✦ الفصل 14 ✦
“أنا…يا غينيوس، أنا… لم أعد أستطيع أن أتحمّل عنه تعاسته بعد الآن. لم أعد قادرة ولا أريد أن أخسر من أحبّهم بسبب إياندروس.”
قالت ديانا ذلك وهي ترتجف.
كان يوم سقوط عائلة فيلادلفيا ما يزال محفورًا في ذاكرتها بوضوحٍ موجع.
كان يومًا بدت فيه السماء أعلى من المعتاد على نحوٍ غريب.
لم تنسَ ديانا من ذلك اليوم شيئًا ولا تفصيلًا واحدًا.
رُبط عنق غينيوس إلى منصة الإعدام، وسقط رأس أمّها إلى الأرض.
ارتجف قلبها ببرودةٍ قاسية.
تلك القصة وحدها لم تستطع البوح بها.
كانت تخشى حتى أن تنطق بها بصوتٍ مسموع.
وكأنها تريد أن تتأكد بعينيها، نزلت ديانا على عجلٍ من السرير وجثت أمام غينيوس قابضةً على يديه.
كاد جسدها يترنّح، فسارع غينيوس إلى إسنادها وجعلها تستند إليه.
“ديانا! توقفي عن الكلام. لا داعي لأن تكملي.”
استندت ديانا إلى ذراعه وهي تشعر بحرارة جسده.
كان غينيوس حيًا سليمًا أمامها.
قلبه يضخ الدم الدافئ بقوة، أنفاسه منتظمة، وعيناه الجميلتان مليئتان بالحياة.
مرّرت ديانا لسانها فوق شفتيها اليابستين.
‘إنه حي. إنه حي فعلًا.’
لم يمت بعد.
لم يمت أحد.
جميع أفراد فيلادلفيا ما زالوا على قيد الحياة.
وما يزال أمام ديانا وقت يمكنها فيه تغيير ما حدث.
المؤلم أنها في جسد فتاةٍ لم تتجاوز الخامسة عشرة، لا تملك من الوسائل إلا هذا العناد الطفولي.
أن تجرح معصمها… لتفزع من تحبّهم.
لم يكن قلبها مرتاحًا وهي ترى ملامح غينيوس المتصلّبة.
حين لاحظ غينيوس أن الضماد الملفوف حول معصمها بدأ يحمَرّ مجددًا، شحب وجهه وحملها بين ذراعيه فورًا.
وضعها على السرير وقال بصوتٍ يختلط فيه القلق بالتنهيدة:
“يجب أن نرى الطبيب أولًا. بعد أن تتناولي الدواء الذي يحتوي على مهدّئ ستشعرين بتحسّن.”
مسح غينيوس برفقٍ على جبينها.
كانت يده تمسح عرقها البارد المتكوّن قطراتٍ صغيرة بلمسةٍ حانية.
“غينيوس…”
نادته ديانا بصوتٍ متهدّج بالبكاء.
“لا بأس يا ديانا. الجميع أحياء وبخير. هذا هو واقعك الآن. المستقبل لم يحدث بعد.”
تعمّد غينيوس أن يجعل صوته أكثر لينًا ما استطاع.
قد لا تكفي كلماته لتمحو ألمها بالكامل، لكنه كان يأمل أن تمنحها بعض القوة.
المشاعر العميقة التي انعكست في عينيه الزرقاوين كانت دليلًا على أنه لا يشكّ في صدق ما روته.
انحنى غينيوس وقبّل جبينها بخفّة.
“ستتحسنين. بالتأكيد ستتحسنين.”
“… نعم.”
هزّت ديانا رأسها بخفوت.
“من الأفضل أن تنامي قليلًا الآن يا ديانا.”
أشار غينيوس بعينيه إلى جيسي.
سارعت جيسي إلى إشعال شمعةٍ عطرية كانت قد وجدتْها بعد تفتيش المخزن بأكمله؛ شمعة يُقال إنها تساعد على النوم.
ثم قدّمت لديانا الدواء الذي كان الطبيب قد وصفه مسبقًا مع كوبٍ من الماء الدافئ.
“عندما يصل الطبيب سيفحص معصمك. إن نمتِ، فكل شيء سيمرّ… كما لو كان مجرد كابوس.”
“… حسنًا.”
ابتلعت ديانا دموعها التي كانت توشك على الانهمار، وغرست جسدها في السرير.
أخرج غينيوس معصمها المصاب بحذرٍ من تحت الغطاء.
“غينيوس، أنا آسفة…”
لم يفُتْه صوتها الهامس الخافت.
لم يكن قادرًا على فهم يأسها بالكامل، ولا السبب الذي دفعها إلى هذا الخيار. لكنه قرر أن يصدقها من الآن فصاعدًا، وجدد عزمه على أن يبقى مؤمنًا بها مهما حدث.
لم تكن ديانا ترفض الزواج بدافع نزوة طفولية عابرة.
بقي غينيوس إلى جانبها حتى عادت إلى النوم.
راقب أنفاسها التي أخذت تنتظم تدريجيًا فيما ازداد عمق نظراته.
‘مملكة برانيو…’
لقد تقاتلوا معهم طويلًا عبر السنين، والسيوف كانت دومًا تتقاطع بينهم. وكانت فيلادلفيا على وجه الخصوص تقف دائمًا في الصفوف الأمامية لمواجهتهم.
أن تمدّ برانيو يدها إلى ليونيد بحجة تسوية الضغائن… أمرٌ يصعب تصديقه.
ربما كانت هناك تفاصيل أُغفلت، أو أمور لم تكن ديانا على علمٍ بها.
بدت ديانا وكأنها تعتقد أن كل شيء سيكون على ما يرام إن استطاعت فقط إخراج فيلادلفيا من ذلك المصير. وربما لأنها لم تتحرر بعد من ظلال المستقبل، فإن مجرد استعادة ذكريات تلك الأيام كان أمرًا يفوق احتمالها.
ومع ذلك…
‘لماذا أشعر أن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد؟‘
عضّ غينيوس على شفتيه بقلق.
بما أن الأمير إياندروس أعلن أنه سيحضر، فربما من الأفضل أن يتشاورا معه.
فهو فردٌ من العائلة المالك وقد يكون قادرًا على الوصول إلى معلوماتٍ لا تتاح لغيره.
وحين غرقت ديانا في نومٍ عميق، أسدلت جيسي الستائر.
وبعدها بقليل وصل الطبيب متأخرًا.
“… افحص جراح ديانا.”
نهض غينيوس من مكانه.
“نعم، سيدي الشاب.”
راقب غينيوس الطبيب وهو يعيد خياطة الجرح الذي انفتح مجددًا فابتلع تنهيدة ثقيلة.
كان الجرح قبيحًا كأنه قطعة قماشٍ رُقّعت على عجل واستقرّ منظره في صدره بثقلٍ خانق.
“… هل سيبقى أثرٌ ندبة؟“
“على الأرجح… أعتذر.”
“لا داعي للاعتذار.”
هزّ غينيوس رأسه.
على الأقل، هذا الجرح وحده كافٍ كي لا يتجاهل كلمات ديانا.
شعر بثقلٍ يضغط على صدره كصخرةٍ هائلة.
إن كانت كلماتها صادقة، فربما كان في عودتها إلى الماضي رسالة إلهية للفرار من تلك المأساة.
ظلّ صامتًا طوال فحص الطبيب للجرح، ثم قال:
“صف لها دواءً يساعدها على النوم.”
“عفوًا؟“
“… هذه الطفلة تحتاج إلى الاستقرار الآن. علينا أن نمنح الجرح وقتًا ليلتئم، أليس كذلك؟“
“آه… نعم، مفهوم.”
أومأ الطبيب موافقًا.
قبل التفكير في حلّ المشكلة، كان لا بدّ من الراحة أولًا.
إن أكلت جيدًا لبضعة أيام، ونامت بعمقٍ بمساعدة الدواء، فقد تستعيد شيئًا من صفائها.
وقبل أن يغادر غرفة النوم مع الطبيب، انحنى غينيوس وقبّل جبينها المستقيم مرةً أخرى.
“جيسي. لا تتركي ديانا وحدها أبدًا.”
“نعم، سيدي الشاب.”
لن يتركها ترتجف من الخوف وحدها بعد الآن.
* * *
وكما طلب عينيوس، وصف الطبيب لها منوّمًا منعًا لانفتاح جرحها مجددًا بسبب اضطراب مشاعرها.
تأكد غينيوس من أنها غرقت في نومٍ عميق، ثم أغلق باب الغرفة برفق.
كان قد أسندها إلى السرير قبل لحظات بعدما أخذت تغفو كفرخٍ مريض فور انتهائها من الطعام.
“آه، سمو الأمير، لقد وصلت.”
“غينيوس. كيف حال ديانا؟“
سأل إياندروس بوجهٍ بدا أكثر هزالًا خلال الأيام القليلة الماضية.
ما إن وصل إلى المقرّ حتى توجّه إلى هنا دون أن يستريح.
كان كولين الذي جُرّ معه فجأة يصرخ متسائلًا إلى أين يذهب، لكن إياندروس لم يتردد لحظة.
طوال الطريق من الإسطبل إلى هنا، كان يركض على صهوة جواده وهو عاجز عن طرد فكرة أنه قد يفقد ديانا.
كأنها قد تختفي فجأة، كما لو أنها لم تكن موجودة أصلًا.
ولم يستطع أن يهدأ إلا بعدما قاده الخدم إلى غينيوس ورأى تعبير وجهه.
“… إنها بخير. نامت لتوّها. على أي حال، يا صاحب السمو، لديّ أمرٌ مهم أودّ مناقشته.”
كان وجه غينيوس هادئًا، بل بدا جادًا كأنه يعلن حكمًا بالإعدام.
والظلام الذي استقرّ في الممرّ أثار شعورًا مبهمًا بالخوف.
قاد غينيوس إياندروس إلى مكتبٍ فارغ.
لا مكان أشدّ إحكامًا من مكتب تُناقش فيه شؤون العائلة الكبرى. وذلك وحده كافٍ ليدلّ على أن الحديث المقبل ليس عابرًا.
ما إن جلس إياندروس حتى بادره غينيوس بالسؤال:
“إلى أي مدى تثق بديانا يا سمو الأمير؟“
“أعتقد أن معظم ما تقوله ديانا هو الحقيقة. … إنها شخصٌ صريح للغاية. ليست ممن يتشبثون بأوهامٍ أو يطلقون كلامًا عبثيًا.”
ارتسمت على شفتي غينيوس ابتسامة خفيفة.
مهما كان أحدهما دوق شاب والآخر أميرًا، فإن غينيوس في العشرين من عمره، وإياندروس في الخامسة عشرة.
قوتان ضئيلتان.
لكن حتى القوة الصغيرة قد تشتدّ إذا اجتمعت.
“حالة ديانا النفسية غير مستقرة جدًا الآن. لا أقول هذا لأنني أشكّ في كلامها. لكنّها بحاجةٍ إلى بعض الراحة.”
“… أعلم.”
تنفّس غينيوس بعمق ثم روى لإياندروس ما سمعه من ديانا.
وخلال الاستماع، بدا على إياندروس الذهول تارة، والحزن تارة أخرى، ولم يستطع أن يخفي مرارةً تسللت إلى ملامحه.
“…… إذن جايميس سيموت. بدلًا عني.”
كان أمرًا يصعب استيعابه.
جايميس هو الشخص الوحيد الذي منحه عزاءً حقيقيًا.
فالملكة تكرهه، والملك لا يبالي به.
وفي وسط ذلك، كان جايميس الوحيد الذي قبله كعائلةٍ دون تردد.
لم يفصل بينهما سوى خمس سنوات، ومع ذلك كان يتصرف أحيانًا كأنه رجلٌ ناضج تمامًا.
‘سأتركها لك يا إياندروس. فالتأكُلها أنت.’
كان يتنازل له حتى عن قطعة كعكٍ صغيرة.
‘هل تدرس جيدًا؟ إن أردت أن تعينني عندما تكبر فعليك أن تجتهد يا إيان. متى ستصبح رجلًا إن استمريت هكذا؟‘
كان يوبخه بأمورٍ لا يجرؤ أحدٌ على قولها له.
‘هل تناولت طعامك؟ إلى أين تتسكع في هذا الوقت المتأخر!’
كان يقلق عليه بصدق.
وإن كان جايميس سيموت بعد بضع سنوات فقط… شعر إياندروس بغثيانٍ يجتاحه فعضّ شفتيه بقوة.
“لن يصدق أحد هذه القصة. نظرة الكبار أضيق وأقصر من نظرتنا. على الأرجح لن يصغوا إلينا أصلًا.”
أومأ غينيوس موافقًا.
“إذن لنبدأ بالأمر الأول. الآنسة كاثرين كلايدون التي يُفترض أن تموت هذا العام بسبب المرض.”
رفع إياندروس رأسه وقد بدا أكثر تركيزًا.
“هل يمكننا أن نهزم المرض؟“
“لا يا غينيوس. أصلًا، فكرة أن الآنسة كاثرين ستموت مرضًا أمرٌ مريب. جلالتها الملكة أخذت في الاعتبار كل شيء حين اختارتها شريكةً لجايميس: أخلاقها، ذكاءها، عائلتها، وحتى صحتها. فأن تموت شابةً بمرضٍ مفاجئ… أمر غير منطقي.”
“… سأتقصّى الأمر بنفسي. عائلة كلايدون على علاقة ودّية معنا. كما أن شقيقها الأصغر ينتمي إلى نادي الفروسية نفسه الذي أنتمي إليه.”
“حسنًا. سأحاول أنا أيضًا الاقتراب منهم قدر الإمكان.”
نهض الاثنان وتصافحا.
ومن دون أن تعلم ديانا، كان التغيير قد بدأ يتحرك بالفعل.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"