلى القصر ويستعيد كل كلمة على مهل… قد يخطر في باله أمر واحد:
‘لقد جنّت… لا بد أن عقلها قد اختل.’
ثم سيعيد التفكير بكل خطوة قامت بها اليوم، وبكل ما بدَر منها من وقاحة.
ومع كبريائه الهائل، لن يكون هناك احتمال أن يتقبّلها.
صحيح أنه قال بثقة إنه يصدقها… لكن من يدري؟
لم يكن إياندروس يومًا يملك الشجاعة ليتقبل الحقيقة.
حتى لو صدق كلامها الآن، فهو سيفر في نهاية المطاف.
الهروب هو ما يجيده.
‘ولهذا… اهرب يا إياندروس. اتهمني بالجنون. وأنهِ هذا الزواج الذي لا أستطيع إنهاءه وحدي!’
إن قال إن لديها عيبًا يمنع زواجهما، فسينتهي الأمر مباشرة.
رفعت ديانا إبريق الشاي بيد مرتجفة، وملأت فنجانها الفارغ من جديد.
كان الشاي الذي برد منذ زمن يشعرها الآن وكأنه يغلي، وكأن روحها تُغمس في نار الكبريت.
شربت منه رشفة بعد أخرى ببطء شديد.
كانت تمنحه فرصة لينهض… ويهرب.
“… يكفي اليوم يا ديانا، لنغادر.”
قالها إياندروس بصوت متعب.
كما توقعت تمامًا.
“كما ظننت. لم تتغير. أنت كما عرفتك دومًا يا إياندروس.”
كان صوتها المرتعش يفوح منه حقد عميق وندم لا يمكن إخفاؤه.
كانت عيناها الزرقاوان اللامعتان بدموعها تحدّقان به مباشرة.
كان لونهما كلون سماء الشتاء الباردة.
وبرؤيتهما، شعر إياندروس وكأن قلبه يتجمد.
✦ ✦ ✦
“سيدي الأمير… ما هذا الوجه العابس هذه المرة؟”
رمقه إياندروس بنظرة جانبية، ثم أعاد بصره إلى النافذة.
“ماذا قالت لك الدوقة الشابة حتى عدتَ بهذا الانكسار…؟”
“اصمت. أنا أحاول التفكير.”
عند حدّته، رفع كولين كتفيه واستسلم للصمت.
غرقت العربة في هدوء ثقيل.
وفي هذا الصمت، لم يتوقف ذهن إياندروس عن استرجاع دموع ديانا… وتلك الملامح الصغيرة المرتجفة وهي تطلب إلغاء الزواج خوفًا.
بل وتلك النبرة المرتعشة التي لم يسمعها منها يومًا:
‘إياندروس، لنُلغي هذا الزواج.’
‘ستموت… وسأموت… وحتى طفلتي… ستقتلها.’
ماذا كانت تعني حقًا؟
نظر إياندروس إلى يديه.
تلك الجملة تحمل احتمالات كثيرة.
قد تكون قصدت أنه قتلها بيده، أو أنه تسبب بوضع قادهم جميعًا إلى الموت.
ديانا…
لكن المهم في كلامها أن سبب الموت… هو، إياندروس.
كان يصدق ديانا.
صحيح أنها كانت متكبرة قليلًا وتتدلل كالأميرات، لكنها لم تكذب يومًا.
كانت عنيدة… وصريحة أكثر مما يجب.
وفي عينيها كلما خاطبته، كان يرى صدقًا لا يشوبه شيء.
لذا كان يدرك جيدًا مشاعرها نحوه طوال تلك السنوات.
أما اليوم… فقد بدت كمن نسي كل ذلك.
بل بدت وكأنها تريد إيذاءه عمدًا.
جرحت كبرياءه دون أن ترتعش يدها، رغم أن الخوف كان واضحًا على ملامحها.
قاتل…
حتى هذا الوصف، لا بد أن له سببًا عندها.
قبض إياندرىس يده بقوة وانغرزت أظافره المرتبة في كفه.
إن كانت كل كلمة قالتها اليوم حقيقة… إن كانت حقًا كذلك…
فستان أسود؟
يا له من كلام غبي.
بل أغبى ما قاله في حياته.
“آه…”
أسند رأسه على مقعد العربة بلا مبالاة، بطريقة لا تليق بأمير.
كان كولين على وشك قول شيء، لكنه اكتفى بزفرة طويلة وأدار وجهه.
قاتل…
لم يبارح هذا الوصف رأسه.
كلما أعاد التفكير فيما حدث اليوم، بدا له أن كلام ديانا لم يكن كذبًا.
ودموعها الشاحبة على وجهها المرهق… شعرت وكأنها تسيل داخل صدره.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 4"