2
✿ الفصل 2 ✿
كانت قد تكلّمت ديانا بإلحاحٍ يائس.
“ديانا. تلك الندبة أسفل صدرك لا بدّ أنها تعود إلى سقوطكِ قديمًا.”
“لكن…”
“الخادمات فقط لم يلاحظنها من قبل. يا صغيرتي يا ديانا… لم يكن سوى كابوس.”
ارتسمت على وجه الدوقة الكبرى ملامح حنونة، وهمست وهي تمسك بيد ابنتها الصغرى:
“فيلادلفيا ستحميكِ. لا داعي للخوف إطلاقًا، مفهوم؟“
أومأت ديانا برأسها إيماءةً متكلّفة.
“ابنتي الطيبة.”
قبّلتها الدوقة الكبرى على جبينها ومسحت دموعها ثم أعانتها على الوقوف.
“عليكِ أن تغسلي وجهكِ من جديد. ينبغي أن نتناول الإفطار قبل أن نخرج، فأسرعي في الاستعداد. تستطيعين فعل ذلك، أليس كذلك؟“
“نعم أمي.”
أجابت ديانا بطاعة، ثم قبّلت وجنتي أمها.
بدا للدوقة الكبرى أن ابنتها استعادت هدوءها واتزانها المعهودين فابتسمت مطمئنة.
ما إن خرجت ديانا من جناح أمها حتى مسحت دموعها بكفّها، وإن لم يكن ذلك كافيًا ليمحو آثارها كلّها عن وجهها.
ومع ذلك… لم يكن في نيتها الاستسلام.
لقد مُنحت فرصةً ثانية، ولم يكن بإمكانها أن تبدّدها كما فعلت في حياتها السابقة.
غير أن أباها الذي كان يصدّق كل ما تقوله، وأخويها اللذين طالما مازحاها بوصفها بالخرقاء لكنهما يقفان دائمًا في صفّها… لم يصدّقها أحد.
لم يصدّقوا أنها عادت من المستقبل.
اكتفوا بطمأنتها قائلين إنها مجرد كابوس قبل الزفاف.
حقًّا…
“لو كنتُ مكانهم، لما صدّقت أيضًا.”
على الأقل لأنهم يحبّونها لم يعاملوها كمجنونة.
حين عادت ديانا إلى غرفتها بوجهٍ كئيب، راحت جيسي تراقبها بحذر.
منذ الصباح وهي تتنقّل بلا ترتيب ولا اهتمام بمظهرها، ومع ذلك لم تبدُ وكأنها حصلت على ما تريد.
وبينما كانت جيسي تفكّر كيف تواسيها، نهضت ديانا فجأةً بعزم.
“إن لم تنجح الطرق الملتوية… فالمواجهة المباشرة.”
في الحقيقة، لم يكن إياندروس يحبّ ديانا كثيرًا.
بل كان يميل إلى النفور منها، خصوصًا في صغرهما.
كان يتجاهل كلامها في الغالب، ويقطّب جبينه كلما رآها.
أما عبارة “الأمير إياندروس اللطيف الودود“، فلم تكن سوى قناعٍ زائف أمامها.
وبما أن ديانا في الخامسة عشرة الآن، فلا بد أن إياندروس في العمر نفسه.
إن وقفت أمامه وأعلنت أنها عادت من المستقبل، فسيظنّها تتظاهر بالجنون، وربما يسارع بإبلاغ العائلة الملكية ويطلب فسخ الخطبة.
فلن يقبلوا أميرةً مستقبليّة يشوبها مثل هذا العيب.
بل إن حديثها عن عودتها من المستقبل وإن كان حقيقةً سيبدو ضربًا من الهذيان، وقد يشكّل لإياندرىس نفسه مخرجًا من زواجٍ لا يرغب فيه.
ربما ستوصم بالجنون.
لكن لا بأس.
لم تكن تنوي الزواج مجددًا على أي حال.
لم تكن واثقةً من قدرتها على احتضان طفلٍ جديد دون أن تستحضر صورة ابنتها الراحلة. ولم تكن تريد أن تكرّر حياةً زوجية تقود إلى الخراب مع أيّ كان.
لذلك، لم يهمّها أيّ وصمٍ قد يُلصق بها.
ولحسن الحظ، كان أخواها الأكبر منها بخمس وسبع سنوات متزوّجين بالفعل. وسيرزقان بأطفال قريبًا.
حتى لو لحقت بها السمعة السيئة، فلن يمسّ ذلك مجد فيلادلفيا بشيء.
شدّت ديانا ملامحها بعزم، ثم عادت إلى غرفة الاستحمام.
لم تكن بحاجةٍ إلى تمثيلٍ بارع.
يكفي أن تقول الحقيقة.
عندها، سيظنّ إياندروس كما ظنّ أهلها أنها فقدت صوابها.
عضّت على أسنانها.
اليوم… سيبدأ كل شيء.
ما إن تلتقي به، ستخبره بكل ما قالته لعائلتها.
فإذا لم يصدّقها أهلها…
“آنستي، أيّ فستانٍ سترتدين اليوم؟“
سألتها إحدى الخادمات اللواتي يساعدنها في الاستعداد.
كانت ديانا ذات رأيٍ ثابت، وغالبًا ما تختار فساتينها بنفسها.
حدّقت في انعكاس جسدها داخل الماء الصافي.
بشرتها بيضاء إلى حدٍّ لم تمسّه الشمس قط.
“الأسود.”
“عفوًا؟“
“أريد فستانًا أسود.”
اللون الذي يرمز إلى العروس هو الأبيض الناصع.
في المرة السابقة، حين ذهبت مع إياندروس لاختيار فستان الزفاف، ارتدت فستانًا فخمًا يمزج بين الفضي والأبيض تعبيرًا عن حماستها.
أما الآن، فحين ذكرت الأسود، تبادلت الخادمات نظراتٍ مشدوهة.
ليس لأن الأسود خطأ بحد ذاته.
لكن جرت العادة أن يُرتدى في المآتم.
نعم، يُلبس أحيانًا في الحفلات والولائم، لكن بتصاميم فاخرة تبرز أناقة اللون، لا ببساطةٍ كهذه.
وبالتأكيد لن تختار فستانًا بتلك الفخامة الآن…
‘أترى أن الآنسة مريضة حقًا…؟‘
‘أم أن عقلها…؟‘
‘أم هي نوبة مراهقة متأخرة…؟‘
تبادلت الخادمات النظرات بصمت.
“حقًا تريدين فستانًا أسود؟“
سألت جيسي مرةً أخرى.
“نعم، هذا ما أريده.”
أجابت ديانا بحزم.
لم يبقَ في قلبها شيءٌ من بهجة العروس.
ثم إن اختيارها للأسود كان نوعًا من الحداد.
فقد عجزت عن الحداد على ابنتها.
تلك الطفلة الطيبة التي لم تتوقف لحظةً عن حبّها منذ ولادتها.
الوحيدة التي وقفت في صفّها دائمًا والتي ظلّت تقلق عليها حتى لحظتها الأخيرة.
أخذت ديانا تعبث بأصابعها بصمت.
ربما لم يعد لكل ذلك أي معنى بعدما عادت إلى الماضي.
أن تحزن على طفلة لم تولد بعد… قد يبدو أمرًا عبثيًّا.
لكن ديانا كانت قد عقدت العزم على الهروب بعيدًا، بعيدًا جدًا عن ذلك المصير كما حذّرتها الطفلة ذاتها.
وهذا يعني أنها لن تلتقي بها مرة أخرى أبدًا.
لم يكن بوسعها أن تدفع تلك الصغيرة المسكينة إلى الموت مجددًا.
يكفي أنها ذاقت ذلك الجحيم مرة واحدة.
ولهذا في هذه المرة، ستهرب من شقاء إياندروس.
كان قرارًا تراه صائبًا تمامًا.
وفي النهاية، ارتدت ديانا الفستان الأسود كما أرادت.
“ديانا!”
“نعم يا أمي.”
ابتسمت ديانا ابتسامة خفيفة وهي تنظر إلى الدوقة الكبرى التي بدت مذهولة كأن الأمر لا يحمل أي مشكلة على الإطلاق.
رفعت رأسها بكبرياء ونزلت الدرج بخطوات واثقة، فتنهدت الدوقة الكبرى ضاحكة بسخرية خفيفة.
“أتُصرّين الآن على فرض إرادتك بهذه الطريقة؟ ألم نتفق ألا تتمادي في العناد يا ديانا؟ أم أنكِ لم تفهمي كلام أمك؟”
سألتها بصوت اختلط فيه التعب بالحنان.
“لا يا أمي. سأفعل كما تريدين… إذا كان الأمير إياندروس سيقبل هذا الزواج.”
أجابت ديانا بلطف.
لكن الدوقة الكبرى حين رأت العناد المستقر في عيني ابنتها تنهدت، فقد أدركت أن هذا الإصرار لن يُكسَر بسهولة. وفي النهاية صعدت العربة معها.
شدّت ديانا شفتيها وهي تحدّق من نافذة العربة بصمت.
* * *
كان إياندروس ينظر هو الآخر من نافذة عربته.
“سمو الأمير؟ سمو الأمير؟”
“… لماذا تناديني؟”
أدار رأسه متجهمًا، بينما أطلق كولين الذي يرافقه زفرة طويلة.
“لأنك شارد الذهن منذ مدة. فيمَ تفكر بهذا العمق؟”
“لا أفكر في شيء.”
“ملامحك لا توحي بذلك. منذ أن عدتَ من لقاء الآنسة ديانا وأنت لا تتحدث إلا عنها.”
“وما في ذلك؟ ليس أمرًا غريبًا.”
“قبل ذلك، كنتَ كلما ذُكر اسمها تصرّ على أنك لن تتزوجها.”
“……”
احمرّ وجه إياندروس وأدار رأسه بعيدًا.
لقد خُطِب لديانا منذ زمن طويل؛ بل يمكن القول إن زواجهما تقرر منذ لحظة ولادتهما تقريبًا.
فهو الأمير الثاني للمملكة، وهي الابنة الشرعية الوحيدة لأسرة دوقية فيلادلفيا الكبرى.
كان زواجهما سيعزّز التحالف بين العائلة الإمبراطورية وفيلادلفيا، ويمنح الدولة قوة تتقدّم بها في ظل الأوضاع الدولية المتقلبة.
لكن إياندروس لم يكن مرتاحًا لفكرة خطيبة لا يعرف عنها الكثير.
في صغره، كان النبلاء من أقرانه يسخرون منه كلما رُئي معها.
وفوق ذلك، بدت ديانا متعجرفة كأنها أميرة متوَّجة بالفعل.
لم يعرف كيف تربّت في ما يخص القصر الملكي، لكنها كانت تحاول دائمًا أن تتحكم به بطرف إصبعها.
فكيف يُفترض به أن يحب فتاة كهذه؟
“لكن…”
الديانا التي رآها قبل فترة لم تكن كما يتذكرها.
صحيح أن تحفظها وكبرياءها لم يتغيرا، لكن ابتسامتها الرقيقة، وطريقتها في الرقص بذلك الوجه المشرق…
كانت أشبه بجنيّة.
بل الأجمل بين جميع أقرانها دون منازع. حتى إنه شعر وكأنها تتلألأ حقًا.
وفوق ذلك، كانت ذكية.
الآن صار كل الفتيان في سنه يحسدونه لأنه مخطوب لها.
فهم لا يزالون في الخامسة عشرة من العمر؛ سنّ يسهل فيه التأثر بأصوات الأقران.
ثم، بصراحة، فإن إياندروس…
“لم أكن أكرهها!”
“إذن ماذا؟”
“……”
تحركت شفتاه دون أن يخرج منه صوت.
تنهد كولين مرة أخرى وهو ينظر إليه.
“كنتَ تشعر بالحرج، أليس كذلك؟”
“ماذا؟ لا!”
“بل نعم.”
ضحك كولين بخفة.
“يبدو أن أميرنا بدأ ينضج أخيرًا.”
“وأنت أكبر مني بسنة واحدة فقط!”
لوّح إياندروس بمروحته الصغيرة قرب أذنيه المتوردتين، ورمق كولين بنظرة حادة.
“سنة واحدة تكفي لتصنع هذا الفرق. ستقابل الآنسة ديانا قريبًا، أليس كذلك؟ اليوم موعد اختيار فستان الزفاف، أليس كذلك؟ يقولون إن العروس تكون في أبهى صورها حين ترتدي فستان الزفاف. صحيح أنكما ما زلتما صغيرين، لكن…”
“همم! وما الذي يُفترض أن أشعر به؟ لا شيء مميز.”
قاطعه إياندروس ببرود مصطنع، لكنه ما لبث أن تنحنح ليخفي ارتباكه وقد احمرّ وجهه حتى عنقه.
“إياندروس. مصير هذه الإمبراطورية معقود على زواجك. أرجو أنك تفهم كلام أمك جيدًا.”
أبدًا!
لم يكن إياندروس يتزوج ديانا لأنه يحبها…
قطعًا لا.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 2"