✦ الفصل 16 ✦
لا تزال تلك العينان الزرقاوان الباردتان والنار المتأججة فيهما من غضبٍ وكراهية عالقتين في ذاكرته.
حتى بعدما عرف السبب الآن، لم يخفّ الألم.
إياندروس الذي يقف هنا ليس ذلك الذي تحدّثت عنه ديانا، ليس الرجل الذي رأتْه في مستقبلها.
ليس ذلك الذي جرح ديانا ثم انغمس في ألمه هو وحده.
لا… لن يدع الأمر يصل إلى ذلك.
أقسم في قرارة نفسه مراتٍ لا تُحصى: إن كان لا بد من الاختيار، فليختر موته هو على أن يؤذي ديانا.
قبض إياندروس على شعره بكلتا يديه.
كيف انتهى به الحال إلى هنا؟
كأنه كان يعيش في حكاية خرافية سعيدة، ثم سُحب فجأةً إلى قسوة الواقع دفعةً واحدة.
لم يكن مستعدًا بعد، ومع ذلك أُلقي به على عتبة البلوغ دون تمهيد.
عادت إلى ذهنه تلك العينان الصافيتان كحبات الزجاج… العينان المبتلتان اللتان كانتا تحدّقان فيه.
بدت ديانا وكأنها تكرهه، لكن الكراهية نفسها دليل على وجود شعور ما، أليس كذلك؟
أن يكون من صنع ذلك المستقبل –إياندروس– هو من دفعها إلى هذا الحد… اشتعلت في صدره غيرةٌ عارمة تجاه ذلك “الآخر” ثم ما لبثت أن خمدت.
“ما أتعسني.”
وبّخ إياندروس نفسه وجلس على الأريكة.
كانت ليلة الفيلا المترفة توشك على الأفول في هدوءٍ كسول.
غير أن المناظر الريفية الهادئة كثيرًا ما تخفي في طيّاتها صراعًا أشد ضراوة. وهو نفسه كان على وشك أن يُسحب إلى قلب ذلك الصراع.
* * *
قلّب الملك طعامه بملامح واهنة.
لم يعد قادرًا على أن يُدخل شيئًا إلى فمه براحة، وكانت صحته تتدهور ببطء.
ومع ذلك، بدا كأنه يتشبث بخيطٍ رفيع من الحياة؛ لا يسوء حاله فجأة، بل يمضي يومًا بعد يوم نحو الموت.
وُلد ضعيف البنية منذ طفولته.
ولولا أنه الابن الوحيد، لما كان ليستطيع وراثة العرش أصلًا. لذا التفّت القلعة بأسرها حوله ترفعه وتحمله فوق الرؤوس.
نشأ مدلّلًا لا يرى إلا نفسه حتى غدا من الطبيعي أن لا يشغله سواها.
معظم شؤون الحكم كان يُلقي بها على عاتق رجاله، ويعيش كما يحلو له.
ومع أنه ملك لا يكترث بإدارة الدولة، إلا أن أمرين فقط كانا يثيران اهتمامه: برانيو وفيلادلفيا.
أحيانًا يكون الكائن الأضعف والأكثر اعتلالًا أرهف إحساسًا بالخطر.
أدرك بغريزته أن برانيو قد يعكّر صفو ما تبقى له من حياة هادئة. كما أيقن أن السلاح الأقدر على صدّ ذلك الخطر لم يكن سوى فيلادلفيا.
لهذا أمر بزواج فيلادلفيا من إياندروس. ولم يكن انتقال طفلي فيلادلفيا إلى الإقليم ثم توجّه إياندروس إلى الفيلا أمرًا يخلو تمامًا من الارتباط في نظره.
كان ذلك مما أرضاه كثيرًا.
ولهذا، وفي مائدة العشاء الأسبوعية المفروضة، ذكر اسم ابنه الثاني بعد طول غياب.
“جايميس.”
“نعم، جلالتك.”
“أتعلم أن إياندروس يقيم الآن في الفيلا؟“
ارتسمت على شفتي جايميس ابتسامة رصينة نقية.
هو من يتولى شؤون الدولة نيابةً عن ملكٍ أناني لا يرى إلا نفسه، ولذلك حظي بدعمٍ واسع من الوزراء والشعب على حد سواء.
ورغم أن نشأته لم تكن سهلة، لم يظهر عليه أثرٌ لذلك.
كان بحق أميرًا جديرًا بالمحبة.
بل إنه بسعة صدره احتضن حتى الابن غير الشرعي للملك.
“بلغني ذلك. قيل إنه ذهب ليستريح قليلًا.”
“ليستريح؟ بل ليعبث كعادته.”
قاطعت الملكة الحديث تطلق انتقاداتها دون مواربة.
“أليست هذه عادته؟ لا بد أن شيئًا لم يسر كما يشتهي. كما في السابق، يكفي أن نمنحه ما يريد.”
“لا أظن ذلك يا أمي. لقد كبر إيان كثيرًا. بلغ الخامسة عشرة الآن، وهو مقبل على الزواج أيضًا.”
“فيلادلفيا…”
تمتمت الملكة باسم العائلة بوجهٍ مستاء.
“مولاي، إلى متى ستتغاضى عن وقاحة فيلادلفيا؟“
رمقها الملك بنظرة باردة.
“ولِمَ أُضطر لسماع هذا اللوم في يومٍ طيب كهذا؟ ذهب إياندروس ليؤدي واجبه. وطفلا فيلادلفيا يقيمان حاليًا في الإقليم كذلك. ثم ما شأن فيلادلفيا الآن؟“
لم يبقَ بين الزوجين حتى أثرٌ ضئيل من دفءٍ قديم.
قالت الملكة بحدة:
“لقد رفضت فيلادلفيا سابقًا خطبة جايميس، ثم قبلت بيد إياندروس. برأيك، ما السبب؟ أليس لأنهم يختارون من يناسب أهواءهم؟“
“كفى ايتها الملكة. هذه أقوال بلا دليل. هذا ليس نقدًا، بل افتراء!”
“افتراء؟!”
“كانت الآنسة ديانا صغيرة جدًا لتحمل مكانة من تجلس إلى جوار جايميس. لذلك، كان إياندروس الخيار الأنسب لهم.”
“همف.”
استمرت الأجواء مشحونة، ففكّر جليمس في نفسه:
‘لقد فسد هذا العشاء أيضًا.’
لكن، بفضل ذلك، أدرك أمرًا واحدًا على الأقل.
كان لرحيل إياندروس المفاجئ تاركًا رسالة مقتضبة فحسب سببٌ خفي.
بفضل أخيه الصغير اللطيف، أصبح هذا المجلس المملّ أقلّ مللًا بقليل.
ابتسم جايمس في سرّه.
‘يدّعي البرود وكأن الأمر لا يعنيه.’
فمن يراه يدرك بوضوح كم يهتم بأمر ديانا، لكنه إذا سُئل أنكر تمامًا.
يقول إن الأمر مجرد فضول بما أنهما على وشك إقامة حفل الزفاف لا أكثر.
ومع ذلك، انكشف اهتمامه اليوم رسميًا أمام الجميع.
أخذ جايميس يفكّر مليًا كيف سيمازح إياندروس ويسخر منه حين يلتقيه في المرة القادمة.
قال الملك محاولًا تهدئة الموقف:
“ألا يمكن أن نتجاوز الأمر بهدوء؟ إن كان إياندروس قد نال فيلادلفيا، فما الفرق عمّا ناله جايميس؟“
ردّت الملكة بحدة:
“عجيب أن يكون معيار التساهل هذا قاسيًا دائمًا على جايميس وحده. لماذا يجب أن يتأخر زواجه عن إياندروس؟“
أجاب الملك بنبرة أثقل:
“الوقت الآن يقتضي أن نظهر تماسك العائلة المالكة مع فيلادلفيا، ولو لمجرد كبح برانيو. وأنتِ تعلمين ذلك.”
لكن الملكة لم تتراجع عن رأيها.
“قدّم موعد زواج جايميس أيضًا.”
تنفّس الملك بضيق ولم يُخفِ انزعاجه:
“لا طاقة للمملكة بإقامة زواجين كبيرين دفعة واحدة. كفى عنادًا ايتها الملكة.”
تدخّل جايميس بلطف:
“أمي، لا بأس لديّ. وكاثرين كذلك لا ترى أن الزواج أمرٌ عاجل.”
صرخت الملكة بإصرار:
“غير صحيح! كاثرين في سن الزواج المناسبة تمامًا!”
ابتسم جايميس ابتسامة هادئة وقال:
“حتى لو أُجّل قليلًا، فلن تختفي كاثرين. الأهم الآن هو ترسيخ التحالف بين فيلادلفيا والعائلة المالكة. ما دامت برانيو تطمع في ليونيد باستمرار، فعلينا أن نُظهر إشارة واضحة تشكّل لهم تهديدًا. نحن وُلدنا أمراء، ومن يولد في العائلة المالكة لا بد أن يتنازل عن بعض الأمور.”
حاول إقناعها بصوته اللين.
نظرت الملكة إلى ابتسامته الخفيفة.
كثيرًا ما شعرت في ابنها بشيء من السكينة الغامضة والاتساع الذي يصعب تحديد مصدره.
تنهدت بهدوء.
أحيانًا يبدو جايميس كأنه بلا طموح، وذلك يزعجها… لكن ما إن تراه يبتسم حتى يذوب ضيقها كله.
قال جايميس بأدب:
“هل انتهى العشاء إذن؟ هل تسمح لي بالمغادرة يا أبي؟“
التقت عينا الملك بابنه.
كان جايميس هو من يتولى شؤون الحكم فعليًا بدلًا من الملك الذي تخلّى عن معظم مسؤولياته.
أومأ الملك إيماءة خفيفة، فنهض جايميس من مقعده بوقار.
رفع بريستون الذي كان ينتظره رأسه. كان
يلازمه دائمًا كأنه ظله.
اقترب منه جايميس وكأنه كان يتوقع وجوده.
سأله بريستون:
“عمّ دار الحديث؟“
اكتفى جايميس بهز كتفيه بدل الإجابة.
ثم قال:
“على ذكر ذلك… هل صحيح أن إياندروس حرّك كولين؟“
“نعم يا سمو الأمير. يبدو أن الأمير الثاني يحاول الوصول إلى معلومات تتعلق ببرانيو. هل نترك الأمر كما هو؟“
ابتسم جايميس قليلًا:
“بريستون، أنت كثير القلق. حتى أمي كذلك.”
ردّ بريستون بصراحة:
“سموها ليس القلق، بل الطموح.”
ضحك جايميس بخفة:
“ما أصدقك. دع إياندروس يفعل ما يشاء. إنه فتى طيب، ولن يقدم على أمر يضرّ ليونيد.”
“كما تأمر يا سمو الأمير.”
تابع جايميس سيره بخطوات واثقة.
لم يسبق له أن تخيّل حياة لا يكون فيها ملكًا.
كان يؤمن إيمانًا راسخًا بأنه سيعتلي العرش، ولم يعرف التردد في طريقه يومًا. ولم يخطر بباله قط أن يكون أخوه تهديدًا له.
ليس فقط لطبيعة إياندروس نفسها، بل لأنه كان واثقًا أن الملك في هذا الجيل لا يمكن أن يكون إلا هو.
ثم أضاف بعد لحظة تفكير:
“… بل ربما من الجيد أن نساعد إياندروس.”
نظر إليه بريستون بدهشة:
“نساعد الأمير الثاني؟“
“ساعده ليصل إلى معلومات برانيو. ليفهم لماذا نحتاج إلى التحالف العاجل مع فيلادلفيا، وماذا ينتظرون منا بالمقابل. من المفيد أيضًا أن يرى نقاط ضعف ليونيد بنفسه. أليس قد كبر الآن؟“
“نعم يا سمو الأمير.”
توقّف جايميس لحظة وألقى نظره نحو الأفق الممتد خلف أروقة القصر.
برانيو.
ثم ضعف القوة الدفاعية لليونيد.
تعزيز قدرات الجيش الملكي ليس أمرًا يُنجز في يومٍ أو عام؛ بل يحتاج إلى عقدٍ كامل على الأقل.
ولهذا تحتاج العائلة المالكة إلى فيلادلفيا.
فهي العائلة الوحيدة المخوّلة بامتلاك جيشٍ خاص، وقد بنت قوتها العسكرية على مدى طويل باستقلالية.
ومع اقتراب زواج فيلادلفيا من العائلة المالكة، سيجري استيعاب جزء من تقنيات أسلحتهم وقواتهم ضمن الجيش الملكي.
هذا هو الهدف الحقيقي الذي تتطلع إليه المملكة: تقوية دفاعاتها عبر فيلادلفيا.
السلاح الجديد الذي طوّرته فيلادلفيا أثار أطماع برانيو وغيرها من الدول.
وبرغم تراجع قوة ليونيد الدفاعية عامًا بعد عام، لم يجرؤ أحد على التعدي عليها بفضل فيلادلفيا وحدها.
لهذا كان ذلك الزواج محسوبًا بدقة… اتحاد فيلادلفيا بالعائلة المالكة لم يكن عاطفة، بل ضرورة سياسية.
هل سيتمكن إياندروس من استيعاب كل ذلك؟
لمعت عينا جايميس ببريقٍ حاد.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"