✦ الفصل 20 ✦
“لا بأس حتى لو لم ينخدع. سيفكّر الأمير جايميس بالتأكيد: لماذا اختلقوا مثل هذه الكذبة أصلًا؟ أي رسالة يحاولون إيصالها؟ ثم إن برانيو تُظهر منذ البداية وضعًا سياسيًا غير مستقر، لذلك فلن يتجاهل سمو الأمير جايميس الأمر تمامًا.”
لرؤية ديانا بهذه الحيوية بعد طول غياب، انتقل الحماس إلى غينيوس دون وعي منه.
وكان الأمر نفسه بالنسبة لإياندروس الذي يشاهد هذا الجانب منها للمرة الأولى.
لم يسبق له أن تخيّلها هكذا قط.
كانت ديانا الآن تتلألأ أكثر من أي وقت مضى.
وكان ذلك المشهد آسرًا حدّ الجمال.
“… حسنًا ديانا. فكرة جيدة،. لنجرب ذلك يا غينيوس، سأتولى أنا إرسال الرسالة بنفسي.”
تلاقت نظرات ديانا وغينيوس.
ثم أدارت ديانا رأسها فالتقت عيناها بإياندروس.
استجمع إياندروس أعرض ابتسامة يملكها.
لو كان كولين حاضرًا لوصفها، لربما قال إنها خرجت توًّا من ألسنة اللهب.
بدت الدهشة واضحة على وجه ديانا.
“إياندروس… هل أنت متعب؟”
“… لا.”
سرعان ما ارتسم على وجه إياندروس تعبير خيبة.
صحيح أن العلاقة بينه وبين ديانا أصبحت أيسر من ذي قبل، لكن المشكلة أنه لا يعرف كيف يتعامل معها.
ولا يعرف حتى أيّ تعبير من تعابيره يبدو جذابًا.
فرك إياندروس وجهه.
‘ليس هذا التعبير إذن.’
“… هل ترغبين بتناول العشاء معًا؟“
كان هذا عرض موعدٍ جادٍّ منه.
ربما لأنه لم يجرّب أمرًا كهذا من قبل، خرجت كلماته شديدة الارتباك.
“لا.”
هزّت ديانا رأسها بابتسامة بدت كمن نسي كل متع العالم.
استنشق إياندروس نفسًا عميقًا.
ومع ذلك، كان من المؤسف الاستسلام هكذا.
وفوق ذلك، أليس غينيوس يرسل له تشجيعًا صامتًا بنظراته؟
فتح إياندروس فمه مرة أخرى.
“… إذًا، ما رأيك أن نذهب إلى المعبد؟“
ارتعشت جفنا ديانا بخفة.
تذكّرت شنتيلا.
حتى في تلك الأيام التي كان كل شيء فيها بالغ الحرج، ما إن تعانق إياندروس حتى تبتسم شنتيلا ابتسامة مشرقة.
لعل تلك الطفلة كانت تشعر بشيء ما.
ربما كانت تبتسم بتلك الطريقة الجميلة لتحطّم الحرج والانزعاج القائمين بين إياندروس وديانا.
في النهاية أصبحت كبش فداء وتلاشت في ريعان طفولتها تحت نصل المقصلة… تلك الطفلة الطيبة كانت…
‘أمي، أنا لا أكره أبي.’
كانت مفعمة بالحب.
كانت شنتيلا تملأ وحدها الفراغ الذي عجزت ديانا وإياندروس عن ملئه.
ولأنها كانت هكذا، فربما سترحّب بإياندروس المختلف عمّا كان عليه آنذاك.
تراجعت ديانا خطوة عن عنادها.
“حسنًا.”
ابتسم إياندروس ابتسامة خرجت كأنها زفرة.
على الأقل، لم يُرفض عرضه الثاني.
إذ كان يتساءل بقلق عمّا سيقوله لو اضطر إلى المحاولة الثالثة.
نهض فينيوس من مكانه.
“إذن، أتمنى لكما نزهة ممتعة. أما أنا فعليّ كتابة الرسالة.”
وغادر المكان.
* * *
“ما كان اسم الطفلة؟“
أجابت ديانا عن السؤال المحرج بمثل قدره من الحرج.
“شنتيلا. كان يعني الشُعلة.”
“ومن الذي اختار الاسم؟“
ابتسمت ديانا ابتسامة مريرة.
“نحن. نحن من اخترناه معًا.”
كان ذلك في الأيام التي ظنّا فيها أن حتى الشقاء لن يجرؤ على اقتحام حياتهما.
كانت نشوة قدوم الطفل قد جعلتهما يطفوان فرحًا.
في النهاية انهار كل شيء، لكن ديانا كانت لا تزال تتذكر الأيام السعيدة.
نظرت ديانا بطرف عينها إلى إياندروس الجالس إلى جانبها يصلّي وملامحه يكسوها البلل.
كان مستغرقًا في صلاته بوجه جادٍّ ورصين كأنه غارق في أفكاره.
ضمّت ديانا شفتيها.
“شنتيلا…يا شُعلتي الجميلة، يا طفلتنا العزيزة. هذا هو والدك الذي كنتِ تحبينه كثيرًا.”
حتى وإن كان هذا اللقب لا يليق بوجهه الغض ذي الخمسة عشر عامًا.
كادت تشعر بأن شنتيلا ستمشي بخطواتها الصغيرة المتعثرة قادمة بينهما.
تنهدت ديانا بحزن.
وكأنه سمع ذلك التنهد، فتح إياندروس فمه.
“أنا آسف. آسف لأنني كبرت لأكون بالغًا أحمق يا شنتيلا.”
كانت تلك الكلمات التي تشبه الهمس عزاءً لدیانا.
هل يمكن لإياندروس أن يتغيّر حقًا؟
“آسف لأنني لم أستطع حمايتك يا شنتيلا.”
كأي شخص عاديّ، دافئ المشاعر…
لا كما ذاك الشخص الفوضوي الذي تتذكره ديانا!
ارتجفت أطراف أصابعها.
كان إياندروس يتخيل مجهولًا لا يعرفه.
لا بد أن شنتيلا كانت تشبههما معًا، نصفًا بنصف.
وبما أن اسمها يعني الشُعلة، فربما كانت تملك شعرًا أحمر مثل والدة ديانا.
تُرى، هل كانت عيناها تشبهان عيني إياندروس؟
في هذه اللحظة، لم يكن ركوعه على ركبتيه من أجل تلك الطفلة أمرًا مؤسفًا أو عبئًا ولو قليلًا.
وعاهد نفسه أنه حتى حين يكبر لن يرتكب أفعالًا غبية كهذه مرة أخرى.
أبدًا.
“ديانا.”
“ماذا؟“
“سأفعل كل ما تطلبينه.”
قالها إياندروس بنبرة تشبه القسم.
حين التفتت ديانا إليه كان لا يزال راكعًا مسندًا جبينه إلى أصابعه وملامحه مشدودة بجدية حاسمة كأنه اتخذ قراره بالفعل.
في الحقيقة، إذا فكّرت في الأمر، كم كان كل هذا غير متوقع بالنسبة لإياندروس الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة بعد؟
هو الذي لا يتذكر شيئًا، لا بد أن كل ما رآه لم يكن سوى تغيّر ديانا المفاجئ.
ومع ذلك، لم يلمها إياندروس يومًا.
بل وقف إلى جانبها دائمًا.
ربما كان هذا ممكنًا لأنه لم يكن بالغًا مكتمل القسوة بعد، بل مجرد فتى في الخامسة عشرة.
لم يكن في عمرٍ تصلّبت فيه الأفكار واعتاد فيه المرء الحساب والموازنة قبل كل شيء.
ازداد ارتجاف ديانا.
بالنسبة لها، كان ما حدث صاعقة، ومع ذلك كان إياندروس يؤكد لها أن كل ما فعلته كان صحيحًا.
كان يحترمها، ويعترف بخياراتها.
ربما… هذه المرة ستكون مختلفة حقًا.
تسلل إليها هذا الأمل.
أما إياندروس، فلم يستطع فتح عينيه.
لقد رُفض مرارًا من قبل ديانا، وكان يخشى أن يُرفض مرة أخرى.
خوف صريح، صادق، يليق بفتى في الخامسة عشرة.
ضغط إياندروس على قلبه المرتجف محاولًا تهدئته.
“إيان.”
كان صوت ديانا كأنه صاعقة ضربت روح إياندروس.
أنزل يديه المتشابكتين ثم التفت لينظر إليها بصمت.
تقابلت أعينهما.
كانت الدموع تترقرق في عيني ديانا.
الهالة المقدسة الخاصة بالمعبد أحاطت بها وكأنها تحتضنها.
ظل إياندروس ينظر إليها بذهول.
لو لم تنادِه ديانا مجددًا، لشعر أنه قد يبقى هكذا إلى الأبد.
“إياندروس.”
“ديانا…”
ناداها إياندروس بصوت مرتجف.
التقت أعينهما بوضوح وكانت دموعها على وشك السقوط.
“أنا… أنا لست واثقة.”
“……”
“لكنني أريد أن أجرّب أن أصدق.”
لم تحتمل الدموع ثقلها فانهمرت أخيرًا.
كانت ديانا بثوبها الأسود تبدو كقديسة.
ومن فرط ذلك البهاء، انقبضت عينا إياندروس.
“أريد أن أؤمن بأننا قد لا نصل إلى تلك النهاية.”
كان ذلك ما تريده حقًا.
بعد تردد طويل، وُلد في داخلها شجاعة لمواجهة القدر.
في حياتها السابقة كانت وحدها، أما الآن فكان معها إياندروس وغينيوس أيضًا.
ومعًا، ربما ولو بقليل، يمكنهم تغيير المستقبل.
بالطبع، قد يأتي يوم تندم فيه.
لكن أليس الندم بعد المحاولة مختلفًا عن الندم دون أن تحاول أصلًا؟
“لنمنح أنفسنا مهلة يا إياندروس.”
“مهلة؟“
“لست واثقة أننا سنتمكن من تغيير مصير كاثرين يا إيان. لست متأكدة أننا سننجح حقًا.”
أومأ إياندروس برأسه.
“لنحلّ هذا أولًا… وبعدها نفكر فيما يأتي.”
“حسنًا يا ديانا.”
أمسك إياندروس يد ديانا الرقيقة بحذر، وانحنى ليقبّل ظاهرها مبتسمًا ابتسامة صغيرة.
“لقد قلت إنني سأفعل كل ما تطلبينه.”
“… شكرًا لك.”
قررت ديانا أن تتقبّل ذلك.
فإياندروس الحالي لا ذنب له في شيء.
وبعد أن تعافت وصارت رؤيتها أوضح، أدركت الحقيقة أخيرًا: إنه مجرد فتى في الخامسة عشرة، أصابه هذا كله كصاعقة من السماء.
كانت نظرات إياندروس صافية ونقية.
لذلك لم يكن بإمكانها إلا أن تشعر بما يحمله داخله—صدقًا، ومودة خالصة.
مشاعر لم تستطع ديانا في حياتها السابقة بنضجها الناقص أن تراها.
ولهذا… رغبت ديانا في أن تراهن عليه من جديد.
هي الآن تعرف أكثر، وهو يضع كامل صدقه بين يديها.
“إذًا… لن تفعلين هذا مجددًا، أليس كذلك؟“
قرّب إياندروس شفتيه بحذر إلى معصم ديانا.
شعرت وكأن ألمًا يتصاعد من داخلها—كان أثر مقاومة عنيفة، ومحاولة يائسة لإبعاده.
كان جرحًا بالغ الإيلام.
ارتجفت شفتا إياندروس.
“لن تفعلين هذا مرة أخرى، صحيح؟“
“…نعم.”
“وإن حدث ذلك مجددًا، فاطعنيني بدلًا من هذا.”
انفجرت ديانا بضحكة قصيرة.
مثل هذه الكلمات الساذجة لا يمكن أن تصدر إلا عن شخص في عمره الحالي.
لكن إياندروس عبس فورًا، غير راضٍ.
“لا تضحكي. أنا جاد.”
جاد… ذلك الصدق البسيط وصل إلى قلب ديانا.
أومأت برأسها بخفة.
الكلمة التي كانت ثقيلة حين كانت بالغة، خرجت الآن بسهولة.
ربما كانت هذه هي القوة التي لا يمنحها إلا هذا العمر.
أومأت مرة أخرى.
“عديني.”
ابتسم إياندروس ابتسامة صادقة من أعماقه.
كانت مختلفة تمامًا عن تلك الابتسامة المتكلّفة التي أظهرها سابقًا.
رفع شفتيه عن معصمها، وشعرا معًا وكأن خيطًا غير مرئي قد ربط بينهما—رابطة لن تنقطع بسهولة.
“سنواجه كل شيء معًا يا ديانا.”
أومأت ديانا مجددًا.
“هل ستفعل حقًا كل ما أطلبه منك؟“
“بالطبع.”
“إذًا……”
ابتسمت ديانا ابتسامة مازحة.
كانت تلك المساحة من الطمأنينة التي استعادتْها أخيرًا.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 20"