تسلّل الخوف إلى قلبها دون أن تشعر. ربما أُعيدت ديانا إلى هنا من أجل إيقاف كل مؤامرات برانيو.
أمسك إياندروس يدها المرتخية برفق.
“ماذا تريدينني أن أفعل لكِ؟“
سألها بصوت خافت كأنه همس.
“ماذا ستفعل لي؟“
“قلتُ إنني سأحقق لكِ كل ما تتمنين يا ديانا. ماذا تريدين؟ ما أكثر ما تحتاجينه الآن؟“
“… لا أعلم. كيف يمكننا إيقاف برانيو؟“
“سأتولى أنا الأمر يا ديانا.”
ابتسم إياندروس.
وأطلقت ديانا ضحكة قصيرة.
في هذه اللحظة، كان ذلك كافيًا.
* * *
مرّت نحو ثلاث ساعات قبل أن يدخل جايميس إلى غرفة المكتب حيث كان إياندروس وغينيوس وديانا ينتظرون.
بدا مرهقًا، غير أن غضبًا مكتومًا كان يختمر خلف ملامحه.
ألقى نظرة سريعة على الغرفة، ثم تناول كأسًا من الشراب الموضوع على الطاولة، واحتسى جرعة قوية دفعة واحدة.
“هووه…”
“كيف حال الآنسة كاثرين يا جايميس؟“
“نامت. بكت طويلًا. لم تمرّ بمثل هذا الأمر من قبل. وبالطبع… من الذي يعتاد على شيء كهذا؟“
جلس جايميس على الأريكة وكأن المكان ملكه، وبعد أن استقرّ، سُمح للآخرين بالجلوس.
خيّم صمت ثقيل على الغرفة.
“… ليس مهمًا كيف عرفت بالأمر. ما يهم الآن هو اقتلاع الجاني من جذوره.”
حدّد جايميس جوهر القضية.
قبضت ديانا على قبضتها.
لم تكن واثقة أنه سيصدقها كما فعل إياندروس وغينيوس، وكانت تفكر كيف تشرح الأمر، لكن لحسن الحظ لم يعد هناك داعٍ الآن لتفسير خلفية معرفتها.
‘يكفي أن تنجو كاثرين…!’
ابتلعت ريقها بتوتر.
“هل تشرح الأمر يا إياندروس؟“
“… نرى أن برانيو تقف خلف هذه الحادثة. ربما أرادوا قتل الآنسة كاثرين ليحتلوا مكانها إلى جانب أخي…”
“يطمعون في ما ليس لهم.”
تمتم جايميس وهو يمرر إصبعه على شفتيه.
“سمعت أن الصراع بين الأمير الثالث والأمير الأول قد اشتد مؤخرًا. وربما… يفكرون في إشعال حرب. لصرف أنظار الناس.”
اختار إياندروس كلماته بعناية وكأنها مجرد افتراضات، حتى لا يثير أي شك لدى جايميس.
“الأمير الثالث معروف بتطرفه، بينما الأول أكثر اعتدالًا. لكن لا يمكن الجزم أيهما وراء هذا. فحتى الأمير الأول يحمل جانبًا خفيًا ماكرًا.”
غرق جايميس في التفكير.
“إن كانت برانيو من دبرت الأمر، فلن تتراجع بسهولة.”
“… أنا.”
ترددت ديانا قبل أن تتكلم وابتلعت ريقها الجاف.
مسحت راحتيها المتعرقتين بطرف فستانها.
التفتت الأنظار إليها.
“ما رأيكم أن تمكث الآنسة كاثرين هنا في إقليم فيلادلفيا؟“
“في فيلادلفيا؟“
“نعم. الحراسة هنا مشددة للغاية. في الحقيقة…”
“تحدثي براحة يا آنسة ديانا. الجميع يعلم أن حراسة القصر الملكي لا تضاهي هذا المكان. وأنا أيضًا أعترف بأن فيلادلفيا هي الأكثر أمانًا في ليونيد.”
قال جايميس ذلك بنبرة خفيفة، كأنه يتحدث عن أمر بديهي.
“الكونت غينيوس وآنسة ديانا. هل بوسعكما تولّي حماية كاثرين لبعض الوقت؟“
“يشرفنا أن نؤدي ذلك من أجل ليونيد.”
“سأتحدث أنا مع الدوق الأكبر. من الأفضل أن تبقى كاثرين هنا إلى أن تستعيد عافيتها. وإلى أن نكشف مخططات برانيو… ونردّ لهم ما فعلوه بنا.”
“قد يكون رأيًا متواضعًا مني، لكن أرى أن من الأفضل لها ألا تحضر احتفال يوم التأسيس.”
لم يكن إغماء كاثرين في ذلك اليوم محض صدفة.
كان واضحًا أن برانيو ستدبّر حيلة ما.
أومأ جايميس موافقًا على كلام ديانا.
“من الأفضل تجنب الأماكن المزدحمة.”
وهكذا تغيّر مصير كاثرين.
وبمساندة الآخرين، نجحوا فعليًا في إنقاذ حياتها.
اضطرب بريق عيني ديانا.
‘وماذا سيحدث بعد هذا؟’
من الآن فصاعدًا، ستتجه نحو مستقبل لم تعد تعرفه.
أمسك إياندروس بيدها كأنه يثبّت توازنها وهي تتأرجح بين القلق والرجاء.
* * *
“هل أنتِ راضية الآن؟“
أومأت هيئة صغيرة كانت تجلس منكمشة تحدّق في ماء صافٍ.
انحنى رأسها المستدير بحزن.
“لن يؤلم بعد الآن، أليس كذلك؟“
كان صوتها الخافت يتلاشى في الهواء.
“من يدري؟ ربما هذه مجرد بداية جديدة. هل تشعرين بالوحدة؟“
“لا بأس.”
“قد لا تتمكنين من العودة. وربما تختفين هنا كما أنتِ.”
“لا بأس بذلك.”
ارتجف صوتها وقد امتلأ بالدموع.
انسدل شعرها الأحمر على ظهرها الصغير.
راحت عينا الطفلة تتنقلان بلهفة فوق صورة ديانا وإياندروس المنعكسة على سطح الماء كأنها تخشى أن يفوتها شيء.
مدّ من كان يراقبها يده وربّت على شعرها الأحمر.
هبط ضوء صغير مستدير على كتفها.
داعبته بأصابعها برفق فضحك الضوء ببهجة طفولية.
كان مشهدًا دافئًا ساكنًا، لا يجرؤ أحد على مقاطعته.
“ألن تندمي؟“
“أبدًا. وأنت كذلك، أليس كذلك؟“
ومض الضوء الصغير كأنه يؤكد موافقته.
* * *
أخذ إياندروس ديانا إلى الخارج بعدما لاحظ مسحة الحزن التي تكسوها.
ترددت قليلًا، لكن غينيوس شجّعها أيضًا، فلم تجد بدًا من الموافقة.
وقد اعتاد غينيوس الآن زيارات إياندروس، فصار يستقبله برحابة صدر.
أما ديانا، فقد أصبح وجود إياندروس مألوفًا لها رغم ما فيه من غرابة.
كان يفي بوعده بالتغيير.
حتى إنها حين حاولت أن تتذكر متى خرجت معه نزهة حقيقية في حياتها السابقة، لم تستطع أن تستحضر ذكرى واحدة.
كانت ديانا دائمًا تشعر بالاختناق داخل القصر الملكي.
هناك، كانت كطائر حبيس في قفص، لا تقول ولا تفعل إلا ما يريده الآخرون.
كانت مراقَبة في كل لحظة وكل حركة تصدر عنها تصبح حديث الناس.
وبعد أن عادت من تلك الحياة، أدركت كم أن الحرية التي تنعم بها الآن حلوة.
كانت في قرارة نفسها متحمسة وهي تخرج لحضور السوق الليلي المقام في إقليم فيلادلفيا.
“ما أول شيء تودين فعله؟“
سألها إياندروس متفحصًا ملامحها.
“… هل ستكون هناك ألعاب نارية؟“
“ربما.”
“أتمنى أن تكون هناك ألعاب نارية.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
استنشق إياندروس نفسًا عميقًا.
بدت ابتسامتها رقيقة حدّ الإيلام، وغرست في قلبه كالسهم، حتى خُيّل إليه أنها تضربه في صدره.
“… في المستقبل، ألم تتمكني حتى من رؤية شيء كهذا؟“
“أنت من أغلق كل الأبواب. حتى النوافذ لم تكن تسمح بفتحها.”
كانت حين تخفّ المراقبة تفتح النافذة خلسة لتستنشق بعض الهواء.
عاشت وهي تكاد تختنق داخل السجن الذي صنعه إياندروس.
“… يالهمنوغد.”
تمتم إياندروس بصدق.
فضحكت ديانا.
إياندروس في هذه الحياة كان صريحًا، لطيفًا، وأحيانًا يبدو ظريفًا.
لو ظلّ على هذا النحو، ربما استطاعت أن تمسك بيده وتمضي معه.
ولو حدث ذلك…
‘شنتيلا.’
قد تتمكن من لقاء طفلتها البائسة مرة أخرى.
تمايل قلبها كقارب تجرفه الأمواج.
لو استطاعت فقط أن تنادي اسمه مرة أخرى، أن تضمها وتهمس لها بحبها، لشعرت أنها مستعدة لأن تضحي بروحها.
لو استطاعت فقط أن تمنحها الدفء فلا تكون وحيدة…
لو استطاعت أن تحتضنها في تلك الأحلام التي كانت تراها فيها تموت وحيدة مرارًا.
غاصت في خيال مؤلم وعذب في آن.
كان إياندروس أملها… ويأسها في الوقت ذاته.
ولم يتغير ذلك حتى الآن.
تمنت أن يستمر تغيّره.
* * *
نُقل خبر تسمم كاثرين سرًا إلى الكونت كلايدون.
فكاثرين ابنته الوحيدة، والتي ستصبح قريبًا ولية عهد المملكة.
كان طبيعيًا أن يغرق الكونت في الحزن.
“كاثرين…”
“من ذلك الفاسق الذي تجرأ على فعل هذا؟“
عضّت الكونتيسة الشاحبة شفتيها بقوة.
شعرت وكأن رأسها سينفجر—بل إن الذي كاد ينفجر كان قلبها.
اجتاحها شعور بالذنب والخوف لأنها لم تستطع حماية ابنتها، وراحت دقات قلبها تضطرب بعنف.
“… سمو ولي العهد يشك في أن قضية الاختلاس الأخيرة ربما كانت ملفقة.” [ الي مايتذكر؛ الخدم الي تم استبدالهم اتهمو باختلاس الاموال ]
ازدادت الكونتيسة قضمًا لشفتيها.
آنذاك، وقد صدمهما ما ظنّاه خيانة من أناس وثقوا بهم، تصرفا باندفاع دون تمحيص.
لكن حين أعادا التفكير، تساءلا: هل كانوا حقًا أولئك النوع من الناس؟ لقد أفنوا حياتهم في خدمة كلايدون، واعتبروا هذا المكان بيتهم وشرفهم.
“هل كنا متسرعين…؟“
“ربما. يبدو أن فئرانًا تسللت إلى قصرنا.”
“وماذا نفعل الآن؟“
“… علينا أن نعيد روديو.”
كان روديو اسم كبير الخدم السابق.
“لا أعلم إن كان سيقبل.”
“لا بد أن من تسللوا إلى قصرنا قد ساهموا في تلطيخ سمعته. إن كان الأمر يتعلق بالقبض على الفاعل والانتقام لاستعادة شرفه، فسيعود. من أجل كرامته. سيعود حتمًا.”
جزّ الكونت كلايدون على أسنانه.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 23"