✦ الفصل 12 ✦
* * *
أُعيد تضميد الجرح في معصمها.
“ديانا. سيعود أبي وأمي قريبًا. وأنتِ تعلمين أن والدنا ليس رجلًا رقيق الطبع.”
أومأت ديانا برأسها.
كانت تدرك ما يريد غينيس قوله.
فدوق فيلادلفيا رجل قادر –حفاظًا على سمعة العائلة ومنعًا لابنته من الانتحار– على إرسالها إلى مصحٍّ عقلي في صمتٍ تام.
رجل صارم، واضح المعايير، لا يتهاون في ما يراه صوابًا.
هكذا كان دوق فيلادلفيا.
في الماضي، كانت ديانا تظن أن أباها بارد القلب فحسب، فكبرت وهي تخشاه وتتجنبه.
لكنها أدركت لاحقًا أن ذلك لم يكن سوى سوء فهمٍ متسرع منها.
‘ديانا يا صغيرتي. أنا أؤمن أنكِ لم تفعلي ذلك. لم أُربِّكِ على هذا.’
‘أبي…’
‘… سأعيد كل شيء إلى ما كان عليه. سيعود كل شيء بخير.’
كان هو من وقف في صفها حتى اللحظة الأخيرة.
خرج إلى ساحة حربٍ خاسرة ليدافع عنها.
‘إن خرج الدوق إلى الحرب وحقق نصرًا، فربما تتمكن الملكة من الاحتفاظ بمكانها. الناس ينسون حين ينشغلون بقضية أكبر. إن ظهر حدث يطغى على الفضيحة، فقد تُدفن شائعة خيانة الملكة.’
حينها فقط فهمت ديانا.
ذلك البريق الجاف في عينيه كان يخفي حبًا، وتلك الصرامة كانت تحمل إيمانًا لا حدود له بابنته.
قُتل دوق فيلادلفيا في المعركة.
هزّ خبر موته مملكة ليونيد بأكملها، وسرعان ما نسي الناس شائعة خيانة ديانا.
لقد غطّى الدوق فضيحة ابنته بفضيحةٍ أعظم، ضحّى بحياته ليحميها.
مجّد الناس الرجل الذي بذل جسده دفاعًا عن ليونيد، وبدأوا أخيرًا يشككون في الشائعات التي طالت ديانا.
ما لم يصدقوه رغم صراخها وتوسلاتها، صدقوه بعد موته.
حماها والدها بحياته.
والآن… حان دورها لتحميهم.
أعاد غينيس الإمساك بيدها الباردة وقد ساوره خوفٌ خفي من أن تنهار أخته بين يديه.
“فلنقل إننا سنذهب إلى الإقطاعية قليلًا يا ديانا. ابقي معي هناك حتى يلتئم جرحك. ما رأيكِ؟“
“… حسنًا.”
أومأت برأسها بهدوء ولمحت في عينيه زفرة ارتياح.
في الحقيقة، كانت تعلم منذ البداية أن أباها وأمها سيتألمان من هذا الجرح أكثر منها.
كان يكفي أنها أظهرت عزمها أمام إياندروس.
ولعل الذهاب إلى الإقطاعية يمنحها فرصة أخرى.
شدّت ديانا على نفسها واستعادت رباطة جأشها.
* * *
دخل دوق فيلادلفيا غرفة نوم زوجته بوجهٍ مثقل بالإرهاق.
ارتمى على السرير بثيابه دون أن يخلعها، فرمتْه الدوقة بنظرة عاتبة.
“كان عليك أن تغتسل أولًا.”
“سمعتُ أن الطفلين غادرا إلى الإقطاعية رغم تأخر الوقت؟“
“نعم. قيل إن غينيس أصرّ حتى لم يستطع كبير الخدم منعه. قال إنه يريد بعض الهواء، وسيُري ديانا الإقطاعية.”
تنهد الدوق.
“لا بد أنه افتعل الأمر كما يشاء. ذلك الفتى… لا بد أنه أراد التهرب من الدراسة وجَرَّ أخته معه.”
ابتسمت الدوقة بخفة.
“ربما. ديانا فتاة هادئة بطبعها.”
رمش الدوق بعينين مثقلتين بالشراب.
كان ضوء المصباح في الغرفة يتراقص خافتًا.
“لكن… أشعر أن ديانا غريبة هذه الأيام.”
“لا تُشغل بالك. ربما ارتبكت لأنها ستتزوج فعلًا. أليست لديك أمور أخطر تقلقك؟ سمعتُ أن الحرب قد تندلع…”
“على الأرجح سيحدث ذلك قريبًا.”
تنهدت.
“يكفيك همّ الحرب. سأهتم أنا بديانا. ستغيّر رأيها قريبًا. فهي تحب الأمير إياندروس كثيرًا.”
“… صحيح.”
أغمض الدوق عينيه المثقلتين، ثم فتحهما فجأة كأنه تذكر شيئًا.
“إن أصرت ديانا على الرفض، فابحثي عن حل آخر. بين فتيات فرع فيلادلفيا من يطمحن إلى ذلك المقام.”
“حسنًا.”
* * *
كان إياندروس هو من سهّل تحرّك ديانا وغينيس في تلك الساعة المتأخرة.
فبحسب أنظمة المملكة، مهما بلغت فخامة عربة الدوق، فإنها تظل أصغر بكثير من عربات القصر الملكي.
كانت ديانا بحاجة إلى مساحة تستريح فيها، وقد منحهم إياندروس عربته عن طيب خاطر.
ولحسن الحظ أنه كان في وضعٍ لا يحظى فيه بكثير من التفات القصر، وإلا لما كان الأمر بهذه السهولة.
حبس غينيس أنفاسه وهو يثبت نظره على وجه ديانا الشاحب.
كان النفس الخافت الذي يتسلل من بين شفتيها الرقيقتين يبدو كأنه قد ينقطع في أية لحظة. كأن موتًا خبيثًا يتربص بها ليبتلعها فورًا.
فشل إياندروس في إقناعها وما زالت صورته وهو يخرج من غرفتها بوجهٍ شاحب متوسلًا أن يُمنح بعض الوقت ماثلة في ذهنه.
كان وجه إياندروس آنذاك يشبه وجه ديانا الآن إلى حدٍ موجع.
قال إياندروس إنه مع بزوغ الفجر سيستأذن الملك وينزل إلى القصر الملكي القريب من أراضي فيلادلفيا لأنه يريد البقاء إلى جانب ديانا.
والملك، الذي لم يكن يُعير أبناءه—وخاصة إياندروس—اهتمامًا كبيرًا، سيوافق بلا تردد.
“ديانا…”
لم تستجب لندائه.
فارتجف قلب غينيُس ومدّ إصبعه إلى أسفل أنفها ليتأكد.
تنفّسها كان لا يزال منتظمًا.
تنهد بارتياح، ومسح وجهه بكفيه.
كانت ديانا تقول إنها تعرف ما سيحدث في المستقبل.
‘يا ترى… ماذا حدث؟‘
كل ما قالته إن الجميع سيموتون.
وبما أن إياندروس نفسه أقرّ بذلك ورفضت الزواج بسببه، فمن المرجح أنه كان سبب تلك النهاية.
‘لماذا يكون الأمير إياندروس سبب موت ديانا وفيلادلفيا؟‘
لم تكن مشاعرهما كاذبة.
ومع ذلك، إن كان مصيرهما مأساويًا، فلا بد أن أمرًا جللًا وقع.
لكن ما هو؟ ما لم ترتكب فيلادلفيا خيانة…
‘خيانة؟‘
مستحيل.
دوق فيلادلفيا رجل ولاؤه للتاج والمملكة لا يُشك فيه.
لا رغبة لديه ولا مبرر لمثل ذلك.
‘… أم تُرى كانت تهمة ملفقة؟‘
ذلك يبدو منطقيًا أكثر.
فعدد النبلاء الذين يضيقون بعلاقة فيلادلفيا الوثيقة بالعائلة المالكة ليس بالقليل.
ربما يصمتون الآن، لكن الغيظ في صدورهم واضح.
شدّ غينيس الغطاء فوق جسد ديانا حتى غمرها بالكامل.
“… يا صغيرة.”
لا يعلم ما الذي مرّت به أو ما الذي رأته، لكن عمق الحزن المستقر على ملامحها الطفولية كان يعتصر قلبه.
كانت العربة تشقّ الفجر مسرعة.
لن يعودوا قبل أن تلتئم الجراح العالقة في قلبها.
كانت بحاجة إلى فسحة تتنفس فيها.
والقصر ليس المكان المناسب لذلك.
تنهد غينيُس، ثم قبّل جبينها بخفة.
“تصبحي على خير يا أختي.”
* * £
عاد إياندرُس إلى القصر الملكي بوجهٍ ملبدٍ بالظلال.
كأن رأسه على وشك الانفجار.
لماذا بدت دمعة ديانا الواحدة أثقل من كل دموعه التي ذرفها اليوم؟ ذلك الوجه الخالي، وتلك العينان المذعورتان… كانت ترفضه بكل ما أوتيت من قوة.
‘عليّ أن أعرف الحقيقة.’
مرّر يده في شعره بعصبية.
لم يكن يعلم.
لم يدرك حتى أنه يحمل مثل هذه المشاعر حين كانت إلى جانبه.
إحساسٌ بأن العالم قد بهت لونه وأنه يقف فيه وحيدًا.
بالنسبة إليه، كانت ديانا الشيء الوحيد المسموح له بامتلاكه.
إن كان جايميس هو النور، فإياندروس هو الظلام.
بسبب جفاء الملكة، كان اسم إياندروس يُتداول همسًا في القصر. والملك نفسه لم يكن يُظهر اهتمامًا عميقًا بابنيه.
الوحيد الذي عامله كأخٍ بحق كان جايميس.
كان جايميس مفعمًا بالنور بقدر ما امتلأ بحب الملكة له.
لم يتردد جايمس يومًا في مشاركة ما يملكه. بل إن ما كان يتمتع به إياندروس من حياةٍ الآن، إنما كان بفضل جايميس.
كان يمنحه نصف ما لديه بلا تردد.
لكن في الحقيقة، لم يكن شيء من ذلك ملكًا لإياندروس حقًا.
كل ما حصل عليه كان في الأصل لجايميس ثم أصبح له بفضل تنازلٍ أو مراعاة.
وحدها ديانا كانت مختلفة.
الوحيدة التي اختيرت له منذ البداية.
ربما تصرّف بفظاظة بدافع مشاعر معقدة لم يفهمها، لكنه كان يحبها.
يحب اعتدادها الصغير، وابتسامتها العابرة، ونظرتها الصريحة المباشرة.
كانت مثل جايميس، مفعمة بالنور.
الآخرون كانوا ينظرون إليه بشفقة، أما ديانا فلا.
كانت تنظر إليه دومًا بعينين لامعتين ثابتتين.
ورغم الجدل الدائر في المجتمع حول سبب قبول عائلة فيلادلفيا بزواجها منه—
ما الداعي لأن تمنح فيلادلفيا قوتها لأميرٍ بلا سند؟
لكنه كان يعلم الحقيقة.
بالنسبة للملكة، لم يكن سوى نملة يمكن سحقها بإصبع. لذلك لم يهمها إن حصل على دعم فيلادلفيا.
فإن مات، فما جدوى تلك القوة أصلًا؟ كان لا يزال في الخامسة عشرة، والملك المريض سيتنازل قريبًا عن العرش لجايميس.
غاصت نظراته في ظلمةٍ عميقة.
ديانا… كانت النور الوحيد الذي دخل يده.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"