كان الدوق والدوقة يعلمان بأن جايميس وإياندروس ومعهما كاثرين، يقيمون جميعًا في مقاطعة فيلادلفيا.
لكن بما أن ولي العهد جايميس أراد إبقاء الأمر سرًا، فقد التزما الصمت.
لقد رغبا مرارًا في النزول إلى المقاطعة للاطمئنان على ديانا والآخرين، وخصوصًا أن حالتها كانت مضطربة، لكن رسالة غينيوس كانت تكبل أيديهما.
قال إن ديانا بدأت تستعيد قوتها شيئًا فشيئًا، وإنها ستعود قريبًا. وإنها في طور استعادة استقرارها.
فلو ذهبوا الآن وأثاروا مشاعرها عن غير قصد، فقد تتدهور حالتها، لذا ظلوا في مكانهم عاجزين.
وبالنظر إلى حادثة بكاء ديانا ورفضها الزواج رفضًا قاطعًا، وإلى أن غينيوس ترك عمله ورافقها إلى المقاطعة، كان واضحًا أن الاستقرار أصبح ضرورة ملحّة.
ولولا ذلك، لما فكّر دوق فيلادلفيا أصلًا في تزويج إياندروس من إحدى بنات العائلة الجانبية.
“آه… لا نعلم ما الذي يحدث في المقاطعة…”
سألت الدوقة وهي تعقد حاجبيها:
“لكن بما أن الأميرين هناك، فلن يسوء الأمر كثيرًا، أليس كذلك؟ وهل ما يزال جلالته… غير راشد في أحكامه؟“
سؤالها بدا لطيفًا في الظاهر لكنه كان يقصد: هل ما يزال يتصرّف بحماقة؟
تنهد الدوق وقال:
“لا جديد. الملك كما هو، والملكة كما هي. وحده ولي العهد جايميس يجول البلاد محاولًا إنقاذها. وفوق ذلك، الآنسة كاثرين أُصيبت بالإنفلونزا وبقيت في المقاطعة… على هذا النحو قد تتعطل شؤون الدولة تمامًا.”
“… ولم يصل أي خبر من المقاطعة؟“
“ليس بعد. لكن أظن أنهم سيعودون قريبًا.”
تنهدت الدوقة بدورها، وانتقل التنهيد إلى الدوق أيضًا.
“… سمعت أن أسرة الكونت كلايدون دخلت في عزلة فجأة. هل لذلك صلة بما يجري؟“
“احتمال كبير. هناك شيء يحدث بلا شك، لكننا لا نعرف ما هو بالضبط. وكيف هي ديانا؟ هل تحسنت؟“
“نعم. يبدو أنها في حال أفضل كثيرًا الآن. ووفقًا لغينيوس، فهي تقضي وقتها هذه الأيام في رسم صورة مع الأمير إياندروس.”
“حسنٌ أن غينيوس هناك. وربما من حسن الحظ أيضًا أن فلورين في بعثة دراسية.”
“لنقل إن وجودهما مفيد معًا. على أي حال، حالما تكتمل اللوحة فسينتظرون الفرصة المناسبة للعودة. وعندها سيتضح كل شيء.”
أومأ الدوق برأس ثقيل.
كل ما يتمناه هو أن تزول هذه الفوضى سريعًا.
أمل ليونيد الوحيد هو موت الملك الذي لا يفعل شيئًا سوى احتلال المكان، ليصعد جايميس إلى العرش.
ولو أنه يتنازل عن العرش لكان الأمر أفضل، لكنه لا يبدو أنه يفكر في ذلك مطلقًا.
فكانت الحال أشبه بمثل: “يتعب الدب… وينال الثعلب الفائدة.”
نقر دوق فيلادلفيا بلسانه مستنكرًا.
* * *
كان ذلك في مساء اليوم التالي.
لبّى غينيوس وجايميس دعوة ديانا.
وبما أن وجودهم في مقاطعة فيلادلفيا كان لسبب غير سار، فلم يجتمعوا يومًا إلى مائدة واحدة.
وهذه كانت أول مرة تدعوهم ديانا جميعًا إلى عشاء.
أدركوا أن في الأمر تغيرًا في موقفها، فجاءوا دون تأخر.
هنا، بعيدًا عن العاصمة، كانت تُصنع أحداث قادرة على زلزلة المملكة كلها.
كغابة هادئة في ظاهرها، تضجّ بالحركة في باطنها.
تبدو ساكنة، لكنها تمور كل يوم بما هو جديد.
نظر غينيوس جايميس إلى ديانا بوجوه متوترة. فبحسب قرارها، ستتحدد خطواتهم القادمة.
“… بما أن الجميع ينظر إليّ بتلك الوجوه المتوترة، فربما يجب أن أتكلم أولًا كي نأكل براحة.”
قالت ديانا ذلك بوجه أكثر هدوءًا من قبل.
فقد كانت أكثر ارتياحًا مما كانت عليه حين كانت تعاند بلا ضابط.
“سأوافق على تقديم موعد الزواج.”
“آنسة ديانا…!”
“لكن أظن أن من الأفضل الاستغناء عن مراسم الزواج الآن.”
“تكتفين بعقد الزواج فقط؟“
“نعم. فليس لدينا وقت كافٍ. حتى مراسم الزفاف لم تُجهز بعد، ولا أريد إرهاق الآخرين بهذا. ثم إن الوضع الآن طارئ، وكلما أسرعنا كان أفضل.”
“… وإياندروس؟ هل يناسبك هذا؟“
أومأ إياندروس.
“كما تريد ديانا.”
كان يبدو غير مبالٍ، لكنه لم يكن ذلك اللامبالاة القديمة.
لقد كان راضيًا تمامًا لأنها قبلت الزواج أصلًا، وهذا يكفيه.
“وماذا عن المنزل؟“
سأل غينيوس قبل أن تجيب ديانا، لكن تدخّل جايميس بأدب:
“منزل إياندروس جاهز بالفعل يا كونت.”
“إذن… ستنتقل ديانا إليه؟“
تغيّم وجه غينيوس.
فهو يعلم أن انتقال ديانا فورًا سيحزن الدوق والدوقة، فابنتهما الصغرى لم تتجاوز الخامسة عشرة.
“لكن أظن من الأفضل أن تبقى الآنسة ديانا في قصر فيلادلفيا لبعض الوقت. تقديم الزواج أمر مفاجئ بطبيعته، ومن الأفضل نقل الأغراض ببطء. ما رأيك يا إيان؟“
“… أظن أن هذا هو الأنسب.”
“وماذا عنك يا ديانا؟“
“أوافق. هذا أفضل.”
“جيد. سأخبر والديّ بكل شيء.”
أومأ غينيوس بسهولة.
“هاه… الآن يمكننا البدء بالطعام.”
قال جايميس وقد ارتاح وجهه، ولم يبدأ الآخرون بالأكل إلا بعد أن بدأ هو.
حرّكت ديانا أدوات الطعام.
ففي حياتها السابقة لم تُتح لها فرصة البقاء مع جايميس كل هذا الوقت.
فإياندروس حين تزوج كان عليه مغادرة القصر، ولم يكن أي منهما يزور العاصمة كثيرًا.
لذا كانت اللقاءات نادرة ومقتصرة على المناسبات.
ولم يكن لها أي انطباع خاص عنه.
أما الآن فترى بوضوح أن جايميس يمتلك وجه الملك الكامل.
لا يتصرف وفق مشاعره، بل يعالج كل الأمور ببرود واتزان واضعًا ليونيد في مقدمة حساباته.
بل إنه رغم رفضها تقديم الزواج سابقًا، لم يوبّخها.
ورغم أنه أظهر امتعاضه من مسائل أخرى، فإنه لم يبدِ أي اعتراض على الزواج.
ورغم ذلك، لم يسألها لماذا رفضت.
كان ينظر إلى الأمر بعيون الملك، لا بعيون الأخ أو القريب.
فبدلًا من الغوص في المشاكل العاطفية بين إياندروس وديانا، دعم قرارها ونظر بعيدًا إلى ما سيُكسبهم إياه مستقبلًا.
جعلها ذلك تتساءل كيف كان سيصير حال البلاد لو أصبح جايميس ملكًا في حياتها السابقة.
وحتى نظرات إياندروس تجاهه كانت أبهى الآن.
ففي السابق والآن، كان إياندروس يحبه ويجله حقًا.
كأنه يراه بطلًا.
فحين مات الملك… أو عندما ماتت الملكة، لم يبدو على إياندروس ذلك الحزن الكبير. لكن عندما مات جايميس… انهار انهيارًا كاملًا.
‘… لعل رابطة الأخوّة بينهما كانت عميقة حقًا.’
تساءلت ديانا في نفسها.
لم تبدأ ملاحظة الفرق الواضح بين الماضي والحاضر إلا الآن.
رؤية هذين الشقيقين معًا جعلت الأمر أكثر جلاءً.
قبل عودتها بالزمن، حين كان إياندروس يجلس بين الملك والملكة، لم تستطع طرد شعورٍ غريبٍ بعدم الانسجام.
أما الآن، فلا أثر لذلك.
غريب…
لاحظ إياندروس أن يدَي ديانا توقفتا فجأة، فقطّع الطعام إلى قطع صغيرة ووضعها في طبقها.
“هل تندمين؟“
“هم؟ على ماذا؟“
“أتحدث عن الزواج.”
“آه… لا. لا أندم على ما اخترته.”
“إذًا، لِمَ هذا الوجه؟“
“وأي وجه هذا الذي أُظهره؟“
“تـ… تعبير مُبهم، ربما؟“
“ليس كما تظن.”
ابتسمت ديانا بخفة.
بات واضحًا أن إياندروس صار يلاحظ حتى التغيّرات الدقيقة في تعابيرها.
في حياتها السابقة، سواء بكت أو صرخت أو غضبت، لم يكن يبدي أي اهتمام.
وربما كانت هذه التغيّرات فيه ما جعلها تتحرّك نحوه شيئًا فشيئًا.
“كُلْ طعامك يا إيان. أثناء الأكل، الأفضل أن نأكل فقط.”
“… حسنًا.”
أومأ إياندروس وبدأ يأكل.
وخُيّل إلى ديانا للحظة أنها ترى أذني جروٍ صغير بين خصلات شعره الأسود.
* * *
لم يفارق جايميس جانب كاثرين للحظة.
وقد طال غيابه عن العاصمة، ولم تكن تصل منه أخبار إلا نادرًا، حتى إن بريستون اضطر في النهاية إلى حمل الأعمال المتراكمة والنزول بنفسه إلى مقاطعة فيلادلفيا.
كان ضيفًا غير متوقع، لكن ما من خيار آخر.
فمهما كانت ملكية القصر الصيفي للعائلة المالكة،
فقد كانت هناك حدود لرعاية كاثرين فيه.
أما فيلادلفيا—وهي عائلة تصنع الأسحلة—فكانت تُعدّ حصنًا من حديد مشهورة بقوتها وصلابتها.
وكانت الشائعات بين اللصوص والمرتزقة تقول: لا تضع رأسك لترتاح في أرض فيلادلفيا.
والشيء الوحيد القادر على إسقاط فيلادلفيا هو سلطة الأسرة المالكة نفسها.
لذلك كانت المقاطعة واحدة من أكثر الأماكن أمانًا لجايميس وكاثرين.
“إذن، هل تعاملتم مع جواسيس برانيو كما أمرتُكم؟“
“نعم يا مولاي. سنرسل نصفهم إلى مقرّ الأمير الثالث، والنصف الآخر إلى مقرّ الأمير الأول.”
“سيكون من الممتع رؤية رد فعل كل منهما.”
ارتسمت ابتسامة باردة على وجه جايميس.
فبعد ما تعرّضت له كاثرين، حتى لو كان جايميس رجلًا صالحًا، فلن يترك الأمر يمرّ بلا عقاب.
أيًّا كان من يقف خلف هذا الهجوم، فسيدفع الثمن غاليًا.
“هل تظن أن جناح الأمير الثالث المتطرف هو من حرّك خيوط الأمر؟“
“لا يمكن الوثوق بما يبدو على السطح فقط. علينا أن ننتظر لنرى من سيمدّ يده أولًا.”
“أجل، لن نستعجل.”
“وكيف حال الملكة والملك هذه الأيام؟“
“وهل مرّت أيّام كانا فيها على وفاق؟ ما يزالان على حالهما. الملك غارق في وساوسه المرضية، والملكة مشغولة بالتواصل مع أسرتها استعدادًا لترتيبات حفلات الزواج.”
هزّ جايميس رأسه.
سماع أن الأمور لم تتغير… يزيح همًا واحدًا على الأقل.
“سنُقيم قريبًا حفل زفاف إياندروس.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 28"