بحسب ما تتذكّره ديانا، فإنّ الحرب الأهلية في برانيو لم تكن قد انتهت حتى لحظة موتها.
كلّ ما كانت تذكره أنّ الأمير الثالث والأمير الخامس تحالفا معًا، بينما وقف الأمير الأول في الجهة المقابلة يقاتلهما.
أمّا أيّ من هذين الفريقين كان صاحب الطموح الذي امتدّ إلى ليونيد وهاجم فيلادلفيا والعائلة المالكة… فذلك ما لم تستطع معرفته.
“لستُ متأكدة.”
“أرى… وكذلك قال لي الكونت غينيوس. إنّ من المستحيل معرفة الطرف المسؤول. الأمير الثالث شخصية محاطة بالسرية تمامًا، حتى إن أحدًا لا يعرف عمره ولا شكله. يقال إنّ أمّ الأمير الأول ظلت تحاول قتله، فاضطرّ إلى إخفاء هويته طوال حياته.”
“همم… إذن، ما رأيك بتقسيم الاحتمالات؟ لنستهدف كلاهما. أياً يكن الفاعل، فستصله رسالة تحذير، وأما الآخر فسيشعر بالتهديد. هذا يعني أن العدو داخل برانيو يبدأ باستخدام حيل جديدة.”
“فكرة ليست سيئة.”
أومأ جايميس برأسه.
ورأت ديانا أنّ الاقتراح ليس سيئًا فعلًا.
فمع قلّة المعلومات عن الأميرين الأول والثالث، فإنّ استفزاز الاثنين معًا سيُظهر حتمًا بعض الردود من أحد الجانبين.
“بالطبع لن يعترف أيّ منهما بما فعل.”
تمتم جايميس ببرود.
“هل وجدتَ من دسّ السم يا جايميس؟“
كان جايميس إلى جانب كاثرِين يحقق طوال الوقت مع من جاءوا معهم بحثًا عن الجاني.
لكنّ أحدًا منهم لم يعترف بشيء.
هزّ جايميس رأسه نفيًا.
قالت ديانا بملامح جامدة:
“ما رأيكم أن نطعم جواسيس برانيو النوع نفسه من السم، ثم نعيدهم إلى بلدهم؟“
“آنسة ديانا؟“
“أظنّ أنه إن كان الهدف الاستفزاز… فليكن الاستفزاز كاملًا.”
“وأنا أيضًا أرى أن هذا أفضل.”
أيّدها إياندروس بإخلاص.
بدا الاندهاش على وجه جايميس للحظة.
لم يتغيّر الجوّ حول ديانا فحسب، بل أفكارها وتفكيرها كذلك.
لم تعد تلك الصبية الصغيرة التي لم تكن تعرف كيف تخفي مشاعرها.
فالآن لم يبقَ إلا شابّة تستطيع ذكر استخدام السم دون تردّد.
وللأسف، وجد جايميس نفسه يتفق معها.
إن أرادوا توجيه تحذير حقيقي، فلا بدّ من جعله واضحًا.
عليهم أن يثبتوا أنّهم ما زالوا أقوياء وقادرين.
“… وهناك أمر آخر أيضًا…”
نظر جايميس إلى كلٍّ من ديانا وإياندروس.
فهما، بثيابهما السوداء سيكونان عنصرًا مهمًا في الخطوة التالية.
“إنّ توحّد عائلة فيلادلفيا مع العائلة الملكية سيكون رسالة تحذير قوية لهم يا آنسة ديانا. وبصفتي أحد أفراد العائلة المالكة… أطلب منك رسميًا: هل يمكننا تقديم زواجكما إلى موعد أقرب؟“
شحب وجه ديانا حتى صار كالرماد.
“العائلة المالكة تحتاج إلى قوة فيلادلفيا… وبشكل عاجل.”
قبضت ديانا على يدها.
لم تكن مستعدة لهذا.
شعرت وكأنّ القدَر الذي حاولت تغييره عاد ليخنقها من جديد.
دون أن تجد وقتًا لالتقاط أنفاسها، تقدّم جايميس بطلب حطّم عالمها كله ببرود.
“علينا في أقرب وقت ممكن أن نُبرم هذا الزواج لنُظهر اتحاد العائلتين… ثم نبدأ بتدريب الفرسان يا آنسة ديانا.”
كانت كلمات جايميس المهذّبة تصفعها في العمق.
لم تستطع نطق الرفض بسهولة، برغم أن قلبها كان يصرخ.
عندها قال إياندروس:
“أخي…جايميس.”
وتقدّم واقفًا بينهما حاجزًا جسده أمام فستانها الأسود.
أخيرًا تحرّرت أنفاس ديانا.
لم يخطر لها هذا السيناريو أيضًا.
احتضنت حافة ثيابه من الخلف وهي تلهث بخفة.
كان جايميس مختلفًا عن إياندروس.
لم يكن من النوع الذي يمكن التعامل معه بحدّة أو بلا هوادة.
لكنه في الوقت نفسه لم يترك لديانا أي مساحة لالتقاط أنفاسها أو ترتيب مشاعرها.
فهي لم تكن جاهزة بعد.
لم تستطع، حتى الآن، أن تجد يقينًا داخلها تجاه زواجها من إياندروس.
كل ما استطاع إياندروس طلبه منها هو ألا تدفعه بعيدًا.
وهذا هو الحدّ الذي كانت قادرة على الوصول إليه—ألا تجرحه بالرفض المطلق ما دام لم يرتكب شيئًا يؤذِيها.
ولذلك كان من السخرية أن تكون في هذه اللحظة بالذات تعتمد على خطيبها لتتجنّب التعجيل بزواجها.
وكان واضحًا أنّ ما يحصل الآن سيؤذيه هو كذلك، ومع ذلك… كان يقف مدافعًا عنها.
“هذا أمر يحتاج إلى التفكير أولًا.”
“إنه مجرد تقديم الموعد شهرًا ونصفًا لا أكثر يا إيان. أتظنّ أن فيلادلفيا سيقدّمون تقنياتهم العسكرية ويدربون الفرسان دون مقابل؟ لا يوجد نبلاء بهذه الروح التطوعية. دائمًا هناك ثمن.”
“جايميس… أنا لستُ مستعدًا بعد.”
هزّ إياندرَس رأسه بقوة.
كان خوف ديانا ورفضها ما يزالان ينفذان بقسوة إلى أعماقه.
لكنّ ما كان أهم من الانشغال بجراحه هو الوقوف أمام ديانا الشاحبة المرتجفة ليحميها.
فمن المؤكد أن جراح ديانا التي جاءت معها من الماضي، أعمق بكثير من جراحه الحديثة.
لقد عاشت حياةً يعجز إياندروس حتى عن تخيّلها.
“… فكّر بالأمر جيدًا يا إيان. ولستُمانع أن تفكرّي أنتِ أيضًا يا آنسة.”
أضاف جايميس بصوت متعب.
“أعتذر منكما.”
* * *
في الآونة الأخيرة لم يحدث له سوى أمور سارّة، حتى إنه ظنّ أن الحال سيبقى كذلك.
يا له من غباء.
لطالما استمتعت الحياة بجرّه إلى أوحالها، وكيف نسي ذلك؟ وفي النهاية، ها هو يتلقى الضربة لأنه كان غافلًا.
قدّم إياندروس كوب شاي دافئ إلى ديانا.
“اشربي يا ديانا. ستشعرين بتحسّن.”
رفعت ديانا عينيها الكبيرتين نحو إياندروس.
كان واضحًا أنه صُدم هو الآخر ومع ذلك حافظ أمامها على هدوء تام طوال الوقت.
قالت ديانا متلعثمة:
“… لم أقصد أن أجرحك.”
“أعرف.”
“أنا لا أكرهك كما كنت أفعل من قبل.”
“أعرف ذلك أيضًا.”
أومأ إياندروس. وحاول حتى أن يبتسم ليطمئنها.
راحَت ديانا تعبث بفنجان الشاي.
كانت تعلم أن تلك الابتسامة ليست صادقة تمامًا.
لا بد أنه جُرح وانصدم، لكنه يخبّئ ذلك من أجلها.
“… لقد تفاجأت لا أكثر. وكما قلت… لم أكن مستعدة.”
تمتمت ديانا كمن يقدّم عذرًا.
إلا أن كليهما كان يعلم أنها لم تتحرر بعد من الماضي، وأن تلك الجراح ليست مما يُشفى بسهولة.
“ديانا.”
تنفّس إياندروس بعمق.
“اتفقنا أن نكون صادقين… لذا سأكون صريحًا. في الحقيقة… تأذّيت.”
ارتجفت كتفا ديانا.
“لكن، لم أكن أتوقع منكِ أصلًا أن تقبلي ذلك العرض فورًا.”
“إيان…”
اهتزت نظرات ديانا الكبيرة.
وكان أكثر ما لفت نظره هو وجنتاها الغائرتان، وقد أصبحت أنحف من ذي قبل.
تمنى لو تعود ديانا إلى ما كانت عليه: تضحك، وتتحدث براحة، وتعيش بلا خوف.
صار يرى بوضوح أشياء لم يكن يلاحظها سابقًا.
“لذا… لا داعي لهذا الوجه الحزين.”
قال إياندروس ذلك بنبرة حاول أن تكون هادئة قدر المستطاع.
فرؤية من يحبّها وهي على وشك البكاء كان أثقل عليه من تحمّل الألم بنفسه.
“…… حسنًا. إذن أنت أيضًا لا تقم بذلك الوجه.”
قالتها ديانا هامسة.
ويبدو أن إياندروس لم يدرك أنه هو نفسه كان على وشك البكاء.
رفعت ديانا شفتيها بصعوبة لتبتسم قليلًا.
* * *
“هممم.”
أمال سيرنيان رأسه بتساؤل.
كان الجو اليوم أثقل من الأمس.
حتى إياندروس الذي يفترض به أن يلوّح بذيله كجرو صغير أمام ديانا كان هادئًا على غير عادته ولم يتبادل الاثنان أي حديث تقريبًا.
حتى سيرنيان لاحظ غرابة الوضع.
كان الجو مختلفًا تمامًا عن الأمس.
بل إن ديانا هي من كانت تراقب إياندروس هذه المرة.
‘هل حدث بينهما شيء؟‘
يا لهم من ثنائي مثير للاهتمام.
“المسافة بينكما اليوم أكبر من الأمس. يجب أن تقتربا قليلًا حتى يظهر المشهد كما ظهر أمس.”
“آه…”
أومأ إياندروس بخجل واقترب ليجلس إلى جانب ديانا.
ويبدو أن قرب المسافة أعاد فتح باب الحديث المقطوع.
“… هل أنتِ غاضبة؟“
“ليس الأمر كذلك. فقط ظننتُ أنك تحتاج إلى وقت تفكر فيه.”
“أما الزواج…”
تغيّر وجه ديانا قليلاً.
لم تنم طوال الليل وهي تفكر في موضوع الزواج.
وعندما تحدثت مع غينيوس لم تحصل إلا على جواب بارد: “افعلي ما تشائين“. لكنها كانت تعرف أنها لا تملك هذه الحرية.
فهذا ليس شأنًا يخص العائلة الملكية فقط.
فبرانيو يطمع بفيلادلفيا أيضًا.
فكيف لها أن تتظاهر بالجهل؟
لقد أقسمت في هذه الحياة أن تحمي فيلادلفيا مهما كان الثمن.
“سأتزوج.”
قالتها ديانا بصوت خشن.
“ديانا… إن لم تكوني راغبة—”
“لقد وعدتني. قلت إنك ستفعل كل ما أطلبه.”
استدار إياندروس بسرعة نحوها.
“إيان، عليك أن تفي بوعدك. وإن لم تفعل… فلن أبقى واقفة أتلقى الضربات مثل الغبية. لقد فعلتها مرة، ولن يكون تركك صعبًا عليّ هذه المرة.”
“ديانا…”
ارتجفت شفتا إياندروس من حدة كلماتها.
هو الآخر لم ينم تلك الليلة.
ظلّ قلبه مثقلًا بفكرة أن ديانا التي قاومت الأمر بشدة ستُدفع من جديد إلى وضع لا تريده.
ومع ذلك، ها هي تمد يدها أولًا—فهل يُسمح له بالشعور بالارتياح؟
فتح فمه ليتكلم ثم أغلقه.
لكنه تذكّر طلب ديانا بأن يكون صريحًا، فاستجمع شجاعته.
“… هل يمكنني… أن أمسك بيدك؟“
“لا. انظر أمامك.”
استدار إياندروس مطيعًا كجرو صغير.
وبفضل ذلك، لم يرَ ابتسامة ديانا الصغيرة، ورآها سيرنيان وحده.
‘… جميلة.’
ترسّخت تلك الابتسامة الباهتة في قلب سيرنيان.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 27"