✦ الفصل 19 ✦
كانت ديانا أصغر من إياندروس في كل شيء تقريبًا، وأكثر ما يبرز ذلك صِغَر أظافرها التي بدت كحصى صغيرة ناعمة.
تحركت عينا إياندروس خلف يدها كأنه مسحور، يتتبع كل حركة تقوم بها.
“ما الذي تنظر إليه هكذا؟“
سألته ديانا بخفة بعدما لاحظت أنه شارد يحدق في فنجانها كأن شيئًا استحوذ على انتباهه.
ظنت لوهلة أنه ربما يريد مزيدًا من الشاي، لكن فنجانه كان لا يزال ممتلئًا.
تمتم إياندروس:
“جميلة.”
“ماذا؟“
اتسعت عيناها بدهشة.
لم تتأكد إن كانت قد سمعت جيدًا.
ارتسم الاستفهام في عينيها الكبيرتين؛ عمَّ يتحدث تحديدًا؟
“يدكِ… جميلة.”
قالها بصوت خفيض يكاد يكون همسًا.
أفلتت الملعقة من يد ديانا، فسارعت إلى إخفاء يدها.
مرّ على وجهه طيف خيبة خفيفة.
لم تلتقط الملعقة التي سقطت، بل أشاحت بوجهها إلى الجانب.
خفق قلبها بعنف.
ظنت أن قلبها قد خمد منذ زمن، لكنه في الآونة الأخيرة صار ينبض كأن حياة جديدة دبّت فيه.
لأسباب كثيرة.
أما سبب اليوم… فكان الخجل.
تلون شحم أذنيها بحمرة واضحة.
لم تكن حياتهما كلها تعاسة متصلة.
قبل وفاة جايميس، كانا—في نظرها—يعيشان أيامًا لا بأس بها من السعادة.
ما زالت تتذكر الليلة الأولى التي قضتها مع إياندروس.
أو هكذا تظن.
كانت تعتقد أنها نسيت، لكنها في الحقيقة لم تنسَ.
لم تكن تلك المرة الأولى التي يمدح فيها أصابعها.
سبق أن فعل ذلك في الماضي—في ذلك الماضي الذي لم يبقَ حيًا إلا في ذاكرتها.
تتذكر نظرته وهو يتأمل أصابعها طويلًا في الظلام.
كانت نظرة ثقيلة، غامضة بقدر عتمة الليل نفسه.
من هذه الناحية، لم يتغير إياندروس.
“لا تنظر إليّ هكذا.”
قالتها بنبرة أقرب إلى الدلال المتذمر كأن عقدة في صدرها قد بدأت تذوب.
على الأقل في تلك اللحظة.
وبقي دفء الربيع بينهما حتى لحظة الوداع، ولم يتبدد.
* * *
أطلقت ديانا تنهيدة طويلة وهي تستلقي على سريرها.
لأول مرة منذ عودتها إلى الماضي، سمحت لنفسها أن تستحضر ذكرى طيبة.
انكمشت على نفسها قليلًا، وشعرت بأن الألم الذي كان ينهشها قد خفّ ولو قليلًا.
ارتجفت أهدابها بخفة.
ذكرى جميلة.
ذكرى سعيدة.
ذكرى جعلت قلبها يخفق بشوق.
تضافرت تلك الذكريات لتخفف عنها وطأة الألم.
أمسكت بمعصمها الذي كانت قد جرحتْه من قبل، وأغمضت عينيها وفتحتهما ببطء.
بدأت حقيقة أنه لم يكن شخصًا سيئًا منذ البداية تتسلل إلى قلبها.
جوانبه الطيبة لم تختفِ تمامًا، بل بقيت عالقة في داخلها.
لماذا إذًا انقضت تلك الأيام هباءً؟
لماذا تفتتت وكأنها لا شيء وتبعثرت كالغبار؟
بعد الذكريات الطيبة، جاء الحزن.
إياندروس سيظلّ بلا شك مصدرًا يستحضر في نفسها الخير والشر معًا.
كما يحدث الآن، ستظل مشاعرها تتأرجح بسببه، وسيبدو هو وكأنه صاحب هذه المشاعر ومتحكم بها.
ابتلعت حزنها كمن يبتلع سمًّا.
اندفعت الذكريات التي غطّاها الألم فجأة إلى السطح.
“لقد كنا بخير…”
اضطرب قلبها.
ألم يكن يحبها يومًا ما؟
امتزجت الذكريات القديمة وتداخلت ثم تلاشت مجددًا كأن ضجيجًا مشوشًا يعيد ترتيبها بعشوائية.
كانت تلك الذكريات التي طالما تهرّبت منها.
“كانت هناك أيام كهذه أيضًا.”
ربما أرادت أن تنساها عمدًا.
أرادت أن تمحو كل ما كان جميلًا كي يسهل عليها التخلي عنه.
ألقت عليه وحده عبء كل تعاستها… وكأنها بذلك تجد مبررًا لتركه.
“لا أدري…”
همست بصوت مبلل بالدموع.
أظافرها التي لم يستطع أن يشيح بنظره عنها شعرت بحرارة مؤلمة كأنها توشك أن تتساقط.
ألمٌ يشبه استدعاء الماضي من جديد.
قبضت يدها بقوة.
“لا تنسيني.”
كأن صوته يهمس بذلك في أذنها.
* * *
أنزل غينيوس الرسالة التي كان يقرأها بعناية.
لقد قرأها مرات عدة.
لم يكن لديه طريق للحصول على معلومات بعيدًا عن فيلادلفيا سوى فلورين.
كانت فلورين تدرس حاليًا في جورجوا، إحدى الدول المجاورة لبرانيو.
إضافة إلى ذلك، كانت تدرس الشؤون الدولية، ما يجعل وصولها إلى الأخبار والتحليلات أسهل من غيرها.
وقد أرسلت ردّها بسرعة كأنها كانت تنتظر السؤال.
[غينيوس،
أرجو أنك بخير. هل ما زلت في إقطاعية فيلادلفيا؟ لا يوجد أمر مقلق، أليس كذلك؟]
كان جينيوس قد ورث لقب الكونت فيلادلفيا فور زواجه.
وبما أنه يفترض به البقاء في العاصمة لمساندة الدوق الأكبر في تطوير الأسلحة، فقد بدا وجوده في الإقطاعية أمرًا مثيرًا للاستغراب.
[تحريت عمّا طلبت. في الحقيقة، أنا أتابع أوضاع برانيو باستمرار. الأوضاع هناك مضطربة بشدة هذه الأيام. يوجد وريثان قويان للعرش: الأمير الأول والأمير الثالث. الأول يميل إلى سياسة خارجية معتدلة، أما الثالث فمتشدد للغاية. أقول متشددًا مجازًا… لكنه في الحقيقة خطير يا غينيوس.]
يبدو أن فلورين كانت تشعر بالقلق حيال برانيو أيضًا.
اختيارها لدراسة السياسة الدولية لم يكن مصادفة، بل نتيجة وعيها بتحولات العصر وتأثير ذلك في عائلتها.
كانت تسعى لدعم فيلادلفيا التي تصنع الأسلحة، ولتثبيت أقدامها في زمن يتقلب يومًا بعد يوم.
[لا يوجد أمر خطير، أليس كذلك؟ سؤالك عن برانيو… هل له علاقة بوجودك في إقطاعية فيلادلفيا؟ إن توصلتُ إلى معلومات إضافية، سأراسلك مجددًا.]
مرّر غينيوس يده على عينيه بتعب.
وفقًا لما قالته فلورين، الشخص الذي يهدد ليونيد الآن ليس الأمير الأول، بل على الأرجح الأمير الثالث.
وربما تكون محاولة مهاجمة ليونيد جزءًا من خطة لصرف الانتباه عن الفوضى الداخلية والنزاعات.
تساءل عما سيأتي إياندروس من معلومات.
شعر بشيء من الخوف كأنه متورط في مؤامرة ضخمة، لكنه أدرك أنه لا بد له من الصبر والتغلب على هذا الشعور. وإلا، فإن الكارثة التي حذّرته منها ديانا ستكون حتمًا ما ينتظره.
* * *
تلقى إياندروس أيضًا المعلومات التي جمعها كولين بعد صعوده إلى العاصمة بنفسه.
لم تكن تتعلق ببرانيو فحسب، بل شملت معلومات عن كاثرين أيضًا.
وكان ما لفت الانتباه في هذا السياق هو التغيير الذي طرأ على عائلة الكونت كلايدون.
استبدلت عائلة كلايدون جميع خدمها نتيجة سلسلة من الأحداث.
فقد تورط بعض الخدم في اختلاس أموال العائلة، وعندما تم اكتشاف الأمر، رفضوا الاعتراف بأخطائهم حتى طُردوا، وبدلًا من ذلك، اتهموا بعضهم البعض.
لهذا السبب، قام الكونت كلايدون بإقالة الخدم القدامى واستبدلهم بآخرين جدد.
وكانت الخادمة التي تعتني بكاثرين من بينهم.
اجتمعت كل المعلومات التي جمعها إياندروس وغينيوس في مكان واحد.
بدأت ديانا بفحص الوثائق بعناية واحدة تلو الأخرى.
كاثرين كلايدون.
شعرت ديانا أن الأمور المتعلقة بكاثرين ستكون نقطة تحول محتملة.
“لا نعرف من قد يكون لديه السم ليقتل كاثرين. ربما أفضل طريقة هي جلب كاثرين إلى هنا…”
“من الأفضل دعوة جايميس أيضًا، ليس كاثرين فقط، سيكون أفضل من ناحية المظهر.”
بهذه الطريقة، يمكنهم أن يوهموا الجميع بأن هذا تحالف مثالي بين فيلادلفيا والعائلة الملكية.
“وماذا لو رسمنا المشهد الذي يريدونه هم؟“
فتحت ديانا عينيها على اتساعهما وأعربت عن رأيها:
“ننتشر شائعة أن كاثرين مريضة ولا تستطيع الحضور في يوم التأسيس. والأفضل دعوها بأسرع وقت ممكن، فقد يكون السم قد بدأ ينتشر في جسدها بالفعل.”
“إذاً يجب أن يكون هناك سبب لإغراء جايميس.”
“… إذا لم يكن هناك سبب، يمكننا اختلاقه يا صاحب السمو.”
ابتسم غينيوس ابتسامة ماكرة ثم دار برأسه نحو ديانا وأعرض ابتسامة:
“تتذكرين؟ ما كنا نفعله لإلقاء اللوم على الأخ؟“
ضحكت ديانا بخفة.
لم يتبقَ أحد يلاحظ النظرة الغيرة التي ألقيها إياندروس، فقد كان ماهرًا في إخفائها.
قالت ديانا بصوت مفعم بالحيوية:
“أتذكر. إذا لم توجد أدلة، نصنعها. حتى لو كانت ضعيفة، طالما خدعت الناس في الوقت المناسب، ستصبح الحقيقة فيما بعد.”
“جيد.”
هز غينيوس رأسه بفخر.
كان غينيوس وديانا غالبًا ما يشاركان في المقالب والمغامرات بينما كان لونييل أكثر جدية، وهذا ما كان يزعجهما.
عندما يحدث شيء يستحق المتابعة أو الأخذ على محمل الجد، غالبًا ما يلجأان إلى إلقاء المسؤولية على لونييل الذي كان دائمًا يتظاهر بالنضج.
تذكرا ذلك الآن.
“لكن إذا قمنا بتزييف الكثير من الأدلة، سيبدو الأمر مبتذلًا ومصطنعًا. المهم هو أن نغيّر التفاصيل قليلًا… بشكل طفيف جدًا.”
“ما الذي تفكر فيه؟“
“هم… يبدو أن هناك خللاً حديثًا في عائلة الكونت كلابدون. لنحوّله إلى فعل من أعمال برانيو. يكفي زرع شخص واحد فقط.”
ابتسمت ديانا واسترجعت ذكريات طفولتها مما جعلها تدخل الاجتماع بروح أكثر حماسًا.
“من الأفضل تعديل المعلومات عن أشخاص موجودين بالفعل بدلاً من اختلاق شخصيات جديدة. هدفنا الآن فقط خداع الأمير جايميس لإحضاره إلى هنا.”
“… هل نستطيع خداع جايميس فعلاً؟“
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
توضيح—الدوق (اب غينيوس وديانا ولونييل) لساته يحمل لقب الدوق الاكبر ، والان فقط تم ذكر لونييل لذلك شكله لونييل هو الوريث الدوق ومو غينيوس لذلك بيتحول للقب الكونت بينما كنت اترجم الكونت ل سيد الشاب لاني احسب فيه غلط وما تم ذكر ان فيه اخ ثاني وقتها.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"