3
✦ الفصل 3 ✦
لم يكن هناك أدنى شكّ في أنّ ديانا ستصبح زوجته. لذلك لم يكن أمامه إلا القبول.
شعر رأسه بالدوران.
زواج ديانا، والمملكة… كلمات كثيرة اختلطت ببعضها وأربكت إياندروس.
* * *
“فستان أسود؟“
تمتم إياندرس كأنّه لا يصدّق.
كان قد بلغ الخامسة عشرة منذ وقت قصير، وقد عقد العزم على التصرّف بما يليق بشابّ يخطو نحو البلوغ.
ولهذا اهتمّ بأن يصل مبكرًا ليُرافق ديانا كما ينبغي.
ولا تزال ديانا جميلة كما كانت دائماً.
شعرها الذهبي المشرق كان يتلألأ تحت الشمس حتى ليبدو وكأن غبارًا نثرته إحدى الجنيات ينعكس عليه.
لكنّ ديانا كانت ترتدي اليوم فستانًا أسود لا يليق إطلاقًا بمثل هذا اليوم.
ألقت ديانا نظرة خاطفة نحو إياندروس.
“وهل من سبب يمنعني من ارتداء الأسود؟“
كانت تلك الجملة وحدها كفيلة بأن تجعل قلب ديانا يهبط.
كان هو يرتدي ثياب التشريف البيضاء. ربما أراد أن يبدي شيئًا من الاحترام، غير أنّ ذلك بدا مستفزًا في عينَي ديانا.
كان عليه أن ينوح على ابنته التي تسبب هو ذاته في موتها.
كان عليه أن يغرق في حزنٍ أعمق من حزنها، وأن يجرّ نفسه كأشدّ الناس بؤسًا فوق الأرض، وأن يخرج مرارته وبكاءه.
لكنّه بدا بوجه صافٍ بملامح من لا يعرف شيئًا، بوجه نجا وحده من الجحيم… وهنا أخذ الغضب والاشمئزاز يتصاعدان من أعماقها.
أدارت ديانا وجهها عنه.
كان سؤال ديانا الجافّ كفيلًا بتحويل حماسة إياندروس إلى انزعاج.
قالت ما يكفي لإثارة ردّ فعله ثم خطت بعيدًا عنه.
“آه!”
كانت ديانا تُصرّ على النزول وحدها من العربة العالية وهي تنتعل الكعب فزلّت قدمها.
مدّ إياندروس ذراعيه والتقطها دون وعي منه.
“هاه… ألم أقل لك ألا تعاندي! تحياتي لسمو الأمير.”
نزلت زوجة الدوق من العربة بمساعدة السائس، فوبّخت ديانا ثم أدّت تحيّتها.
لكنّ إياندروس لم يسمع شيئًا. فقد تفاجأ بعطرٍ ينبعث من ديانا لم يسبق أن شمه من قبل وهي تقف بصعوبة وكأن كاحلها يؤلمها.
رائحة حلوة، ناعمة…
‘هل كانت الفتيات دائمًا يحملن مثل هذا العطر؟‘
شعر بقلبه يخفق على نحو غريب ووجنتاه تسخنان.
ارتجف نَفَسه كأنّ زنبق الوادي ينفتح فجأة أو البحر ينشق أو السماء تتفتح من جديد.
إحساس مجهول لا يعرف له اسمًا.
بدا له أنّ أجراسًا تدقّ خلف ديانا.
دفعت ديانا إياندروس مبتعدةً وقد شرد ذهنه.
“أستطيع الوقوف وحدي. لذا… دعني.”
التقطت ديانا نفسًا عميقًا.
‘يا لها من زلّة…’
بادرت تلوّح بمروحتها الصغيرة بسرعة. ثم استقامت، ألقت نظرة خاطفة نحو إياندروس وتظاهرت بالتماسك وهي تمرّ بجانبه وتدخل غرفة الملابس.
أفـاق إياندروس ولحق بها.
“أحـمم.”
أخرج سعالًا مصطنعًا وقد احمرّت أذناه.
* * *
أطاعت ديانا الـدوقة كما اتفقا، وبدأت في تجربة الفساتين بهدوء.
اختارت التصاميم وقِيسَت مقاساتها بدقة.
جرّبت ما تختاره الـدوقة دون اعتراض أو تعليق.
كانت تبتسم كالدمية وتنفّذ التعليمات.
طوال الوقت، لم يلتق إياندروس بعينيها ولو لمرّة.
تمامًا كما كان من قبل.
لم يبدِ أي رأي في فستان عروسه، بل كان كل ما يشغل باله هو تجنّب النظر إليها.
ضحكت ديانا بسخرية.
‘هكذا هو دائمًا.’
لم يجرؤ إياندروس يومًا على النظر في عينيها مباشرة.
لا تذكر كيف كان قبل ذلك، لكن منذ تلك الحادثة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب، ومنذ أن أغرق بؤسه حياتها وحياة طفلها وفيلادلفيا في التعاسة… لم يتغير شيء.
ازدادت ملامح ديانا برودة.
“لأن ديانا ما تزال صغيرة في السن، أظن أن خطّ الـ“بيل” هو الأنسب لها. ما رأي سموّ الأمير؟“
[ انا مابحثت عن خط البيل ذا بس الي اعرفه هو نوع تصميم يكون منفوش ثم فيه خط يقطع النفش اشي متل هيك ]
سألت الدوقة بلطف.
في الواقع، لم يكن لهذين الطفلين أي قرار حقيقي.
فقد فوّض القصر كل ما يتعلق بزواجهما للـدوقة.
كانت فيلادلفيا والعائلة الملكية تستعدان للحرب، ومثل هذا الارتباط كان ضروريًا.
كانت فيلادلفيا تريد عهدًا من العائلة الملكية بألّا تتخلى عنها بعد الحرب، وكانت العائلة الملكية بحاجة إلى ثروة فيلادلفيا وقوتها العسكرية.
وهكذا بدأ ترتيب هذا الزواج.
لذا، ما نوع الفستان الذي سترتديه ديانا؟ هذا لا يهم إياندروس إطلاقًا.
“… لا يهم.”
‘ها هو ذا.’
“إذن الأمر محسوم يا أمي، أليس كذلك؟“
أشارت ديانا للموظفـات بإيماءة من ذقنها.
وبمجرد أن تلقّين الإشارة، أسدلن الستائر وأعدنها لغرفة القياس.
ومن خلف الستار، سُمعت الدوقة تنقر لسانها وتخاطب إياندروس:
“يجب أن تقيس ثيابك أيضًا يا سمو الأمير. أيّها تريد؟“
“… لا يهم.”
الردّ نفسه.
أي اهتمام قد يبديه بمنظر الثياب وهو لا يكترث بزواجه أصلًا؟
كم ضجرت ديانا من هذا الجمود المتكرر.
وبرغم لا مبالاته هذه، كانت هي سابقًا مفعمةً بالفرح والانتظار وفي النهاية تزوجته.
رمَقت ديانا صورتها في المرآة.
بثوبها المزدان اللامع، لم تكن تشبه عروسًا، بل مهرّجة في سيرك.
حدّقت في انعكاسها بنظرة باردة.
“جميلة؟ أيّ جمال؟ هذا قبيح بحق.”
زفرت زفرة طويلة وجذبت الستار بعصبية.
لحقت بها الموظفات مهرولات.
فقد كانت في زيارتها السابقة فتاةً سعيدة مقبلة على الزواج، أمّا الآن فملامح من أنهكته الحياة.
ساعدتها الأيدي المنشغلة على ارتداء ثيابها الأصلية.
وحين خرجت بثيابها المعتادة، كان إياندروس وحده في المكان.
تمامًا كما توقعت.
نادت ديانا عليه وهو ما يزال يتجنب النظر إليها.
“انهض.”
“… كلامك جافّ يا آنسة.”
“وأنت كذلك. انهض أيها الأمير.”
عقد إياندروس حاجبَيه وحدّق بها.
لم ينظر إليها مباشرة إلا حين يحدّق بغضب.
رفعت ديانا كتفيها وشرعت تشير نحو الخارج.
كانت الدانتيل السوداء المتدلّية من أطراف أصابع ديانا تتماوج بخفّة، حتى خُيّل أنها أشبه بفراشة راقية ترفرف بجناحيها.
حدّق إياندروس في ديانا طويلاً دون أن يجيب.
عندها أمسكَت طرف ثوبه عند كتفه بإصبعيها فقط وجذبته قليلاً.
“لدينا ما نتحدث عنه. فانهض.”
نهض إياندروس وكأنه يفعل ذلك مُكرهًا، وما إن وقف حتى استدارت ديانا ببرود فتبعها.
“… ربما تكون جميلة أيضاً.”
تمتم إياندروس بهذه الكلمات ثم تظاهر بالسعال.
ولحسن الحظ، بدا أنّ أحدًا لم يسمعه.
كان يخفي ملامحه وهو يلاحق ديانا التي كانت تمضي إلى الأمام مرتدية فستانها الأسود دون أن تلتفت.
* * *
ارتشفت ديانا جرعة من الشاي.
ولن تفتح فمها قبل أن تُفرغ الفنجان، كما تقتضي قواعد النبلاء.
نظر إليها إياندروس بطرف عينه، ثم شرب رشفة بدوره مقلدًا إيّاها.
لم يفهم أي نكهة كانت تجعله يستحق تلك الملامح الراقية التي ارتسمت على وجهها.
هل تبدو أكثر رقيًّا مما كانت؟ أم أكثر نضجًا؟
أعاد إياندروس الفنجان بعد أن وجد طعمه لاذعًا، بينما لم تضع ديانا فنجانها إلا بعد مدة طويلة.
“ما الذي تريدين قوله؟“
حدّقت ديانا في إياندروس مباشرة.
كانت الدوقة قد تركتهما بحجّة الانشغال، راغبةً على الأرجح في أن يزدادا تقرّبًا.
فديانا السابقة كانت تخجل حتى تعجز عن الكلام لمجرد الجلوس معه.
لكن الآن… الأمر مختلف تمامًا.
اعتدلت ديانا في جلستها.
ورغم أنها في بعض اللحظات قد تبدو كمن فقد صوابه، فإنها كانت بكامل وعيها.
كان هذا جزءًا من كبريائها.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول:
“إياندروس، لنُلغي هذا الزواج.”
تجمّد إياندروس وسأل بذهول:
“… ماذا؟“
لم يبدُ على ديانا يومًا أنها منزعجة من هذا الزواج.
ألم ترسل إليه أمس رسالةً مفعمة بالحماس بشأن تجربة الفستان اليوم؟ فما الذي تغيّر فجأة؟
“أنت لا تحبني كثيرًا وأنا كذلك. لذلك أريدك أن تُلغي هذا الزواج.”
“… ديانا.”
“على أي حال، إلغاء زواجنا لن يؤثر في التحالف بين العائلتين. فالعائلتان بحاجة إلى بعضهما. وإن كان ذلك يُقلقك، فيمكنك إلغاء الزواج بعد ثلاثة أشهر.”
“ديانا!”
قطّب إياندروس حاجبيه وناداها بضيق.
ارتعشت رموش ديانا قليلاً، لكنها لم تُبدِ أي تردد، مما جعله ينقر بلسانه من الانزعاج.
“هل تأخرت مراهقتك أو ماذا؟“
“مراهقة…؟“
“نعم! وإلا فما سبب هذا الكلام؟ في الخامسة عشرة من العمر، وتتصرفين كطفلة! ولا تذكرين حتى سببًا واحدًا.”
ضحكت ديانا ضحكة قصيرة.
لم يكن هذا الرد غير متوقع.
فإياندروس ذو كبرياء أكبر من أن يقبل فسخ الخطوبة بسهولة. ولم يكن هو من بدأ الحديث بل ديانا.
“السبب؟ بالطبع لديّ سبب.”
“وما هو؟ دعيني أسمعه.”
حبست ديانا أنفاسها للحظة، ثم قالت بصوت ثابت:
“… إياندروس، أنا أعرف المستقبل.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 3"