فقد كان جسد ديانا الذي بدا أنحف من قبل يثقل قلبه قلقًا.
كانت صغيرة البنية أصلًا، لكنه شعر أنها ازدادت نحولًا، لذلك عندما قالت إنها ستتناول الطعام أخيرًا، شعر ببعض الطمأنينة.
فالطبيب الخاص كان قد حذّره من أن شهيتها تراجعت كثيرًا، وهو ما أثار مخاوفه.
كانت ديانا تمضي قدمًا.
وكان هذا التغيّر مدعاة فرح عظيم.
تسلّل إلى قلبه أمل بأن يكون الغد أفضل من اليوم، وأن يكون ما بعد الغد أفضل من الغد.
* * *
أنجز إياندرس دوره كما ينبغي.
فقد كتب رسالة إلى جايميس مستندًا إلى الأدلة التي زوّرها غينيوس وديانا.
لم يستغرق تزوير الأدلة سوى أسبوع واحد، لكن ما بذلاه من جهد انتقل كاملًا إلى عاتق إياندروس.
تعمّد أن يجعل الرسالة موجزة، ينقل فيها اضطرابه وقلقه دون إسهاب، حتى لا تبدو مصطنعة.
كان حريصًا على أن تبدو طبيعية قدر الإمكان.
وكما أرادوا، أثارت الرسالة شكوكًا حقيقية لدى جايميس.
“يا بريستون.”
“نعم؟“
“يقول إياندروس إن جاسوسًا من برانيو قد يعرّض كاثرين للخطر. ما رأيك؟ هل ترى في الأمر مصداقية؟“
قطّب بريستون حاجبيه.
“تحرّكات الأمير الثالث مريبة فعلًا… لكن هل يمكن أن يصل به الأمر إلى هذا الحد؟“
“الأمر يتوقف على هدفه. إن لم يكن طموحه مجرد عرش برانيو، بل شيء أعلى من ذلك…”
“لا أستطيع الجزم، لكن لا يمكننا أيضًا استبعاد الاحتمال.”
“ويقول إن بإمكاننا التحقق من الأمر إن اصطحبنا كاثرين إلى الفيلا.”
“أتنوي الذهاب؟“
“لا بأس بقليل من الهواء النقي بعد كل هذا الوقت. وكاثرين تحتاج إلى الراحة أيضًا. أليست تعاني يومًا بعد يوم في التعامل مع والدتي مؤخرًا؟ ثم إن خدم أسرة الكونت قد استُبدلوا دفعة واحدة كما قال إياندروس.”
“إذًا أنت مستعد لتصديق الأمر حتى لو كان كذبًا.”
“من أجل الجميع.”
هزّ جايميس كتفيه وطوى الرسالة، ثم ألقاها في المدفأة.
كان يفعل ذلك من أجل إياندروس.
فما تزال الملكة تعامل جايميس كطفل تستطيع التحكم به بأصابعها.
ولو علمت أنه غادر القصر بسبب رسالة كهذه، لتحمّل الفتى العواقب كاملة.
لم يتجاوز إياندروس الخامسة عشرة، ومع ذلك كانت الملكة تنظر إليه وكأنه شيطان.
“ولحسن الحظ، لا يوجد أمر عاجل الآن. سأغيب قليلًا.”
“نـ… نعم؟ يبدو الأمر وكأنه وداع.”
“أحسنت الفهم. ستبقى أنت لتتولى الأمور نيابةً عني، أليس كذلك؟ إن غادرتَ أنت أيضًا، فمن سيتولى العمل بدلًا من والدي؟“
ابتسم جايميس بمكر طفولي.
حاول بريستون أن يوقفه رافعًا يده، لكن خرج جايميس من المكتب بخفة معتادة.
“أعتمد عليك.”
واكتفى بتلك التحية المنعشة.
“سمو ولي العهد!!!”
لم يبقَ سوى صوت بريستون يتردّد في الأرجاء.
* * *
في تلك الأثناء، في إقليم فيلادلفيا.
كان إياندروس يدخل ويخرج من الإقطاعية يوميًا بلا انقطاع ساعيًا إلى كسب رضا ديانا.
حتى إن غينيوس مازحه يومًا قائلًا إن عتبات القصر ستبلى من كثرة عبوره.
أما جيسي، فقد اعتادت استقباله.
بل إن ديانا نفسها بدأت تقتنع بصدق مشاعره.
“ماذا أحضرت اليوم؟“
وكان دائمًا يأتي بشيء.
بدأت القصة بباقة من الزهور، أما اليوم فقد جاء بكتاب مجلّد بقماش أحمر.
“لم أكن أعلم أن لكِ اهتمامًا بهذا النوع.”
“لأنك لم تهتم بي من قبل.”
استنشقت ديانا رائحة الكتاب العتيق بعمق، حتى امتلأ صدرها بعبقه، وكادت تبتسم دون أن تشعر.
ثم رفعت عينيها إليه.
“من أين حصلت عليه؟ لا بد أن العثور عليه لم يكن سهلًا.”
بجملة واحدة وجّهت إليه ضربة صريحة، ثم سألت بنبرة خفيفة.
ضحك إياندروس بخفوت وأجاب:
“للمكتبات الصغيرة مزاياها. فيها كتب لا تجدينها في غيرها. وبينها كانت هذه النسخة النادرة مختبئة. وجدتها مصادفة.”
“حقًا؟“
مرّرت ديانا أطراف أصابعها على الغلاف المهترئ.
كان عنوان الرواية: <سرّ الآنسة الصغيرة راينت>. رواية قرأتها معظم فتيات هذا البلد، لكنها رغم شيوعها كانت نسختها الأولى نادرة للغاية.
كانت ديانا تبحث عنها منذ زمن طويل، وها هي أخيرًا بين يديها.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة.
ربما كان للكتاب معنى أكبر لأنه هو من أحضره.
كان دليلًا على أنه بدأ يهتم بما تحب.
كما وعدها في المعبد، كان يتغير بثبات، ويصبّ كل ما يستطيع من اهتمام عليها.
“… شكرًالك.”
ابتسم إياندروس لهمستها.
كم كان من السهل أن يرسم الابتسامة على وجهها.
على الرغم من مكانتها الرفيعة كابنة فيلادلفيا، كانت ديانا بسيطة بطبعها.
خلال الأيام القليلة الماضية، بدأ يتعرّف دفعة واحدة على جوانب منها لم يعرفها طوال سنوات.
واكتشف أن هذا الاكتشاف ممتع للغاية.
أحبّ ابتسامتها البسيطة.
حتى تلك الغمازة الصغيرة في خدّها، بقدر نعومة أطراف أظافرها المرتبة، كانت تزلزل قلبه.
“ديانا.”
“نعم.”
“كيف كانت شنتيلا؟“
كان سؤالًا حذرًا.
أدارت ديانا رأسها ونظرت إليه.
لاحظت ارتجاف جفنيه وابتسامته المتكلّفة.
أدركت أن السؤال لم يكن سهلًا عليه.
كان يحاول الآن أن يتحمّل مسؤوليته التي عجز عنها في السابق.
ارتجفت شفتا ديانا قليلًا.
“شنتيلا… كانت طفلة طيبة. وذكية أيضًا. لم نتمكن من حمايتها، لكنها حاولت حتى النهاية أن تحمينا نحن.”
“……”
“كان لها شعر أحمر، وعينان تشبهان عينيك. كانت جميلة ومحبوبة، كشرارة صغيرة متوهجة.”
امتلأت عينا ديانا بالدموع.
فما تزال شنتيلا تحتل لياليها حتى الآن.
وربما كانت، في هذه اللحظة أيضًا، عاجزة عن أن تنعم بالراحة، وكأنها ما تزال تحاول حماية أمّها القاصرة.
كأنها عالقة هناك، تصرخ نحو ديانا حتى يبحّ صوتها.
اهربي.
لا تلتفتي أبدًا.
ولا تعودي.
شنتيلا.
كلما ردّدت اسمها، سالت الدموع تلقائيًا وكأنها تنطق بما يعجز قلبها عن قوله.
انحدرت دموع شفافة على وجنتيها.
“إيان… ما كان ينبغي لنا أن نفعل ذلك. لم يكن يجوز أن نكون قساة معها إلى هذا الحد.”
“ديانا…”
“لم يكن لها سوانا. عالم شنتيلا الصغير والجميل كان يقتصر علينا نحن فقط… ومع ذلك لم نستطع أن نحميها.”
“لم يكن ذنبك.”
تمتم إياندروس بصوت غارق في الثقل.
“من عجز عن حمايتها لم تكوني أنتِ… بل أنا.”
رفعت ديانا عينيها المبللتين نحوه.
هدأ الهواء الذي كان يدور بينهما، وكأنه ترك تموّجًا خافتًا قبل أن يخمد.
ومع نسمة خفيفة، بدا وكأن دموعها أخذت تهدأ قليلًا.
“لا تبكي يا ديانا.”
مدّ إياندروس يده ومسح أطراف عينيها بإصبعه.
كانت حركته بطيئة إلى حدّ السكون، حتى إنها استطاعت أن تقرأ كل تفصيل فيها.
كان حذرًا معها إلى أقصى درجة.
اهتزّت نظرتها.
“أنا… أنا المخطئة.”
انعقد حاجبا إياندرو.
لو رآه أحد الآن، لما استطاع أن يتخيّل ذلك الشخص الذي عرفته في المستقبل.
حتى الفستان الأسود الذي ترتديه بدا لها وكأنه لا يمتّ إلى الواقع بصلة.
ومع ذلك، ما تزال تحت صدرها ندبة تذكّرها بموتها.
ولا يمكن لتلك الذكريات الواضحة أن تكون كذبة.
ولا شنتيلا أيضًا.
لم تكن يومًا وهمًا.
“لماذا فعلتَ ذلك؟“
سألت بصوت متهدّج.
سؤال لم يكن بإمكان إياندروس الحاضر أن يجيب عنه… هكذا ظنت.
لكن على عكس توقعها، كان يعرف الجواب.
يعرف لماذا تحطّم ذلك الرجل في المستقبل إلى هذا الحد.
يعرف لماذا لم يستطع تحمّل موت جايميس.
على خلاف ما يظنه الناس، لم يكن إياندروس محبوبًا في القصر.
كان منبوذًا.
ابنًا غير شرعي.
لقب يلاحقه أينما ذهب.
وكان جايميس هو من وقف إلى جانبه واعتنى به.
وفقدان شخص كهذا كفيل بأن يدمّر العالم بأسره.
فكيف إن كان لإياندروس نفسه يدٌ في موته؟
حتى إياندروس الآن لا يستطيع أن يجزم بأنه لن ينهار إن واجه الموقف ذاته يومًا ما.
لا ضمانة بأنه سيبقى صامدًا.
لكن هناك أمرًا واحدًا يستطيع أن يعد به ديانا.
أنه لن يدفعها إلى حافة الهاوية أبدًا.
حتى لو كان ذلك القرار متغطرسًا، فإنه أراد أن يفي بقسمه الآن.
يكفي أن يُنقذ جايميس.
أن يوقف أطماع برانيو، ويُبقي جايميس حيًا في هذه الحياة.
عندها سيكون الأمر ممكنًا.
ذلك هو الطريق الذي قد يجعل الجميع يبتسمون.
“سيأتي جايميس يا ديانا. إن كان القدر مؤلمًا ومخيفًا، فبإمكاننا تغييره. يكفي ألا نسمح بحدوث ما حدث. ولحسن الحظ، لدينا أنتِ… أنتِ التي تعرفين المستقبل. سأغيّر كل شيء يا ديانا.”
ابتسمت ديانا ابتسامة قصيرة على كلماته المواسية.
“وما الذي ستغيّره كله يا ترى؟“
كان ذلك أيضًا نوعًا من الاندفاع الذي لا يظهر إلا في سنّ الطفولة.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 21"