✦ الفصل 15 ✦
* * *
كانت ديانا تتخبّط داخل حلمٍ لا يشبه الأحلام.
حلمٌ حيّ إلى درجة يصعب معها التمييز بينه وبين الواقع.
وجدت نفسها واقفةً في قلب ذلك اليوم، يوم الموت.
رفعت رأسها نحو المقصلة من بين الجموع.
كان وجه شنتيلا شاحبًا كأن الحياة انسحبت منه.
لم يتجاوز عمر شنتيلا العاشرة.
طفلةٌ في مثل هذا العمر، تقف فوق منصة الإعدام…
كم لا بد أن يكون ذلك مرعبًا.
عضّت ديانا شفتيها بقوة.
إن لم تستطع إنقاذها، فهي على الأقل تمنت لو تقف إلى جوارها تواجه الموت معها.
أرادت أن تضمّها، وأن تهمس في أذنها بأن كل شيء سيكون بخير وبأن الأمر لن يؤلم.
لكن ديانا، في هذا المشهد، لم يكن مسموحًا لها بأي شيء.
“أحضروا المذنبة!”
اقتيدت الطفلة الصغيرة وجسدها يرتجف ارتجافًا واضحًا.
اشتاقت ديانا إلى اليوم الذي كانت تمشّط فيه شعر شنتيلا بعناية وتربط له شريطًا جميلًا.
اشتاقت إلى الأيام التي كانت الطفلة تستلقي فيها على ركبتيها مدللة فتوبخها مازحة.
اشتاقت إلى اللحظة التي مسحت فيها على خديها المتوردين وهمست: “تيلا… يا شعلتي الصغيرة.”
“شيتيلا…”
تمتمت ديانا باسمها.
كان الاسم يدور بين شفتيها كشرارةٍ رقيقة وجميلة حدّ إيلام العينين.
سالت دمعة على خدّها.
في هذه اللحظة… أين كان إياندروس؟
الحقوق والواجبات… والسلطة.
أين هو، وهو يشاهد كل ذلك يُسلَب ويُداس بعدما سلّم كل شيء للنبلاء؟
الشخص الوحيد القادر على إنقاذ شنتيلا من هناك هو إياندروس.
فأين هو؟ ماذا يفعل؟
فتحت ديانا عينيها على اتساعهما وكأنها توشك أن تتقيأ دمًا من شدّة الغضب.
لن تنسى.
لن تنسى موت تلك الطفلة، موتًا ظالمًا لم يمدّ أحدٌ له يد العون.
ستنقشه في قلبها.
كان الميدان غارقًا في صمتٍ ثقيل.
“أي ذنبٍ ارتكبته سمو الأميرة…؟“
“هذا ما أقوله! إنها في العاشرة فقط!”
“ماذا يمكن لطفلةٍ أن تفعل… المشكلة في هذا البلد. سمعت أن مملكة برانيو طالبت هذه المرة بعشرة آلاف حصانٍ حربي!”
“يا إلهي… هل يريدون أن يخنقونا حتى الموت؟“
برانيو.
تلك اللعينة برانيو!
تطاير الشرر في عيني ديانا.
كانت برانيو تسعى إلى أن تنهض إمبراطورية، مستخدمةً ليونيد قربانًا لها. [ قصدها انو تبلع مملكة ليونيد عشان تصير من مملكة بسيطة الى إمبراطورية عظمى ]
ومن المؤكد أنهم يقفون خلف تدبير موت شنتيلا أيضًا! أليس هذا أسلوب برانيو؟ تجفيف دماء العائلة المالكة حتى آخر قطرة!
لكن إياندروس كان يحمّل نفسه كل السهام، وينجرف في التيار العنيف دون مقاومة.
في تلك اللحظة، رفعت شنتيلا رأسها.
ظنّت ديانا أنها سترى الخوف في عينيها.
لكن عيني الطفلة كانتا واضحتين، حازمتين، ممتلئتين بصفاءٍ لا يليق بعمرها.
التقت عينا ديانا بعينيها.
تحركت شفتا الطفلة ببطء.
‘اهربي يا أمي….’
* * *
“هاه… هاه! هاه!”
انتفضت ديانا جالسةً كزنبركٍ انطلق فجأة وأسندت جسدها المرتجف إلى السرير.
“شـ… شنتيلا…”
كان جسدها يرتعش كأغصان شجرةٍ في عاصفة.
ذلك اليوم الحيّ كأنه حدث قبل لحظات اقتحم حلمها وعذّبها من جديد.
شحب لون شفتيها وتكوّنت قطراتٌ رطبة على أهدابها الطويلة كندىٍ عالقٍ بخيوط الدانتيل.
ثم انهمرت.
شعرت وكأن قلبها يُعصر بقبضةٍ خفية.
حتى الألم النابض في معصمها لم تعد تشعر به.
“هل تحذرينني…؟“
سألت ديانا في غرفةٍ لا يسمعها فيها أحد.
بدا لها وكأن شنتيلا تلقي إليها تحذيرًا لأنها لم تستطع بعد أن تقطع كل ما يربطها بالماضي.
“أما زلتِ غير قادرة على السلام؟“
إحساس الذنب لأنها لم تستطع حتى أن ترتب نهاية شنتيلا الأخيرة أخذ يطبق على عنقها.
ذكريات الماضي اندفعت تخنقها بلا رحمة.
لو استطاعت أن تعانق تلك الطفلة مرةً واحدة فقط، لألقت بنفسها في الجحيم بلا تردد.
كان أسهل عليها أن تنهي حياتها من أن تعيد شنتيلا إلى تلك اللحظة مرةً أخرى.
كانت تائهة وعاجزة عن إيجاد طريق.
الحنين والألم اللذان يسكنان قلبها تجاه شنتيلا لا يمكن أن يغطّيهما شيء.
ولا حتى إياندروس.
‘إن لم أكن أعرف، فبإمكانكِ أن تعلّمينني!’
اضطربت معدتها.
توسّل إياندروس العالق في ذاكرتها تشبّث بكاحلها.
يا لكِ من حمقاء يا ديانا.
يا لكِ من ساذجة يا ديانا فيلادلفيا!
كل الإجابات واضحة أمامها.
ومع ذلك، إن كانت عاجزة حتى عن إلغاء هذا الزواج، فماذا بوسعها أن تفعل؟ لا شيء سوى أن تتخبّط محاولةً الفرار من قدرٍ محتوم.
‘إذن… دعني وشأني يا إيان.’
بجهدٍ بالغ، محت ديانا من أمام عينيها ذلك البريق المتوسل الذي ظلّ يلاحقها.
* * *
عاد إياندروس إلى الفيلا وراح يمرر يده في شعره بعنف.
كل ما سمعه كان يشير إليه هو تحديدًا.
كل شيء بدأ منه.
لأنه كان أحمق ولأنه تهرّب من المسؤولية وألقاها على الآخرين.
خمسة أعوام فقط.
وبعد خمسة أعوام، سيكون هو ذاته مصدر خيبةٍ عميقة.
إن أصبح ذلك الرجل، فليس غريبًا أن يفقد حتى ما يملكه.
بل إن الغريب حقًا هو أن يبقى أحد إلى جانبه.
كما قالت ديانا، بسبب إياندروس خسرت كل شيء.
تنفّس إياندروس بصوتٍ مثقل.
“كولين.”
“نعم سمو الأمير.”
“هل رُصدت مؤخرًا أي تحركات مريبة من برانيو؟“
“لا علم لي بذلك. منذ الاشتباك الذي وقع قبل ثلاث سنوات ونحن في حالة توتر مستمر معهم.”
قبل ثلاث سنوات… في ذلك الحين أيضًا كانت فيلادلفيا هي من تقدمت الصفوف.
خرجوا إلى الجبهة، قاتلوا، وعادوا بأمجادٍ جديدة.
ومنذ ذلك الوقت بدأ الحديث عن هذا الزواج.
كان الهدف أن تتكاتف العائلة المالكة مع فيلادلفيا لاحتواء برانيو، فضلًا عن كبح جماح مثيري الفتن في الداخل.
“قد تُقدم برانيو قريبًا على تحركٍ مشبوه. هل يمكننا زرع شخصٍ هناك؟“
نظر كولين إلى الأمير الصغير بدهشة.
صحيح أن بعض أبناء العائلة المالكة وكبار النبلاء يُظهرون نبوغًا مبكرًا، لكن إياندروس الذي يخدمه لم يكن من هذا النوع. بل كان يميل إلى إخفاء قدراته، تجنبًا لجذب انتباه الملك والملكة.
لكنّه الآن بدأ يتحرك بنفسه.
“يمكن ذلك… شراء المعلومات ليس بالأمر الصعب. وهناك جهات تراقب برانيو بالفعل. ولكن…”
“نعم، تلك الـ“ولكن” هي المشكلة.”
راح إياندروس يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا.
إن لم يُحلّ ملف برانيو، فسيخسر ديانا لا محالة.
فالأمر لم يكن مجرد مأساةٍ تخصّهما وحدهما؛ بل كانت مملكة ليونيد نفسها مهددة بالانزلاق إلى أتونٍ مشتعل.
“… هل سيستجيب لي أخي إن طلبت مساعدته؟“
كان لا بد من حماية كاثرين كلايدون، وفي الوقت ذاته مراقبتها.
فهي خطيبة جايميس بالفعل، وأي اقترابٍ غير محسوب قد يُثير سوء فهمٍ خطير.
ربما كان من الأفضل أن يطلب العون من جايميس مباشرة.
جايميس ليس كالملك اللامبالي، ولا كالملكة الغارقة في أنانيتها ولا ترى سوى أبنائها.
جايميس، على الأقل، سيصغي.
وإن كان الأمر يصبّ في مصلحة البلاد، فلن يتردد في المساعدة.
لكن جايميس نفسه خاضع لمراقبةٍ أشدّ من إياندروس. وتحريكه يتطلب مبررًا مقنعًا.
“ما الذي يحدث بالضبط يا سمو الأمير؟ ألم تعود لتوك من أراضي فيلادلفيا؟“
“بلى.”
“إذن لماذا هذا الكلام…؟ هل قال السيد الشاب شيئًا بخصوص برانيو؟“
“قد أكون متسرعًا… لكن أشعر أن برانيو قد تلجأ إلى حيلةٍ دنيئة. علينا أن نتحرك بهدوء دون أن يشعر أحد، إلى أن نحصل على دليلٍ واضح.”
“… سأحاول أن أبحث من جانبي أيضًا دون التعمق بشكلٍ يثير الشبهات.”
“علينا أن نفعل كل ما نستطيع.”
أومأ إياندروس.
مهما كان الثمن، فذلك أفضل من الوقوف مكتوف اليدين وخسارة ديانا.
تذكر طلب غينيوس الثقيل: ألا يقترب حتى تستقر حالتها.
شعر وكأن قلبه مثقوب برمح.
كان يظن أن يديهما متشابكتان بسلام، لكن الآن بدا وكأن ديانا قد أفلتت منه تمامًا.
زفر ببطء.
لكن مهما كان الألم، لا يمكنه رفض الطلب.
إن أقدمت ديانا مرةً أخرى على فعلٍ كهذا… قد ينجح في إنقاذها مرة، لكن إن فشل في المرة الثانية؟ وحتى إن أنقذها، إن تسرب الأمر إلى الآخرين، فسيكون مستقبلها على المحك.
“سأبقى في الفيلا لبعض الوقت.”
“وماذا ستفعل؟“
“سأذهب للصيد مثلًا.”
“عفوًا؟“
“وسأقرأ بعض الكتب.”
حكّ إياندروس خده بخفة.
لم يكن يريد الابتعاد عن هذا المكان القريب من ديانا.
وما إن يخبره غينيوس أن الوضع تحسن قليلًا، حتى يركض إليها فورًا.
‘يا لها من مفارقة.’
لم يكن يدرك أن مشاعره بلغت هذا الحد من الإلحاح، لكنها الآن تثور بثقلٍ أعظم مما تخيل.
رفع نظره نحو الاتجاه الذي تقع فيه أراضي فيلادلفيا حيث تقيم ديانا.
كان غينيوس قد قال “لا أظن أن المشكلة ستُحلّ بمجرد عدم إتمام زواج ديانا وسمو الأمير. برانيو ستجد وسيلةً ما على أي حال، والعائلة المالكة وفيلادلفيا هدفان مغريان بما يكفي.”
وكان إياندروس يشاركه الرأي.
إن لم يُكبح طموح برانيو الآن، فسينفجر لاحقًا في شكلٍ آخر.
من الأفضل أن يُقمع هذه المرة.
شعر بالغثيان وكأن ذهنه يغرق في ضبابٍ ثقيل.
وإن نجح في حلّ أزمة برانيو، ثم عجز رغم ذلك عن استعادة ديانا؟ وإن أصرت رغم كل شيء على أنها لا تستطيع مسامحته؟
فماذا يفعل حينها؟
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 15"