✦ الفصل 13 ✦
* * *
تسارعت خطوات إياندروس.
دوّى وقع أقدامه وهو يصعد الدرج ركضًا، فملأ الصوت أرجاء قصر الأمير الساكن.
ذلك القصر الذي يبدو كاملًا من الخارج فقط، كان يخنقه من الداخل وكأن جدرانه تطبق على عنقه.
“رئيس الخدم!”
“نعم يا صاحب السمو، هل استدعيتني؟“
“جهّزوا أمتعتي. سأمضي شهرًا في القصر الصيفي مع كولين ابتداءً من الغد.”
“حاضر، كما تأمر.”
انحنى رئيس الخدم بعمق وهو يرى إياندروس ينزع سترته العسكرية ويلقيها على الأرض بلا مبالاة.
لم يكن تصرّف الأمير الثاني بغرابة أمرًا جديدًا عليه.
“هل أبلغ جلالة الملك بالأمر؟“
“افعل.”
أومأ إياندروس بفتور.
فالملك الذي لا يكترث بأحد على نحوٍ متساوٍ، لن يهتم إن غادر فجأة ثم عاد كما يفعل دائمًا.
وبينما كان يجمع بعض أغراضه، رفع رأسه فجأة.
“… يجب أن أُبلغ والدتي أيضًا.”
“سأفعل ذلك.”
أطلق زفرة طويلة.
لم يكن يريد أن يخسر ديانا.
والمفارقة أنه لم يدرك حقيقة مشاعره إلا حين صار على وشك فقدانها.
كان يحبها.
أخذ نفسًا عميقًا وراح يدسّ حاجياته على عجل في الحقيبة التي أحضرها له رئيس الخدم.
لن يعود قبل أن يحسم الأمر معها.
‘… هل سأستطيع الإمساك بها؟‘
اهتزّت عيناه كقاربٍ يضربه الموج.
* * *
ما إن فتحت ديانا عينيها حتى تسلل أنين خافت من بين شفتيها.
كان الألم النابض في معصمها يذكّرها بأن كل ما حدث لم يكن حلمًا.
“… لقد وصلنا إلى الإقطاعية.”
كل ما بدا كأنه وهم كان حقيقة.
لقد جرحت معصمها.
تحدثت مع إياندروس.
بكى أمامها، لكنها أدارت وجهها عنه.
ثم أغمي عليها مجددًا، وغينيس هو من حملها إلى هنا… تتذكر الأمر بضبابية.
“آنستي!”
ما إن اعتدلت في جلستها حتى هرعت جيسي إليها ووجهها ممتلئ بالقلق وعيناها تلمعان بالدموع.
“هل أنتِ بخير الآن؟“
“نعم، أنا بخير.”
“أتدرين كم أفزعتِني؟! لقد نزفتِ كثيرًا، ثم أغمي عليكِ مرة أخرى… ظننتُ أن قلبي سيتوقف!”
انفجرت جيسي بالبكاء وهي تثرثر.
ضحكت ديانا بخفة.
“جيسي…”
تراجعت قليلًا عنها.
رغم كل شيء، كان خروجها من العاصمة إلى هنا يمنحها شيئًا من السكينة كأنها ابتعدت خطوة عن الموت.
“يجب أن أُخبر سعادة الدوق الشاب. وسأستدعي الطبيب أيضًا. تستطيعين البقاء وحدكِ قليلًا، أليس كذلك؟“
بدت جيسي مترددة.
“ألن… تفعلي شيئًا…؟“
“لن أفعل.”
ولم يكن بإمكانها ذلك أصلًا.
الغرفة نُظّفت بالكامل.
لا أثر لأي أداة حادة.
من المقصّ إلى مقصّ الأظافر حتى سكين الرسائل اختفى.
من الواضح أنهم أزالوا كل شيء.
“اذهبي مطمئنة يا جيسي.”
ولم تغادر إلا بعد أن التفتت خلفها مرات عدة.
راحت ديانا تمرر أصابعها فوق معصمها الذي ما زال يؤلمها.
مع ذلك… كان الأمر يستحق المحاولة.
فقد أدرك إياندروس أخيرًا صدقها وبدأ غينيس يصدق كلماتها السابقة.
وها هي قد جاءت إلى الإقطاعية.
ربما، خلال هذا البعد، يقرر إياندروس التخلي عنها.
… كانت تظن أنه يكرهها منذ زمن.
أكان مخطئًا ظنّها؟
مرّ وجهه وهو يقول “أحبكِ” في ذهنها فعضّت شفتها.
وإن لم يكن هذا كافيًا، فستجرب حيلة أخرى.
ستدّعي أنها أحبت شخصًا آخر أثناء إقامتها هنا.
إياندروس… أمير مدلّل كزهرة تُربّى في الدفء.
متعجرف، شديد الكبرياء.
لن يحتمل أن تقول إنها تحب رجلًا غيره.
بينما كانت تفكر في الاحتمالات، أسندت ظهرها إلى الوسادة.
لقد فقدت دمًا كثيرًا وتشعر بالدوار والإرهاق.
وتوقعت سلفًا محاضرات غينيس.
لم يمض وقت طويل حتى اقتربت أصوات مرتفعة.
“قلتُ لا تتركيها وحدها!”
“لكن يا سيدي…”
دخل غينيس الغرفة بعد أن وبّخ جيسي بضيق.
“لا تفرغ غضبكِ على جيسي يا غينيس.”
“… ديانا.”
اقترب بخطوات سريعة وجلس إلى جوارها وجذب الكرسي قريبًا وهو يتفحص وجهها بعناية.
“هذا مطمئن… تبدين أفضل.”
ارتخت كتفاه بعد أن تأكد من عودة بعض اللون إلى وجهها.
فمنذ وصولهم، لم يجلس لحظة، منشغلًا بترتيب إقامتها واستدعاء الطبيب وقلبه مع ذلك لم يهدأ.
كان يخشى أن تفعل شيئًا متهورًا في غيابه… أو أن يفقدها إلى الأبد.
كيف نسي أنها منذ صغرها عنيدة؟ إذا عقدت العزم على شيء، فلن يثنيها أحد.
تنهد واستند إلى الكرسي.
“… لم أخبر والدينا. لا أريد أن أرى أختي تُزجّ في مصحٍّ للأمراض العقلية.”
“ربما لن يرسِلاني.”
“أتظنين ذلك حقًا؟ أبونا يفضّل التضحية بسمعته على أن يخسرك.”
قالها بنبرة واثقة.
فالجميع يعلم أن دوق فيلادلفيا رغم بروده الظاهر يعشق ابنته. ولهذا تتمسك العائلة المالكة بزواجها.
للحصول على قوة فيلادلفيا العسكرية.
أومأت ديانا ببطء.
“أنت تشبه أبي كثيرًا يا غينيس.”
ابتسم بخفة.
“ومن يشبه الابن إن لم يشبه أباه؟ والآن يا ديانا. أخبريني بالتفصيل… لماذا اضطررتِ إلى هذا؟ لا أريد كلامًا عامًا. أريد الحقيقة كاملة. لا بد أن هناك سببًا جعلكِ تجرحين معصمكِ بهذا الشكل. ورفض الزواج فجأة… وارتداء الأسود دائمًا… كل هذا ليس طبيعيًا.”
أطبقت ديانا شفتيها بإحكام، والتزمت الصمت.
كانت تفكر في شنتيلا والطفل الذي لم يُسمَّ بعد، وإياندروس…
وفي الوقت نفسه، في جايميس وما يتعلق بالعائلة الملكية، لم تكن تعرف من أين تبدأ بسرد تلك القصة الطويلة والمعقدة.
“إنها قصة طويلة.”
“لدينا وقت كافٍ. هل تعتقدين أنني أحضرتك إلى القصر الصيفي عبثًا؟“
“… كما أخبرتك، عدتُ من المستقبل. أنا من المستقبل، حيث مت… ثم عدت.”
“ماذا؟ كيف تموتين يا ديانا؟ هل تتحدثين عن موتٍ طبيعي بعد أن تقدمي في العمر؟“
“مستحيل. لو حدث ذلك، لما كنت هنا الآن.”
“إذن…”
نظرت ديانا إلى غينيس بعينين تلتقط أنفاسها بصعوبة وكأن عنقها مختنق.
كانت كلماتها تخرج على شكل أنينٍ متقطع، وبدا عليها الخوف الشديد.
“… سيموت جايميس يا غينيس.”
“ماذا…؟“
“في العام الذي أبلغ فيه عشرين عامًا، سيموت جايميس.”
“ماذا تقولين؟ هل سيصاب بمرض؟ أم أن شيئًا سيحدث؟ جايميس ولي العهد، سيكون ملكًا قريبًا، والحديث عن موت الملك الحالي منتشر.”
“لا، الملك لن يموت مبكرًا.”
هزّت ديانا رأسها.
“… في السنة التي أبلغ فيها عشرين، سيقرر الملك إرسال مبعوث إلى مملكة برانيو.”
“لكن برانيو كانت خصمًا لدودًا منذ زمن طويل. لماذا يقوم بمثل هذا العمل الخطير؟“
ارتبك غينيس.
كيف يمكن تفسير قصة تمتد خمس سنوات إلى الأمام؟
ابتسمت ديانا بسخرية.
“ستأتي أميرة برانيو إلى بلدنا لتكون العروس المستقبلية للأمير جايميس.”
“هل يعني ذلك تأجيل زواج ولي العهد؟ ماذا عن خطيبته الحالية؟“
“… ستتوفى هذا العام بسبب المرض. كان ولي العهد جايميس يريد أن يمنح فترة حزن كافية قبل الزواج، لذا سيقع الاختيار على أميرة برانيو بعد خمس سنوات تقريبًا كرمز للمصالحة.”
“ولكن… ما المشكلة في ذلك؟“
قبضت ديانا على غطاء السرير بيدها وهي شاحبة الوجه.
أميرة برانيو ستقتل في هذا البلد.
القتل كان متعمدًا وواضحًا.
جاء طلب رسمي من برانيو بالاعتذار وتوضيح الأمر مع تهديد بأن أي رد غير مناسب قد يؤدي إلى حرب.
وكان الملك قد اختار إياندروس ليكون المبعوث المكلف بنقل الرسالة.
لكن قبل أن يغادر إياندروس إلى برانيو، سقط عن حصانه وكسرت ساقه فحل محله جايمس، وهناك… مات جيمس.
ولم يعد جايميس، وريث العرش، وعُين إياندروس ملكًا على نحو لم يتوقعه، رغم أن الحادث كان مفاجئًا، وكان ذلك ألمًا هائلًا بالنسبة له.
تغير إياندروس إلى درجة لا يمكن تصديقها، فلم يعد يشبه ذاته السابقة.
وألقى بنفسه في قاع الذنب لعجزه عن إنقاذ شقيقه.
في ذلك الوقت، انهال الملك والملكة عليه باللوم والانتقاد الحاد، كما لو أن إياندروس هو المسؤول عن وفاة جايميس، رغم أن المسؤولية لم تكن لأحد.
وبدأت أجواء مشحونة ومتوترة بين برانيو وليونيد.
‘كان يجب أن أموت أنا، لا جايميس!’
كانت هذه الكلمات تتكرر في ذهنه.
وكان عرش جايميس يضغط عليه بلا هوادة مذكّرًا إياه بالذنب.
وفي الوقت نفسه، بدأت شائعات تتناقل عن تحالف فيلادلفيا مع برانيو، والتي في البداية بدت مجرد إشاعات، لكنها كبرت تدريجيًا ووصلت إلى أذن إياندروس.
وهكذا…
انقطعت العلاقة المتوترة أصلاً بين إياندروس وديانا بشكل كامل بعد كل هذه الأحداث.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"