✦ الفصل 26 ✦
رمش جايميس بعينيه.
بدا له الأمر غريبًا حين سمع كلمة “صورة شخصية” عندها فقط أدرك أنّه لم يفكّر يومًا في ربط إياندروس باللوحات الشخصية.
بدت على وجهه ملامح من تلقّى صفعة مفاجئة.
كنتُ أقول لنفسي إنني أهتمّ لإياندروس… فهل كنتُ حقًا أفعل؟
حتى في جلسة رسم صورة شخصية العائلة الملكية، لم يكن إياندروس حاضرًا.
وعندما كان جايميس يسأل عن مكانه، كانت الملكة تجيب:
“إنه يعاقَب الآن. لم يُنهِ الواجب الذي كلّفه به معلّم المنزل. عندما ينتهي منه، سيتمكّن من الحضور في المرة القادمة.”
وكان جايميس يضحك قائلًا: “يا له من فتى!”
لكنّ الحقيقة أنّ إياندروس لم يتمكن من حضور جلسات الصور الشخصية طوال الشهر، ولم يكن ذلك لأنه لم يُنجز واجباته.
كان جايميس يعرف الحقيقة.
الملكة ببساطة لم تكن ترغب في ضمّه إلى إطار “عائلتها“.
ومع ذلك، تظاهر جايميس بعدم معرفة ذلك، لأنه كان يدرك أنّ مجرّد الإشارة إلى الحقيقة سيكسر السلام الهشّ الذي بالكاد كان قائمًا.
“أنا…”
تمتم جايميس في ذهول.
لحظات اكتشاف المرء لدناءة نفسه لا تكون جميلة.
في النهاية، لم يكن مختلفًا عن الملكة كما كان يظن.
طوال شهر كامل من رسم الصورة الشخصية العائلية لم يسأل جايميس عن واجبات إياندروس مرة أخرى.
وبعد وقت طويل، طلب أخيرًا رسم صورة شخصية خاصة به، لكنها عُلّقت في النهاية منفصلة عن لوحة العائلة.
ربّما كانت الملكة تهدف بذلك إلى التأكيد على أنّه ليس جزءًا من “العائلة“.
ومع ذلك، تغاضى جايميس عنها أيضًا بحجّة الحفاظ على سلامة القصر.
واندثر شعوره بالذنب شيئًا فشيئًا، ومع مرور الوقت اعتاد وجود لوحتين منفصلتين ونسي الأمر.
لذا كان طبيعيًا ألا يخطر له إياندروس عند سماع كلمة “صورة شخصية“.
ابتسم جايميس بمرارة.
كان قد عاهد نفسه ألّا يصبح مثل أمّه، لكنه بدأ يظنّ أنّه في جوهره لم يكن مختلفًا عنها كثيرًا.
“… هل سيستغرق الأمر طويلًا؟“
“لا، يا سموّ ولي العهد. قالوا إنهم سينتهون حوالى الثالثة عصرًا.”
“إذن سأنتظر. حين ينتهي رسم الصورة الشخصية، هل يمكنك أن تأتي لإخباري؟“
“نعم يا سموّ ولي العهد.”
انحنى الخادم بانصياع.
شعر جايميس فجأة أنّ عليه ألا يزعج إياندروس الآن.
كانت هذه أوّل صورة شخصية عائلية لإياندروس.
وكان ذلك أمرًا ذا معنى كبير، على الأقل بالنسبة إليه.
أما جايميس الذي تجرّأ يومًا على الادّعاء بأنه “عائلته“، فلم يكن يليق به أن يتدخّل.
* * *
على عكس ديانا التي بدت غير مبالية، كان إياندروس قد أعدّ الكثير من الأفكار لجلسة الرسم.
كان يرغب في الظهور مع ديانا كعائلة حقيقية.
فهما سيصبحان عائلة… وسيجعل ذلك يحدث.
‘ما هذا الأحمق؟‘
قال سيرنيان ذلك في نفسه.
بدا له إياندروس مضحكًا وهو يحاول كتم ابتسامته ويتحرك كما تشير ديانا.
هذا الأمير لم يكن يعرف ما يفعل أمام كلمة واحدة تقولها ديانا.
‘… الأمير الثاني ليس شيئًا مهمًا على ما يبدو.’
نقر سيرنيان بلسانه ساخرًا.
ومع ذلك، ورغم أفكاره، كانت يداه تستعدّان للرسم بمهارة.
“هل نأخذ هذه الوضعية؟ أم هذه؟“
“إيان.”
“نعم؟“
“أفضّل أن أجلس بهدوء دون حركة.”
“أه… حقًا؟“
عاد سيرنيان للتفكير في صمت:
‘هل هو عديم الشخصية… أم عديم التفكير؟‘
جلس إياندروس باعتدال إلى جانب ديانا ومال برأسه قليلًا.
“ديانا، أليس هذا جامدًا أكثر من اللازم؟“
“يجب أن نحافظ على الوضعية حتى نهاية الرسم. وهذه أكثر راحة لي.”
أجابت ديانا ببساطة.
قال سيرنيان:
“لو اقتربتما قليلًا من بعضكما فحسب.”
“حسنًا!”
اقترب إياندروس من ديانا وهو في غاية البهجة.
كان كلاهما يرتدي الأسود اليوم أيضًا.
كانت ديانا بوجه خالٍ من التعبير، بينما كان إياندروس مبتسمًا.
ذلك التباين الواضح لم يَغِب عن سيرنيان.
لم تُظهر ديانا أي اهتمام به، بينما كان هو يفيض بالمودّة تجاهها.
لن يكون الأمر صعبًا إذن.
رمق سيرنيان ديانا بطرف عينه.
زواجهما زواج سياسي منذ البداية، لذا لم يكن سلوكهما غريبًا.
الغريب كان إياندروس نفسه؛ فقد خالف قواعد الزواج السياسي حين أظهر مشاعر.
ففي زواج مبني على المكاسب… ما مكان العاطفة؟
مجرد رغبةٍ كهذه أمر غريب.
فالزواج السياسي يُعقد وفق الحاجة، ويمكن أن يُفضّ في أي وقت.
هزّ سيرنيان رأسه وهو ينظر إلى إياندروس.
ما زال يبدو طفلًا يعيش في عالم الحكايات.
قيل له إن الأمير الثاني صغير السن، ويبدو أن ذلك صحيح.
فمع أن الاثنين يبدوان في العمر نفسه، إلا أنّ الفتاة بدت أنضج قليلًا، وهذا ما يفسّر هدوءها مقارنة بارتباكه.
أمسك سيرنيان بالفرشاة بحذر وبدأ يحرّكها.
ورغم أنه لم يرسم منذ مدة، إلا أن يده لم تنس مهارتها، فهو أمضى سنينًا طويلة في الرسم حين كان في مملكته.
بل شعر بالمتعة واعتقد أنّ إمساك الفرشاة في بلد العدو أفضل من التجسّس ووضع الخطط.
بدأ التوتر في داخله يتلاشى.
وخلال الرسم، كان إياندروس يحدّث ديانا باستمرار، وكانت هي تجيبه بين الحين والآخر.
فارق كبير بينهما.
مثل هذا الزواج يسهل كسره.
يكفي زرع الشك في قلب إياندروس… أو دخول شخص آخر إلى قلب ديانا.
سواء كان في قلبها أحد أم لا، فهناك ثغرات كثيرة يمكن استغلالها.
فكّر سيرنيان وهو يرسم بمهارة.
كان العمل يتقدم وظلالهما تنتقل إلى القماش بثبات.
“ديانا.”
“ماذا؟“
“أريد أن تكون تلك اللوحة ملكي.”
قال إياندروس ذلك بوضوح.
“……”
“إنها أول صورة شخصية لنا معًا. سأهديكِ اللوحة التالية.”
“اللوحة التالية؟“
“نعم. التالية. أمّا هذه فسأحتفظ بها أنا. ثم إن الرسّام هاوٍ، ولن تكون جميلة جدًّا على الأرجح.”
حاول إياندروس إقناع ديانا نقطةً بنقطة، وكان في صوته شيء من العَجَلة.
ولم تفهم ديانا سبب تعلّقه المفاجئ باللوحة.
فهو لم يكن مهتمًا يومًا برسم الصور الشخصية. بل إن ردود فعله القديمة أوحت لها بأنه يكره الفكرة أصلًا.
إلا أنّ إياندروس ابن الخامسة عشرة كان مختلفًا.
هل حدث شيء لا أعلمه؟
على الرغم من أنها أمضت وقتًا إلى جانبه، بدأت تشعر بأنها لا تعرفه كما ظنّت.
بدا لها أنّ ما تعرفه عنه ليس سوى الجزء الظاهر فقط.
تغلّبت عليها رغبتها الشديدة في النوم، فاكتفت بالإيماء.
ثم إنّها لم تكن تتعلّق بهذه اللوحة على أي حال، فلم يهمّها لمن تؤول.
“حسنًا. خذها لك.”
“جيّد.”
ابتسم إياندروس ابتسامة عريضة.
ولشدّة ما بدا سعيدًا، التفتت إليه ديانا خلسة، ووجدت نفسها تبتسم بدورها.
كان أمرًا غريبًا أن يفرح إلى هذا الحدّ.
وكان سيرنيان الذي كان يراقب من جانبه هو الوحيد الذي رأى ابتسامة ديانا—ابتسامة لم يرها حتى إياندروس الجالس بجوارها.
‘إذن… ليست خالية تمامًا من المشاعر؟‘
كان يظن أن تفاعل ديانا مع أحاديث إياندروس مجرد ردّ مجاملة، لكن يبدو أنّ الأمر لم يكن أحاديّ الجانب تمامًا.
فقد كانت تبتسم أحيانًا، وبدا أن نظراتها تتجه نحوه بين حين وآخر.
وبغير وعي، وجد سيرنيان نفسه ينقل تلك الابتسامة على اللوحة. أصبحت ملامحه أكثر جدية.
كانت ديانا مبتسمةً… أجمل ممّا توقع بكثير.
كانت كحبة رمان مكتنزة تخفي بريقها تحت القشرة قبل أن تكشف عن حباتها اللامعة.
كانت ابتسامة تناسب منتصف صيف ناضج.
وفجأة أدرك سيرنيان أن فستانها الأسود لم يقلل من إشراق اللوحة قيد أنملة—فهي بذاتها كانت تتوهّج.
شدّ سيرنيان قبضته على الفرشاة من جديد.
في لحظةٍ ما، انتبه إلى أنه يراقبها من طرف عينه دون قصد.
ظنّها فتاة باردة من الحديد والدم، فإذا بها تخفي ابتسامة رقيقة في أعماقها… وتلك الفكرة استقرّت في قلبه.
‘اللعنة.’
مشاعر عديمة الفائدة. يجب أن يتخلّص منها.
تمالك سيرنيان نفسه.
* * *
ما إن انتهى رسم الصورة الشخصية حتى وصلهما خبر أنّ جايميس يبحث عن إياندروس.
وبداهةً، كانت ديانا تعتزم تركه يذهب وحده، لكنه رفض.
‘لن أخفي عنكِ أي شيء.’
‘إلى هذا الحد؟‘
حبست ديانا الكلمات في حلقها.
لم تتوقع منه هذا القدر من الصراحة.
حاولت الاعتذار بلطف، لكنها أمام إصراره القاطع وجدت نفسها تُساق معه نحو الغرفة التي ينتظرهما فيها جايميس.
تفاجأ جايميس برؤية ديانا ترافقه، لكنه رحّب بها سريعًا بابتسامة.
وبفضل تلك النية الحسنة، ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه ديانا أيضًا.
“آنسة ديانا، لم تتح لي الفرصة لتحيتك كما ينبغي من قبل.”
“لا بأس يا سموّ ولي العهد.”
“أعتذر لأنك تتحملين عناء وجودك هنا بسببي.”
“الأمر لا بأس به. لقد وافق أبي وأمي… وكذلك غينيوس.”
اتّخذت نبرة ديانا طابع اللامبالاة، كأنّ رأيها لا يهمّ أساسًا، مما جعل وجه جايميس يتجهّم للحظة.
حتى وإن كانت تعيش الآن في هذا القصر التابع لعائلة فيلادلفيا، لم يكن يتوقع منها الحديث بهذا التجرد.
“… على كل حال، أتمنى ألا يكون وجودك هنا قد سبّب لك أي إزعاج.”
“لم يسبب أي مشكلة حقًا.”
ابتسم جايميس ابتسامة متعجّبة.
بدا له أن ديانا قد تغيّرت منذ آخر مرة رآها فيها—كأنّ بينها وبين العالم جدارًا صامتًا لا يمكن اختراقه.
لم تبدُ ممن يكشفون دواخلهم بسهولة.
فحوّل جايميس الحديث نحو إياندروس.
“هل قضيت وقتًا ممتعًا يا إياندروس؟“
“نعم.”
“هذا مطمئن. أتمنى أن تكون الصورة الشخصية جميلة.”
قرأ إياندروس في نظرات جايميس أشياء كثيرة لم يقلها.
لكنه اختار تجاهلها، لأنه لا داعي للتظاهر بالفهم.
“على كل حال، أردت لقاءك لأستشيرك. فأنت أول من لاحظ مؤامرة برانيو.”
“… استشارة؟“
لم يسبق لأحد أن طلب رأيه في شيء كهذا.
كان إياندروس دائمًا بعيدًا عن شؤون الممكلة—حتى فيما يخص زواجه هو نفسه.
“أفكر في إعادة جواسيس برانيو إلى بلادهم. لكنني لست متأكدًا إن كانوا مبعوثين من الأمير الأول… أم الثالث.”
“هذا…”
التفت إياندروس ينظر إلى ديانا.
فأومأت له برأسها نفيًا.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 26"