✦ الفصل 24 ✦
بدا أن جايميس لا يرغب في الخوض في تفاصيل كثيرة.
ومن الواضح أن الرسالة التي أرسلها كانت قد حُذِف منها الكثير.
“علينا أولًا أن نُعيد روديو.”
“وماذا عن كاثرين؟ هل هي بخير؟“
“سيبقونها في إقليم فيلادلفيا لتتعافى هناك لبعض الوقت، ثم تعود.”
أومأت الكونتيسة برأسٍ مثقلٍ بالهموم.
من المطمئن أن كاثرين نجت… لكن السمّ!
لو لم يقترح ولي العهد اصطحاب كاثرين إلى مهرجان فيلادلفيا…
لكانت ماتت دون أن تدري بشيء.
اقشعرّ بدنها.
* * *
كان الأمر أشبه بحلم.
شعرت ديانا كأنها تمشي فوق الغيوم.
كان السوق الليلي يعجّ بالمشاهد المدهشة.
أشياء كثيرة كانت قد نسيتها عادت تنبض بالحياة أمامها.
كانت تلك أول نزهة حقيقية لها بعد أن عاشت حبيسة الجدران.
وكل شيء كان يلمع بأبهى مما تتذكر: ضحكات الناس السعيدة، الألعاب النارية التي تملأ السماء، والأغاني التي تتردد في الأرجاء.
أمور طمرها الحزن في قلبها طويلًا.
رفعت ديانا نظرها شاردة نحو السماء.
“إيان.”
“ماذا؟“
“هل سأتمكن من رؤية هذا المشهد العام القادم أيضًا؟“
“… سأجعل ذلك ممكنًا.”
أجابها إياندروس بوجهٍ جاد.
كانت عينا ديانا تتنقلان في الأجواء من حولها، لكن بالنسبة إليه لم يكن يرى سوى ديانا.
حتى هنا، كانت هي الأكثر إشراقًا.
عيناها الواسعتان وشعرها الأشقر المتناثر ببريقه جعلاها تبدو كأنها تلمع وسط الألوان الداكنة من حولها.
كان وجهها الأبيض المحاط بالسواد والأحمر مغمورًا بمسحة حزن رقيق.
أراد أن يبكيها.
بل لا… أراد أن يراها تبتسم.
مشاعر متناقضة عصفت بإياندروس.
كانت تلك المشاعر جزءًا من كيانه.
كانت ديانا كزجاجٍ رقيق… جميل، لكنه قابل للكسر في أي لحظة.
“حسنًا. إن استطعتَ، فلنفعل ذلك.”
ابتسم إياندروس بخفة عند سماعه موافقتها.
شعر وكأنه اقترب منها خطوة أخرى.
كان يبذل كل ما لديه من أجل علاقته بها.
“… أي نوع من الأشخاص يعجبكِ؟“
رفرفت ديانا بعينيها مندهشة من السؤال المفاجئ.
وأخيرًا التفت وجهها الصغير الذي كان مشغولًا بالسماء نحوه.
لم يُطرح عليها سؤال كهذا من قبل.
أي نوع من الأشخاص؟ في حياتها السابقة لم يكن إياندرس يتكلم.
كان يلتفت إليها أحيانًا بعينين ميتتين تحملان خليطًا من المشاعر لكنه لم ينطق بكلمة صادقة قط.
لو كان صريحًا… هل كان الأمر سيختلف؟
لو صرخ بأنه متعب وتألم بصوتٍ عالٍ… هل كان سيكون الوضع أفضل؟
ارتسمت على شفتي ديانا ابتسامة مريرة.
لم يعرف إياندروس ما الذي يدور في ذهنها، لكنه أدرك أن أفكارها ليست في صالحه، فحبس أنفاسه.
حتى إنه تمنى لو يستطيع أن يقابل نفسه في ذلك المستقبل الذي عاشته ديانا، ويصفعه بدلًا عنها.
أراد أن يوبخه: لماذا عشتَ بتلك الطريقة البائسة؟ لماذا كنتَ مثيرًا للشفقة إلى هذا الحد؟ وإن لم يستفق، فليُركل حتى يستعيد وعيه.
تنهد إياندروس خفية.
كلما شعر أن أخطاء “نسخته الأخرى” ما زالت تقيد ديانا، ساوره اشمئزاز من نفسه.
وكان يكره أيضًا أنه لا يستطيع أن ينكر تمامًا أنه ربما سينهار بالطريقة ذاتها لو تكررت الظروف نفسها.
كان يعرف نفسه جيدًا.
خمسة عشر عامًا تربّى فيها كأنه لا شيء.
الملكة لم تعلّمه شيئًا خوفًا من أن ينافس أخاه جايميس على العرش.
لم يتعلم كيف يُدار ملكٌ أو تُحمَل مسؤولية.
عاش طوال حياته في ظل أخيه، فكيف لا يضطرب حين يُلقى به فجأة تحت ضوء الشمس؟
‘أحمق.’
كان يفهم سبب كراهية ديانا له.
وبينما كان إياندروس يغرق أعمق في أفكاره، حتى كاد يستسلم لها تمامًا، فتحت ديانا فمها وتكلمت.
“… أحب الشخص الصريح. من يخبرني بكل شيء بصدق، مهما كان الأمر يا إيان.”
قالتها بصوتٍ خافت أقرب إلى الهمس.
“لم يكن أحد صريحًا معي.”
ولم يكن المقصود إياندروس وحده.
حتى فيلادلفيا أخفت عنها كل شيء.
لم يريدوا أن تعلم أن كانت الدوقية تضحّي من أجلها.
ولهذا لم تدرك الخطر إلا حين بلغ حافة الهاوية.
ولهذا أيضًا عندما كانت فيلادلفيا تنهار، لم تستطع أن تفعل شيئًا.
لأنها لم تكن تعلم.
صحيح أن غينيوس قال لها إن الأمر لم يكن خطأها، لكن هل هذا صحيح حقًا؟
أليست الجهالة في حد ذاتها ذنبًا أحيانًا؟
لذلك في هذه الحياة على الأقل، أرادت أن تعرف كل شيء.
كي لا يفوتها شيء.
“أريده أن يكون صريحًا، بلا إخفاء.”
قالت ديانا بصدق، فتبدّل بريق عيني إياندروس.
“شخص صريح… في أي ظرف كان؟”
“نعم. في أي ظرف.”
أجابت بهدوء.
لكن ديانا في تلك اللحظة لم تكن تتخيل قطّ ما الذي قد تجلبه إجابتها من عواقب.
فقد أصبح إياندروس صريحًا حقًا في كل لحظة.
حتى في اللحظات التي لم يكن ينبغي له أن يكون كذلك.
* * *
“أهما هما؟”
سأل فتى ذو عينين حادتين وهو يشير بإصبعه.
“نعم يا سمو الأمير.”
“قلتُ لك لا تنادني هكذا. نادِني باسمي ببساطة. إن انكشف أمري بسببك، فهل ستتحمل المسؤولية؟”
“… سيرنيان.”
“أفضل، أليس كذلك؟”
قال الفتى ذلك بنبرة متعجرفة خفيفة.
وجّه سيرنيان نظره إلى الفتاة والفتى اللذين كانا يتجولان بحرية في السوق الليلي.
فتاة بيضاء البشرة بفستان أسود، وفتى أبيض بزيّ أسود يقف إلى جوارها.
بدا للوهلة الأولى أن الفتى هو الأكثر توترًا، يلاحق الفتاة بخطوات ملحّة ويحاول فتح الحديث معها.
ضيّق سيرنيان عينيه وابتسم.
يمكن معرفة طبيعة العلاقة بينهما من النظرة الأولى.
كفة المشاعر كانت تميل تمامًا إلى جانب الفتى.
لا يعرف ما الذي يدور بينهما، لكن في مثل هذه الحالات يكون التسلل أسهل.
يكفي استهداف الطرف الأكثر اندفاعًا.
“عليك الحذر يا سيرنيان. إن انكشفت هويتك هنا فـ…!”
“سأموت، أليس كذلك؟ لكن، أليست العودة والموت هناك أو الموت هنا سواء؟”
قالها بخفة.
“كيف تنوي الاقتراب منهما؟ هل لديك خطة؟”
“حسنًا…”
أدار سيرنيان نظره في السوق ثم توقفت عيناه عند متجر أدوات الرسم—متجر يبيع الفُرَش والألوان والورق.
“عادةً، حين تريد محادثة غرباء، تشاركهم هواية. أليست تلك أسهل طريقة؟ ولحسن الحظ لديّ هواية نافعة.”
“سيرنيان!”
لكن قبل أن يتمكن مساعده من الاعتراض، كان قد خطا بخطوات واثقة نحو المتجر.
اشترى كل ما يلزم ليبدو كرسامٍ متجول.
فقد تعلم الرسم منذ صغره، وكان واثقًا بمهارته إلى حدّ ما.
كان في أرجاء السوق رسامون هواة يفترشون الأرض ويرسمون للمارة مقابل المال.
وقف سيرنيان واضعًا ذراعيه متشابكتين يتظاهر بالتفحص.
سأله صاحب المتجر الذي كان يغلّف مشترياته باستغراب:
“إلى ماذا تنظر؟”
“أبحث عن موضوع أرسمه. ستكون هذه أول لوحة أرسمها هنا، وأريد أن يكون موضوعها مثاليًا.”
“آه! فيلادلفيا تعجّ بالناس. يُقال إن بعض النبلاء يغيّرون ملابسهم ويأتون للاستمتاع بالمهرجان. لا بد أنك ستجد من يعجبك.”
“آمل ذلك. في الواقع، أظنني وجدت موضوعًا مناسبًا.”
ترك مساعده ينظر إليه بقلق ومضى بخطوات جريئة تصدر من حقيبة أدواته أصوات خفيفة متتابعة.
“أحم.”
تنحنح سيرنيان وارتسمت على وجهه ملامح بريئة.
لم يكن التمثيل أمرًا صعبًا عليه.
اقترب منهما بحذر.
وفي السوق، كان من المعتاد أن يستوقف الباعة المارة، لذا لم يكن في الأمر ما يثير الريبة.
“عذرًا…”
خفض رأسه كأنه خجول.
“ماذا تريد؟”
سأله الفتى الذي أوقفه ببرود.
“مرحبًا. في الحقيقة، بدأت مؤخرًا أتعلم الرسم. وأردت أن أبدأ هنا بداية جديدة، لذا اشتريت أدوات جديدة.”
أخرج حقيبة الرسم التي اشتراها لتوّه.
“وماذا بعد؟”
“إن لم تمانعا، أود أن أرسمكما. بحثت حولي ويبدو أنكما الأكثر انسجامًا في هذا المكان. هل تمنحانني فرصة لرسمكما؟”
تبادل الفتى والفتاة المختاران—إياندروس وديانا—النظرات.
لم تبدُ على ديانا أي مشاعر خاصة، لكن إياندروس بدا مهتمًا.
أعجبه أنه وضعهما في فئة واحدة، وأعجبه أكثر وصفه لهما بأنهما “الأكثر انسجامًا”.
ارتفعت زاوية شفتيه.
“ديانا.”
“نعم؟”
“لنوافق.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 24"