✦ الفصل 11 ✦
لم تكن تلك التغييرات مما ترجوه.
أن يتغيّر إياندروس؟
كلمة “التغيير” نفسها صارت عند ديانا مرادفًا للكوارث.
فمنذ ذلك اليوم، تغيّر فعلًا… تغيّر حتى بدا كأنه شخص آخر.
صار يكره ديانا ويكره فيلادلفيا، ولم يلتفت حتى إلى شنتيلا.
بل وبدأت نساء غريبات يدخلن غرفته ويخرجن منها ولم يكتفِ بذلك، بل راح يتعمّد فعل كل ما تعلم أنه تكرهه.
وكأنه يستعرض ذلك أمامها عمدًا.
تدفقت الأيام البشعة في ذهن ديانا كعاصفة خاطفة.
“كفى يا إياندروس.”
قالتها وهي تضغط على أسنانها تخرج الكلمات واحدة تلو الأخرى.
“ولا أصدق كلمة مما تقول.”
لم يكن رجاؤه هذا كافيًا ليهدم ما تراكم في داخلها.
لقد عاشت وحدها ما يكفي.
كان قلبها قد اسودّ وتعفّن منذ زمن وأمضت سنوات تقسم ألا تؤمن بالحب مرة أخرى.
رفعت معصمها الملفوف بالضماد أمامه.
قالت بوجه شاحب كالميت:
“أستطيع أن أفعل هذا مجددًا. غدًا أيضًا. وبعد غدٍ. وربما يحالفني الحظ فأموت… وعندها أهرب منك أخيرًا.”
“ديانا!”
“… لماذا لا تفهم يا إياندروس؟ أنا في غاية الجدية الآن، فلماذا تصرّ على تجاهل ذلك؟“
اختلّ توازنه.
سقط على الأرض بلا وقار كمن انهار تمامًا ومدّ يده المرتجفة يلامس معصمها بحذر.
كان لمسه هشًا كأنها قد تنكسر إن ضغط قليلًا.
أكان ذلك وهمًا منها؟
قبضت يدها بقوة.
ومن شدة الضغط بدأ الدم يتسرب من جديد تحت الضماد وارتجف معصمها.
أسرع إياندروس يفتح أصابعها بلطف.
“لا… لا تضغطي. ماذا لو انفتح الجرح؟“
قالها بصوت مختنق.
احمرّت عيناه وشدّ فكه بقسوة.
كيف له أن يبقى بخير، والمرأة التي يحبها تكره وجوده إلى هذا الحد؟
قلبه الذي لم يشتد عوده بعد امتلأ بخدوش دامية.
“أنت أيضًا زواجك هذا قسري، أليس كذلك؟“
تمتمت ديانا كأن الأمر لا يُفهم.
“فلماذا تتشبث بي هكذا؟“
هزّ رأسه بسرعة وكأنه يرفض فكرة لا تُحتمل.
“لا يمكن أن يكون كذلك… ليس زواجًا قسريًا يا ديانا.”
“إذن ماذا؟“
اهتزت عيناه.
مع كل رفض منها، كان يشعر أن شيئًا داخله ينهار.
أراد أن يعيد نظرتها إليه، أن يذيب ذلك الجليد في عينيها كما كان من قبل.
قلبه يندفع بلهفة، لكنه لا يعرف كيف يصل إليها.
في البداية ظنّ أن كل هذا ‘الخطبة والزواج‘ لم يكن سوى نتيجة ظروف لا مفر منها.
وأحيانًا كان يستمتع بصدق مشاعر ديانا الصريحة، بل كان يشعر بتفوق عاطفي عليها ويفتخر بذلك.
ظنّ بسذاجة أنه الرابح.
لكن ما كان يشعر به لم يكن سوى غرورٍ تافه.
فالعلاقات يمكن أن تنقلب في لحظة.
وبقدر ما تباهى بمشاعر طفولية في الماضي، بقدر ما كان الألم الآن قاسيًا.
“لماذا تفعل هذا؟ هل لأنك تخشى أن يهتز التحالف إن لم نتزوج؟“
لم يكن الأمر كذلك أبدًا.
ما جعله يتشبث بها بهذه المرارة لم يكن تحالفًا ولا مملكة ولا اتحاد عائلات… بل شيءٌ أعمق من ذلك بكثير… قلبه.
عاد إياندروس ببطء ليجثو عند قدميها من جديد.
“لا تفعلي هذا يا ديانا…”
وضع جبينه على كفها المرتخية.
حين انتقل إليه دفؤها الخافت، شعر أن قلبه المتجمد يلين قليلًا.
كجروٍ يستجدي عطفًا، حكّ جبينه برفق في يدها.
“أرجوك… لا تفعلي.”
بقي راكعًا وجبينه إلى كفها يتنفس ببطء.
الآن فقط فهم ما الذي يعتمل في صدره، ولماذا تخلى عن كبريائه ومنصبه وتشبث بها بهذا الشكل المذل.
“أحبك…”
خرجت الكلمة صادقة بين زفيره البطيء.
اتسعت عينا ديانا.
لم تصدق.
حتى ديانا السابقة لم تكن لتتخيل أن تسمع هذه الكلمة من إياندرُس في هذا الزمن.
بل ظنت أنها لن تسمعها أبدًا طوال حياتها.
تلاطمت المشاعر داخل جسدها الصغير ولفّها خوفٌ كأنه يدق قلبها بعنف.
كانت كلمة لطالما تمنّتها… أما الآن، فهي مرعبة.
لأنها تعرف نفسها جيدًا.
تعرف أنها قد تهتزّ أمام هذه الكلمة وحدها.
قد تتظاهر بعدم السماع، وتمسك بيده مجددًا، وتمشي بإرادتها نحو التعاسة التي حاولت الهرب منها.
همست بصوت خافت:
“لا… لا تقل ذلك.”
“ديانا، أنا…”
“لا تتكلم… وكأنك صادق حقًا.”
دفعته بعيدًا بوجهٍ مذعور.
“أنا… لا أستطيع. لا أريد.”
كل ما عرفته سابقًا كانت ترفضه الآن.
أن تنجرف خلف كلمة واحدة إلى بؤسٍ جديد.
أن ترى طفلًا يموت أمام عينيها دون أن تستطيع إنقاذه.
“يمكنني أن أتغير يا ديانا.”
توسل بصوتٍ متهدج.
“إن علّمتِني ما أجهله… أستطيع أن أتغير.”
تسللت لهجته المتوسلة إلى قلبها، لكنها هزّت رأسها بحزم.
جرحها تحت صدرها كان ينبض ألمًا.
هل كان ذلك مما يمكن تغييره حقًا؟
بعد تلك الحادثة، انهار إياندروس كليًا.
لم يكن حنونًا بطبعه، لكنه كان وفيًا لعائلته.
ثم تجاهلها وأدخل نساءً أخريات إلى غرفته.
صحيح أنها كانت تعلم أن تلك النساء دُفعن إليه قسرًا.
همسوا في أذنه بأنها خانته، وأن شنتيلا قد لا تكون ابنته.
تجرؤوا على إهانة العائلة المالكة لكن قلبه المحطم سقط بسهولة أمام تلك الأكاذيب.
‘قد لا تكون الطفلة ابنتك الحقيقية. الناس يتداولون هذا الحديث. قيل إن جلالتها أدخلت فارسًا مقرّبًا إلى غرفتها، أتعلم بذلك؟‘
‘إن استمر الأمر هكذا فالمملكة التي أراد الأمير جايميس حمايتها ستنهار.’
‘لطالما كانت فيلادلفيا متغطرسة. ليس بعيدًا عليهم فعل ذلك. يظنون أنفسهم فوق الملك. عاقبهم وأعد هيبة المملكة.’
هل كانت ديانا لا تسمع تلك الهمسات؟
شوّهوا سمعة عائلتها وألقوا باسم فيلادلفيا في الوحل.
أنكرت كل الشائعات وقاومت بشدة.
‘كيف يمكن أن أفعل ذلك؟ هذا مستحيل! أرجوك صدّق براءتي! لقد كرّس أبي حياته لهذه المملكة!’
‘أنت تشك في قلبي؟ لا تصدق إخلاصي؟ أستطيع أن أقولها ألف مرة، أحبك…’
‘… أرجوك، هذا طلبي الأخير. أنقذ أخي على الأقل. غينيس لم يرفع سيفه إلا من أجل المملكة. أرجوك، دعه يعيش.’
لكن كل توسلاتها قوبلت بالتجاهل.
وُصفت حقيقتها بالكذب وأُبيدت عائلتها.
اتُّهم سيف غينيس الذي رُفع دفاعًا عن المملكة بأنه اعتدى على الأمير جايميس.
وسط كل ذلك، أغلق إياندروس أذنيه وأغمض عينيه.
راقب بصمت، ووقّع أمر تطهير فيلادلفيا.
‘أرجوك! إياندروس! أرجوك!!!’
انهار كل ما كانت عليه ديانا.
كان الألم كأن قلبها يُنتزع من صدرها. ولم يملأ الفراغ سوى سمٍّ مرير وحزنٍ لا قرار له.
ارتجفت شفتاها وهي تستعيد الماضي.
“… أنت أيضًا لم تلتفت إليّ.”
نظرت إليه بعينين باردتين غارقتين في السكون.
“توسلت إليك هكذا، ومع ذلك لم تنظر إليّ ولو مرة.”
“ديانا…”
انسابت دمعة على خدها الشاحب.
لو أنها انفجرت باكية لربما حاول أن يهدئها ويجد منفذًا إلى قلبها. لكن الأمر لم يكن كذلك.
كان وجهها يقول إنها لم تعد قادرة حتى على البكاء.
“فيلادلفيا… حمتك لتحميني وأنت خذلتها. وهكذا مات أبي وأمي وغينيس.”
خرجت شظايا الماضي الذي تمنت نسيانه من بين شفتيها.
“ديانا.”
“تراخيك وضعفك هما من تجاهلانا وقتلانا… كنت عاجزًا غارقًا في ألمك وحدك. وتقول إنك ستتغير؟“
نزعت يدها من قبضته بقسوة.
“لا. أنت لا تتغير. عندما يحدث الأمر نفسه، ستتصرف بالطريقة ذاتها. أنا خائفة من ذلك يا إياندروس. اخرج من غرفتي.”
بدت كأنها رجاء، لكنها كانت أقرب إلى أمر.
ارتجفت يدها المشدودة، وانفتح جرحها من جديد وسال الدم.
“حسنًا… حسنًا يا ديانا. سأخرج. فقط… أرخِي يدك.”
مزق ثوبه ولفّه حول معصمها.
“… سأستدعي الطبيب. سأخرج الآن، حسنًا؟“
لم يغادر إلا بعد أن أوقف النزيف وفتح أصابعها المشدودة واحدة تلو الأخرى.
“إيان…”
نادته بلقبه الحميمي بصوتٍ جاف.
“أرجوك.”
شعر وكأن الأرض تنهار تحت قدميه.
كانت لحظة رسوخ أول حبٍّ له، حبٌّ يفترض أن يكون كبتلات الخوخ الوردية أو كالشوكولاتة الحلوة أو تفاحة خضراء منعشة… لكنه لم يترك في فمه سوى طعمٍ مرٍّ كالدواء.
ومع ذلك، لم يستطع أن يبصقه.
مسح دموعه خفية وقال:
“… سأعود.”
خرج من غرفة ديانا وكتفاه منحنِيتان.
بقيت تحدّق في ظهره طويلًا.
ثم ابتسمت بمرارة.
فكّرت أن ظهره في السنوات القليلة الماضية كان يبدو صغيرًا بقدر ظهرها تمامًا.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"