✦ الفصل 29 ✦
“ هنا، أعني. حصلنا بالفعل على موافقة الاثنين، وما علينا الآن سوى إبلاغ دوقية فيلادلفيا والأسرة الملكية.”
“… عفوًا؟“
“ سأكون أنا الشاهد، فلن تكون هناك مشكلة.”
“ ما هذا… ؟ كيف يمكن اتخاذ قرار كهذا فجأة… ؟“
تمتم بريستون، وقد أصابه القرار المباغت بالدوار حتى شُلّ تفكيره للحظة.
“ علينا أن نظهر للناس أن فيلادلفيا والملكية قد اتحدتا. كي لا يجرؤ الأمير الأول ولا الثالث على احتقارنا.”
“ لكن هذا سيؤدي إلى تقليص حجم مراسم الزواج بشكل كبير… هل وافقت الآنسة على ذلك أيضًا؟“
“ تقول إن الأمر لا يهمها ما دامت لن تضطر لارتداء فستان الزفاف.”
“ هذا… غريب نوعًا ما. يبدو أنها لا تحمل أي أوهام كبقية فتيات سنّها. حسنًا، سأرتب كل شيء من دون عقبات.”
“ وجودك هنا في هذا التوقيت بالذات نعمة حقيقة.”
“ وأنا ممتنّ لأنك أخيرًا أدركت ذلك.”
ابتسم بريستون ابتسامة عريضة.
وبعد أن أنهى تدوين ما نُوقش وتوقيع الوثائق المطلوب إرسالها للعاصمة، وضع القلم أخيرًا.
ثم انجذب بصره إلى كاثرين التي كانت خلف جايميس.
وجهها الشاحب غارق في الوسادة، وما تزال في نومٍ عميق.
وبخلاف السابق، كان المرض بادياً عليها بوضوح.
“ هل الآنسة بخير؟“
“ أرجو ذلك. لكنها تتحسن قليلًا… شيئًا فشيئًا.”
“ لا تتخيل كم فزعتُ عندما وصلني الخبر لأول مرة.”
“ هذا ما قلتُه لنفسي أيضًا.”
ابتسم جايميس بمرارة.
فلم يتوقع أحد قط أن يحدث ما حدث.
“… وبحسب تعليماتك، أرسلتُ رجالًا موثوقين للتحقق من خدم بيت الكونت وانتقاء من يمكن الوثوق به. أما الكونتيسة، فتعتذر بالزكام وتغلق على نفسها بابها.”
أومأ جايميس إيماءة صغيرة.
فكل شيء كان يسير كما أراد، إلا أن كاثرين ما تزال غير مستيقظة.
كان يستعد للتنهد والكلام حين…
“… جايمبس…”
صوت رقيق ضعيف انساب في الغرفة.
فالتفت جايمس فورًا وكأنه صُعق.
فتحت كاثرين عينيها نصف فتحة وابتسمت بلطف.
ثم نادت جايمبس بصوت هامس هشّ:
“… سموّ ولي العهد…”
“ كاثرين!”
لقد استيقظت كاثرين كلايدون.
وهذه كانت أولى الأقدار التي غيّرتها ديانا.
* * *
‘ حقًّا… أمرهما عصيّ على الفهم.’
كان اليوم يشهد انسجامًا بين إياندرس وديانا، على عكس الأيام التي كانا فيها متباعدين أو يشوب الجو بينهما بشيء من الجفاء.
لعل السبب أنهما لا يزالان صغيرين.
لكن اليوم كان تبادلهما النظرات واضحًا. وكان تسلية سيرنيان هذه الأيام هي مراقبتهما.
وأثناء الرسم، كان يكتشف في ديانا— دون أن تدري— ملامح وتعابير لم يسبق أن رآها.
كأن تتنهد بلا سبب. أو تتجهم بملامح متعبة مريرة. أو تبتسم ابتسامة تربك القلب.
علم سيرنيان أنها تملك قسمات وجه دقيقة ورقيقة للغاية.
فقد رأى الكثير من بنات النبلاء، لكنها كانت مميزة.
ولهذا بدت ابتسامتها أجمل وأوضح من أي ابتسامة أخرى.
واكتشف الكثير غير ذلك… لكنه، بصفته، لم يكن يجرؤ على التعبير عنه.
ويبدو أن ديانا لا تبدو جميلة في عينيه وحده.
فكثيرًا ما كان إياندرس أيضًا لا يستطيع أن يرفع عينيه عنها.
“ لماذا تنظر إليّ هكذا؟“
سألت ديانا بخفة وقد شعرت بنظرة لاذعة من جانبها.
كان يكفيها عبء نظرات سيرنيان المتقطّعة بحجة الرسم، لكن إياندرس كان يثبت عينيه عليها تمامًا.
“ لأنكِ جميلة.”
“ ماذا؟“
“ تبدين أجمل من المعتاد اليوم.”
لعقت ديانا شفتيها بهدوء محاولة إخفاء ارتباكها.
“أحم .”
ثم استدارت بسرعة نحو الأمام.
“ هناك أشخاص هنا، ما الذي تقوله؟“
“ أيعني… لو كنا وحدنا سيكون الأمر بخير؟“
“… هذا… نناقشه عندما يحين وقته.”
تمتمت ديانا بخجل.
ضيّق إياندروس عينيه يراقب ردّاتها واحدًا تلو الآخر.
لم يكن يريد في أي لحظة أن يجرحها أو يثير ضيقها.
فقد كان يكفيها الألم الذي سبّبه لها إياندروس الآخر.
ولذلك أراد أن يُرضيها دائمًا، وأن يسعدها ما استطاع.
وكان مع الوقت يتعلم قراءة مشاعرها، ويجد تجاوبها أوضح فأوضح.
ولحسن الحظ، كان مزاجها الآن جيدًا.
“ هل تشعرين بخجل أقل عندما نكون وحدنا؟“
“ إيان!”
في مثل هذه اللحظات، يسمح لنفسه ببعض المزاح الخفيف.
فالقليل من الدعابة قد يَسرّ القلب.
لم تصدق ديانا أنها تخوض مثل هذه الأحاديث مع إياندروس.
فقد كان في الماضي غير قادر إطلاقًا على قول أي كلمة لطيفة كهذه.
لكن خلافًا لما يُقال من أن الناس لا يتغيرون… بدا إياندروس كأنه أصبح شخصًا آخر تمامًا.
كأن هذا هو طبيعته الحقيقية التي لم تنتبه إليها.
وسماع كلمة “ جميلة” منه… كان يبعث في قلبها شيئًا من الخفقان.
كانت تظن أن قلبها قد تحطم بالكامل.
لكن كلماته المباغتة جعلت نبضها يتسارع ووجنتيها تحمرّان لا إراديًا.
فأخذت نفسًا عميقًا.
“… يجب أن تنظر إلى الأمام الآن.”
“ آه، صحيح.”
أطاع إياندروس إشارة سيرنيان وأعاد نظره إلى الأمام.
فأطلقت ديانا الابتسامة التي كانت تحبسها كبرعمٍ يتفتح.
وكان سيرنيان وحده من رآها هذه المرة.
* * *
كان جايسون يتحسّس نبض كاثرين بوجه متوجس.
فمنذ وصولهم إلى إقليم فيلادلفيا، كثرت فحوصاته السرية.
“… يبدو أن قسطًا لا بأس به من السم قد زال. لكن يجب الاستمرار في مراقبة الجسد ومتابعة إزالة السموم. فما تزال هناك مواضع غير مستقرة.”
“ وما معنى غير مستقرة؟“
“ لم نتمكن من استخراج السُمّ المتغلغل في أعماق الجسد استخراجًا كاملًا. يجب أن تستحمّ بالمحاليل الدافئة بينما تتناول الدواء في الوقت نفسه. وإن هي التزمت الحذر في الأشهر القادمة، فسيُستأصل السم بالكامل.”
“ فهمت.”
هزّ جايميس رأسه بوجه مكفهر، بينما كانت كاثرين تستمع في هدوء قبل أن تسأل:
“ حياتي… هل أصبحت في أمان الآن؟“
“ نعم يا آنسة كاثرين. هذا ما أؤكده لك.”
أجاب ةايسون بصوت حازم. فمدّت كاثرين يدها وأمسكت يد جايمس برفق.
وكان جايميس يشعر بالأسى للنحافة الشديدة التي أصابت وجهها بعد أيام طويلة بلا طعام.
وكأنها فهمت ما يدور في خاطره، قالت بصوت لطيف:
“ لن أموت يا جايميس.”
“… كاثرين.”
تنهد جايمبس طويلًا.
“ فلا داعي لتلك النظرة.”
“ لقد مررت بما لم يكن عليكِ أن تمرّي به. وكل ذلك بسببي! لو لم تكوني مخطوبة لي، لما واجهتِ شيئًا من هذا!”
قالها بصوت فيه حدّة خفيفة.
“ لهذا… انتقم من أجلـي يا جايميس.”
“… كاثرين؟“
“ لا أعرف من فعلها، وهذه أول مرة أتعرض فيها لأمر كهذا… ولا أريد أن تتكرر أبدًا. لذا… أرهم أن هذا لا يجوز معي.”
نظر جايميس إليها.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، وملامحها هادئة نقية لا تكشف عمّا بداخلها.
عيناها الواسعتان كانتا صافيتين كالماء.
لم تكن ملامح وجه قادر على النطق بكلمة انتقام.
“ أتقولين هذا من قلبك؟“
“ نعم بالتأكيد. صحيح أنني خفت… لكن ما أكرهه هو من جعلك تشعر بالذنب. فأنت حتى الآن لا تنظر إليّ مباشرة، أليس كذلك؟ أنا أكره ذلك أيضًا.”
“ كاثرين…”
“ إذن انتقم. وبعدها… ستنظر إليّ كما كنت تفعل، أليس كذلك؟“
ولو استطاع جايمبس البكاء لبكى.
كانت كاثرين تعبر عن استيائها بطريقتها الرقيقة.
تطلب منه ألا يشعر بالذنب.
أن يهدأ.
أن يعود للنظر إليها والابتسام كما في السابق.
من كان في وضعها يحتاج إلى الاستقرار، لكن ها هو يجعلها تقلق من أجله.
مرر جايمبس يده على وجهه.
“… آسف .”
“ حسنًا. سامحتك.”
“ وأعدك… أن من فعل بك هذا سيدفع ثمنًا باهظًا.”
“ أصدقك يا جايمبس.”
أومأ جايمبس بعزم.
كانت تلك، في الوقت نفسه، عهدًا قطعه على نفسه من جديد.
فلم تعد ليونيد قادرة على الوقوف مكتوفي الأيدي.
* * *
لحسن الحظ، تعافت كاثرين وتمكنت من النهوض.
وكان يوم تأسيس المملكة يقترب، وسبقه حفل زواج إياندرس وديانا.
أما من سيتولى مراسم الزواج ممثلًا عن العائلة المالكة فكان جايميس.
وأرسل غينيوس رسالة إلى دوقية فيلادلفيا لإبلاغهم بالأمر.
وماذا بعد؟
صار لديانا عادة جديدة؛ كلما تقدمت خطوة في مخططها، تفكر مباشرة في الخطوة التالية.
بعد الزواج، ستعمل فيلادلفيا يدًا بيد مع العائلة الملكية على تدريب الفرسان وتسريع إنتاج الأسلحة.
فهل ستتخلى برانيُو أخيرًا عن فكرة كاثرين؟ أم يكون الأمير الثالث؟ أم الأمير الأول؟ ومع أي طرف سينتهي بهم الأمر؟
“هاه …”
تنهدت ديانا بصوت خافت.
حياة في الخامسة عشرة لم تكن سهلة ولا مريحة.
وحين كانت شاردة في غرفتها جاءها اتصال من كاثرين؛ تريد لقاءها على انفراد بلا أحد غيرهما.
وافقت ديانا حالًا، وتوجهت مباشرة إلى غرفة كاثرين.
“ آنسة كاثرين.”
“ الأمـيرة ديانا.” [ قصدها يا بنت الدوق بس الافضل أمـيرة ]
ورغم أن مكانة ديانا أعلى، فإن كاثرين هي من ستصبح ولية العهد.
كما أن حالتها الصحية لا تسمح بالالتزام الكامل بالمراسم، فلم تكن ملومة إن قصّرت.
كانت جالسة بوجه مرهق وأشارت إلى المقعد المقابل.
“… لم أتوقع أن أحييكِ بهذه الطريقة يا ديانا.”
“ يمكنك التحدث براحة. ناديني ديانا فقط.”
“ حسنًا، إذن ناديني كاثرين أنتِ أيضًا.”
“ حسنًا كاثرين.”
جلست ديانا بعد أن أدت التحية.
بدا الجو في الغرفة أكثر حرارة من غيرها.
ولما لاحظت كاثرين احمرار خدَّي ديانا بسبب الحرارة، طلبت من الخادمة فتح باب الشرفة.
“ يقولون إن الحرارة تساعد على خروج السم، لذا رفعت درجة الحرارة. هل تشعرين بالحر؟“
“ أنا بخير.”
“ أما أنا… فقد أردت استنشاق بعض الهواء. أشعر بالاختناق قليلًا…”
ابتسمت كاثرين ابتسامة جميلة.
وعندما جلست ديانا قربها أدركت كم كان من المؤسف أن ترحل فتاة كهذه عن الدنيا.
“ دعوتكِ… لأن لدي شيئًا أود قوله.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 29"