حتى العائلة المالكة بعدما بلغتها الشائعات المتداولة بين الناس، آثرت ألا تُثير الموضوع مجددًا.
“يا للمصادفة… إنه ذلك اليوم بعينه.”
مرّر غينيوس يده في شعره وهو يقول:
“يبدو أن اختيار التاريخ لم يكن عفويًا بل مقصودًا. ما رأيكِ يا ديانا؟“
أغمضت ديانا عينيها قليلًا واستعادت ببطء ذكريات ذلك اليوم.
كان كلام غينيوس صحيحًا.
حين أعادت التفكير الآن، بدا كل شيء غريبًا على نحو غير طبيعي؛ وفاة كاثرين، والطريقة التي أُغلِق بها التحقيق بسرعة خاطفة.
لماذا كان لا بدّ من إنهاء الأمر بذلك الاستعجال؟
راودها شعور بأن إنقاذ كاثرين ربما كان ممكنًا.
اندفعت في صدرها بارقة أمل مفاجئة.
“حسنًا، يكفي لهذا اليوم. أظن أنكِ بحاجة إلى مزيد من الراحة. وفي المرة القادمة…”
توقف غينيوس قليلًا وهو يراقب ردّة فعلها، ثم قال:
“ما رأيكِ أن نجلس ونتحدث مع الأمير إياندروس أيضًا؟“
“…حسنًا. هل يمكننا نحن أيضًا أن نبحث عن أمور تخص كاثرين؟ ما رأيك أن نجعلها تغادر القصر مؤقتًا؟ ربما ندعوها إلى الإقطاعية…”
“فكرة يمكن التفكير فيها. فلا أحد يستطيع اختراق إقطاعية فيلادلفيا وهي محصّنة. كما يمكننا دعوة الأمير جايميس وكاثرين معًا وترتيب لقاء رسمي. بل ربما نقيم احتفال يوم التأسيس هنا.”
“كاثرين سقطت في مأدبة يوم التأسيس، ومنذ ذلك الحين لم تستفق. كل شيء حدث خلال يوم واحد فقط.”
“تقصدين مأدبة الصباح؟“
كانت مأدبة الصباح التي تجمع بين العائلة المالكة والأسر النبيلة المخلصة للمملكة إيذانًا ببدء احتفالات يوم التأسيس.
وهناك في ذلك المجلس، سقطت كاثرين.
أومأت ديانا برأسها.
“نعم.”
“إذًا من المرجح أن المشكلة حدثت هناك. لنبدأ من ذلك المكان. كما ينبغي أن نتحرى عن الأشخاص المحيطين بكاثرين.”
“صحيح. كثرة الناس تعني كثرة من يمكن رشوتهم. ربما كان بين الحضور من خانها. آه، بالمناسبة، الملكة هي من أشرفت على تنظيم الحفل. وكما تعلم، هي شديدة التدقيق، وقد اختارت الحاضرين فردًا فردًا.”
“ومع ذلك، لدينا أنتِ يا ديانا. إذا اقتربنا من الأمر خطوة خطوة، سنصل إلى الحقيقة.”
قال غينيوس ذلك بنبرة هادئة أقرب إلى نبرة الكبار في محاولة لتهدئة مخاوفها.
“لا تقلقي كثيرًا. تناولي ما تحبين، واقرئي الكتب. لا بأس أيضًا أن تعزفي على البيانو بين الحين والآخر. أنتِ تحبين العزف، أليس كذلك؟“
“همم… حسنًا.”
ترددت لحظة ثم قالت:
“شكرًا لك يا غينيوس.”
ابتسم غينيوس برفق.
* * *
لم تُتح لإياندروس فرصة دخول فيلادلفيا مجددًا إلا بعد أسبوع كامل.
فقد أرسلت ديانا تخبره بأنها تعافت وبات بإمكانها استقباله.
لسبب لا يعلمه، تسلّل إلى قلبه شعور بالترقب الممزوج بالحماسة، وفي الوقت نفسه شيء من التوتر والخوف.
شعر وكأنه يلتقي ديانا للمرة الأولى في حياته.
ويبدو أن كولين لاحظ ارتباكه أيضًا.
“سمو الأمير، ابتسم قليلًا. إن ذهبتَ بتلك الملامح، فقد تُفزِع الآنسة ديانا. أما ترى أن ما تحمله بين يديك يبدو كزهرة موت؟“
“آه…”
تأمل إياندروس باقة الزهور في يده وقلبها بين أصابعه.
لم يكن يتوقع يومًا أن يكون بهذه الدقة والاهتمام.
لكنه الآن في موقف لا يملك فيه إلا أن يبذل كل ما يستطيع ليكسب رضا ديانا ويستعيد قلبها إليه.
ومع ذلك، لم يكن معتادًا على مثل هذه الأمور.
حين سأل غينيوس عن الزهور التي تحبها ديانا، انفجر الأخير ضاحكًا، ثم سأله:
“هل أنت حقًا صادق في رغبتك؟“
أومأ إياندروس دون تردد.
كانت ديانا أول شعور صادق بالعزم والرغبة يختبره في حياته.
“قبل أن أعرف، لم أكن لأتمنى شيئًا. لكن بعدما عرفت… لا بد أن أحصل عليه. لا أريد أن أضيّعها.”
كان غينيوس يبتسم، لكن في عينيه شيء من التعقيد.
“ديانا التي أعرفها كانت فتاة تتلألأ إشراقًا. ورؤيتها على حالها الآن لا يريح قلبي. … كانت تتألق أكثر حين تُحب أحدًا. لهذا أساعدك يا سمو الأمير.”
فهم إياندروس قصده تمامًا؛ كان يتمنى أن تستعيد ديانا بريقها من خلاله، أن تلمع مرة أخرى كما كانت.
“هل أبدو لائقًا بهذا الشكل؟“
تفحّصه كولين من رأسه إلى قدميه.
“وسيم.”
“…وهذا فقط؟“
“أظن أن الآنسات سيُعجبن بك.”
“وماذا بعد؟“
“همم… ماذا تريد أن أقول؟“
“هل ستُحبني ديانا؟“
“ذلك… لستُ الآنسة ديانا، فلا أستطيع الجزم.”
هزّ كولين كتفيه بخفة.
في الآونة الأخيرة، بدا أن إياندروس قد تغيّر.
خلال الأيام القليلة الماضية، أصبح أكثر نضجًا من ذي قبل.
لا بد أن ديانا هي السبب.
لا يعلم كولين ما الذي حدث تحديدًا، لكنه آمن أن التغيير كان نحو الأفضل.
“حسنًا، انطلق إذًا. وبالتوفيق.”
“حسنًا.”
شدّ إياندروس كتفيه بثقة واستعدّ للذهاب.
* * *
كان هو من تلقّى الدعوة، لكن القرار كان قرار ديانا.
أقرت ديانا لنفسها بأن اختياراتها السابقة كانت متسرعة ومندفعة.
طوال تلك الفترة، لم يشغلها سوى الهروب من إياندروس.
لذلك طلبت فسخ الخطبة وادّعت أنها جاءت من المستقبل وألحّت على والديها بلا هوادة.
وحين لم تنجح تلك الوسائل، أقدمت حتى على خيار متطرف.
هي لا تندم، لكنها تدرك الآن أن ما فعلته لم يكن تصرفًا ناضجًا ولا صائبًا.
لذا…
‘أنا آسف يا ديانا.’
عادت إلى ذاكرتها ذكرى ذلك اليوم الذي كشف فيه إياندروس عن أكثر جوانبه ظلمة.
يوم احتضنت شتتيلا وبكت متوسلة أن تُنقَذ.
قال إن الوحيد القادر على إنقاذ ديانا وشنتيلا هو هو نفسه، ثم انحنت متضرعة ترجو النجاة.
كانت شنتيلا رضيعة آنذاك، ومع ذلك بدت وكأنها تشعر بالجو المشحون بين والديها، فأطلقت بكاءً متقطعًا.
‘أنا… آسف.’
لم يكن لديه ما يقوله سوى ذلك.
رأت ديانا الدموع تنحدر على وجهه، ورأت المستنقع الآسن الذي غرق فيه.
كان جالسًا في مكانه لكنه بدا كمن يموت ببطء.
“هووه…”
أطلقت ديانا زفرة عميقة كأنها تلتقط أنفاسها من جديد.
حين انزاحت طبقة الخوف والمشاعر المضطربة، بدأت ترى الواقع بوضوح.
فيلادلفيا والعائلة المالكة لن تتمكنا من التراجع عن هذا الزواج.
قد يبحثون عن بديل لها، لكن مع بقاء أربعة أشهر فقط، لن يكون الأمر يسيرًا.
إذًا، فالزواج على الأرجح سيمضي قدمًا.
ابتسمت ديانا بمرارة.
هذا الجزء عليها أن تتركه يمضي.
أما ما سيأتي بعده، فمسؤوليته تقع عليها وحدها.
هذه المرة، لن تتشبث بإياندروس بحماقة.
ستتركه وتمضي بشجاعة إن لزم الأمر.
“لذا لا بأس يا ديانا.”
تحسست معصمها الذي ما زال يؤلمها قليلًا، ثم لمست الجرح أسفل صدرها.
قد تندم يومًا على قرارها اليوم… لكن—
‘لقد أخطأت يا ديانا. سـ… سأتغير.’
قررت أن تمنح تلك الكلمات قدرًا من التصديق ولو قليلًا.
أومأت برأسها إيماءة خفيفة علامة على أنها باتت مستعدة.
التعليقات لهذا الفصل " 18"