“… أولًا، أشكركِ يا ديانا على دعوتي إلى فيلادلفيا. لولاكِ، لبقيتُ جاهلة بكل شيء، وظللت أتعرض للسم طوال هذا الوقت… وربما كنتُ سأموت.”
“كاثرين…”
“سمعتُ أن بين الأشخاص الذين جئتُ بهم كان هناك جواسيس تابعون لبرانيو… هل كنتِ تعلمين بهذا يا ديانا؟“
“نعم. كنت أعلم.”
هزّت كاثرين رأسها كأنها كانت تتوقع هذا الجواب.
“سنصبح عائلة واحدة قريبًا. صحيح أنكِ ستتزوجين قبلي، لكن بعدك يأتي دوري. وأعلم أن زواجي لن يكون سهلًا. فالملكة تريدني دمية تحرّكها كما تشاء، والملك لا يكترث أصلًا. وبذلك سيتولى جايميس إدارة شؤون الحكم لفترة بصفته وليّ العهد.”
أخفت ديانا دهشتها.
لم تكن كاثرين جاهلة كما ظنّها الجميع؛ كانت على علم بكل شيء وتتحمل ذلك بابتسامة رقيقة لا تشي بما في قلبها.
“لكنني… لا أريد أن أكون دمية. أريد أن أكون شريكة تخفف العبء عن جايميس.”
بدا وجه كاثرين وهي تتحدث عن جايميس وكأن زهرة وردية تفتحت فيه.
“لهذا… لن أكتفي بالجلوس ومراقبة ما يحدث.”
“…..”
“أحتاج إلى مُعين. شخص أثق به حقًا. بعد ما حدث، لم أعد أثق بأي خادم. وحتى إن استعدت من كانوا يخدمون كلايدون سابقًا، فلا ضمان أن يعودوا كما كانوا.”
قالت ديانا التي كانت تستمع بصمت حتى الآن:
“وما الذي تريدين قوله؟“
كانت تظن أنها تفهم مقصد كاثرين، لكنها أرادت التأكد بحذر.
“هل ستكونين في صفي يا ديانا؟“
إن كان جايميس يشبه بحرًا يهدأ تارة ويهيج أخرى، فإن كاثرين كانت جدولًا رقراقًا؛ ينساب بلطف لكنه لا يتوقف.
“… وكيف يمكنني مساعدتكِ؟“
“كما تعلمين، أنا أكثر عزلة منكِ بكثير. لا إخوة لي يسندونني، ولا عائلتي تملك قوة كبيرة. وبعد الزواج… ستحبسني الملكة في قفص من ذهب.”
وكان احتمال ذلك كبيرًا بالفعل.
فعندما تزوجت ديانا، كانت الملكة على هذا المنوال تمامًا، وكأنها تريد إخضاع كل شيء لإمرتها:
‘افعلي ما يُطلب منكِ فقط، لماذا هذه الحساسية؟ عليك فقط إدارة القصر، أما شؤون الخارج فسيهتم بها إيان.’
‘اتركي كل شيء لإياندروس.’
‘هل يصعب عليكِ الظهور في المجتمع والابتسام كالزهور؟‘
كانت ذكريات مقززة. تعلّمت لاحقًا تجاهل كلام الملكة، لكن في بداية زواجها كانت تتلقى ضغطًا شديدًا.
واستمرت تلك الكلمات حتى وفاة الملكة بعد موت جايميس.
“وأنا كذلك لن أسلم من الأمر. الملكة تمقت كل ما لا تستطيع السيطرة عليه.”
“الشخص الوحيد الذي سيكون حرًا هو جايميس.”
هزّت الاثنتان رأسيهما في الوقت نفسه.
لم يحدث أن تحدثتا بهذا الشكل في حياتهما السابقة، لكن وجود عدو مشترك سهّل نشوء رابطة قوية بينهما.
“إذن، كيف تريدين أن أساعدكِ؟“
“أريدكِ أن تشاركينني كل ما تعرفينه. وأنا أيضًا سأساعدك بما أقدر عليه من مكاني.”
ابتسمت كاثرين ابتسامة محرجة قليلًا.
بدا أنها تدرك أنّ قدرتها على تقديم المساعدة محدودة.
فديانا كانت أقرب للملكة، ولديها حرية الحركة والوصول إلى المعلومات أكثر منها.
أما كاثرين فلن تزداد قوة إلا بعد أن تصبح ولية للعهد… وربما ليس حتى ذلك الوقت.
“هل هناك شيء تريدين معرفته؟“
“أريد معرفة وضع برانيو. كيف استطاع جاسوسهم الوصول إلى قصري؟“
“نحن نرجّح أن حادثة كلايدون كلها كانت من تدبير الجواسيس أنفسهم. لقد أعادوا ترتيب الخدم وزرعوا عددًا أكبر من جواسيس برانيو بينهم. فمن الأسهل إدخال من تم تجنيدهم أصلًا على تجنيد الخدم الموجودين.”
“… فهمت. إذن لماذا أرادوا قتلي؟ لن يتحركوا بلا هدف.”
“أليس الهدف الأخير هو ولي العهد جايميس نفسه؟“
تابعت ديانا كلامها وقد بدت وكأنها تفكر بعمق:
“الآن في برانيو يتصارع الأمير الأول والأمير الثالث. ويُقال إن أحدهما سيصبح الملك القادم. الأمير الأول معتدل تجاه سياسات ليونيد، أما الثالث فهجومي. لكن… هناك من يزعم أن هذا مجرد تمثيل من الأمير الأول.”
“تمثيل؟“
“نعم. فالأمير الأول يريد أن يصبح ملكًا بلا شائبة واحدة. لكنه لا يستطيع تجنب الصدام مع المرشح الأقوى الأمير الثالث. لذا… يختلق كل ما يؤدي إلى سقوط الثالث من تلقاء نفسه.”
كانت ديانا تتذكر هذا جيدًا.
فالذي اعتلى العرش في النهاية كان الأمير الأول.
قاومه الأمير الثالث، لكن الأمر انتهى بخيانة وحرب داخلية.
وكانت تلك بداية مأساة ليونيد.
ومما حدث لاحقًا، رجّحت ديانا أن الأمير الأول هو من دبّر كل شيء.
رغم أن احتمال وراثته مخططات الأمير الثالث كلها لم يكن مستبعدًا تمامًا.
وبالنظر إلى كل تلك الأحداث، بدا واضحًا أن الأمير الأول هو من دبّر كل شيء.
وإنْ لم يكن ذلك يقينًا مطلقًا، فربما ورث الأميرُ الأول ببساطة ما بدأه الأميرُ الثالث، لكنه في النهاية كان المستفيد الأكبر.
لكنّ ما هو غير مؤكد لا ينبغي التفوّه به بسهولة، خصوصًا أمام غينيوس وإياندروس اللذين يصدّقان بعودة ديانا إلى الماضي.
فكلاهما في موقع قادر على التأثير في الآخرين، لذلك كانت الحيطة واجبة ولا مجال لإطلاق أحكام قاطعة.
“لذلك أظن أننا نستطيع القول إن الاثنين معًا يقفان خلف ما حدث.”
“وما الذي يمكن أن يجنيه كل منهما من هذا الأمر؟“
“… أرجّح أنهم أرادوا جلوس أميرةُ برانيو إلى جانب سموّ ولي العهد جايميس.”
“إذن هم يحاولون التدخّل في شؤوننا الداخلية أيضًا.”
“هذا ما يبدو عليه الأمر يا كاثرين.”
لم تُفصح عن المؤامرات الأعمق المختبئة خلف ذلك.
فحتى هذه المعلومات وحدها تكفي لإثبات أن برانيو تجاوزت الخطوط الحمراء وفعلت ما لا يُغتفر.
“… شكرًا لكِ يا ديانا.”
“أعتبر أنني لا أفعل إلا ما يجب فعله.”
أجابت ديانا بنبرة تحمل نضجًا يفوق سنّها.
وبدا لكاثرين أنّ ديانا التي لم يكن لها احتكاك مباشر بها من قبل، أعمق تفكيرًا وأوسع نظرًا مما كانت تظن.
‘كما توقعت… إنها رغم صغر سنها، من فيلادلفيا.’
كانت كاثرين قد درست بجد لتصبح زوجةً صالحة وولية عهد مناسبة، لكن المقارنة لم تكن واردة أصلاً بينها وبين آنسة ربّتها فيلادلفيا بعناية في شتى الجوانب.
وربما لهذا السبب تحديدًا اختارتها الملكة لجايميس؛ فهي تعتقد أنّ كاثرين لن تتدخل في السياسة، وأن أقصى ما تستطيع فعله هو إدارة المنزل.
ابتسمت كاثرين ابتسامة تحمل مرارة خفيفة.
“… هل سأتمكّن حقًا من أداء دوري كما يجب؟“
“كاثرين…”
“حين أنظر إليكِ يا ديانا، يخطر لي أننا ربما لو تبادلنا الأدوار لكان الأنسب أن تكوني أنتِ الملكة.”
شحبت ملامح ديانا.
لم يخطر لها يومًا هذا الاحتمال، بل لو خُيّرت لآثرت الهرب على الجلوس في ذلك المقعد مجددًا.
فقد كانت تلك الحقبة من حياتها الأكثر بؤسًا على الإطلاق.
سارعت ديانا إلى نفي الفكرة.
وحين رأت كاثرين ملامحها المرتبكة، أدركت أنها أخافتها دون قصد، فسارعت إلى القول:
“ما قصدتُه أني أحتاج مساعدتكِ كثيرًا! وإن كان كلامي قد سبّب لكِ سوء فهم أو أذى فأنا آسفة…”
“لا، ليس الأمر كذلك إطلاقًا.”
هزّت ديانا رأسها.
كان طبيعيًا أن ترى كاثرين الأمور بهذه الطريقة.
فهي فتاة في العشرين من عمرها، لم تجرب شيئًا من قبل، بينما عاشت ديانا حياتها السابقة كملكة، حتى وإن كانت ملكة بلا سلطان، وقد شاهدت الكثير من أمور الحكم من خلال إياندروس الذي اعتزل مهامه.
لذلك بدا طبيعيًا أن تبدو ديانا أكثر ملاءمة لمنصب الملكة.
فالخبرة التي اكتسبتها لم تكن لتُمحى، لا بد أنها انعكست عليها بشكل تلقائي.
“لم تخطر ببالي أفكارٌ كهذه قط. ما يهمني حقًا هو أن أستطيع معاونتكِ يا كاثرين، ولا شيء أسعد لي من ذلك.”
“ديانا…”
أومأت كاثرين وعيناها تلمعان برقة.
“أتمنى أن نحظى بأوقات كهذه كثيرًا. هنالك أمور لا يستطيع المرء مواجهتها وحده، لكنني أؤمن أننا معًا سنستطيع تحقيق الكثير.”
ابتسمت ديانا.
فقد اتضح لها أن كاثرين أقوى بكثير مما بدت عليه.
لم تكن فتاة عادية ستنتهي حياتها كابنة كونتٍ فحسب.
كانت تدرك مشكلات العائلة الملكية جيدًا، وتتقبلها دون أن تتغاضى عنها.
وكان هذا تصرّفًا حكيمًا.
فلا حاجة إلى مواجهة الملكة مباشرة ما دام بإمكانهما العمل في الخفاء.
بدا أن علاقة صداقة متينة يمكن أن تنشأ بينهما.
“إن كانت برانيو تنوي إرسال أميرة إلى ليونيد، فلا شك أنها ستلجأ إلى حيَل أخرى أيضًا.”
“أتفق معك.”
“وربما تسعى إلى إحياء نظام المحظيات الذي كاد يُلغى.”
“هذا…”
“ولذلك يا ديانا…”
لمعت عينا كاثرين.
“ما رأيكِ أن تهرب الأميرة بدافع الحب؟“
“… وهل يمكن حدوث هذا بالفعل؟“
كانت في برانيو أميرة واحدة فقط.
ولو اختفت، ستزول المشكلة من أساسها.
لكن… الهرب بدافع الحب؟
هل يوجد حب يجعل أميرة تتخلى عن كل ما تملك وتهرب؟
وهل يمكن تصديق مثل ذلك الحب أصلًا؟
“قد يكون ذلك ممكنًا… إن نجحنا في إيقاعها في الغرام. لقد قابلتُ أميرة برانيو من قبل.”
يبدو أنها التقتها خلال مشاركاتها في الفعاليات الدبلوماسية قبل الزواج.
“كان ذلك حين جاءت الأميرة في بعثة إلى ليونيد. ولأنها تربت على محبة الملك، فهي… همم، نوعًا ما ساذجة، وتعيش كما لو كانت داخل حكاية خيالية. وتؤمن بالقدر إيمانًا راسخًا.”
“هكذا إذن؟ إن كان الأمر ممكنًا… فقد يكون حلًا مناسبًا يا كاثرين.”
نعم، إن وقع ذلك فعلًا—إن هربت الأميرة بدافع الحب—فلن يعود بإمكان برانيو استغلالها لإجبار الآخرين.
“لكن هل نجد من يناسبها؟ شخصًا يطابق صورة الأمير المثالي الذي تحلم به؟“
“مثل هذا الشخص يمكن صنعه.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 30"