✦ الفصل 10 ✦
ديانا…
‘أخي… يجب أن أوقف هذا الزواج مهما كان الثمن.’
لا بد أن لديها سببًا…
‘لا أستطيع أن أكرر الأمر وأنا أعلم ما سيحدث. أحبك، وأحب فيلادلفيا أكثر من أن أسمح بذلك.’
لا بد أن لديها سبب…
انزلقت يد غينيوس عن كتفي كبير الخدم وسقطت ببطء.
“… هل ديانا بخير؟“
“نعم، لحسن الحظ لا خطر على حياتها. لكن… قد يترك الجرح أثرًا دائمًا.”
“لا بأس بذلك. المهم أنها بخير. ماذا عن ألسنة الخدم؟“
“نجمعهم جميعًا في غرفة واحدة الآن.”
“وزّع عليهم مبلغًا مناسبًا واجعلهم يوقّعون على تعهدٍ بالكتمان.”
“نعم سيدي.”
أخذ فينيوس يذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، ثم جلس على حافة السرير.
لماذا تجاهل يأس ديانا؟ لماذا تظاهر بأنه لم يره؟
كان عقله يغلي بالأفكار.
هل من الصواب أن يصل هذا الأمر إلى مسامع والديه؟ لم يكن الدوق ولا الدوقة الكبرى يبدوان ممن يتعمقون في هواجس ديانا أو يأخذونها على محمل الجد.
ولذلك، فإن إخبارهما بأنها عادت من المستقبل لن يبدو إلا هراءً مستحيل التصديق.
كانا أكبر من أن يصدقا قصة غامضة كهذه.
ولو علما أنها آذت نفسها، فقد يقرران إرسالها إلى مصحٍّ للأمراض العقلية… بدعوى حمايتها.
مصحّ عقلي.
كان غينيوس يعرف جيدًا ما يُقال عن تلك الأماكن—أماكن لا تشفي، بل تزيد الأرواح هشاشة وانكسارًا.
لن يسمح بإرسال ديانا إلى هناك.
“يجب ألا يعلم والداي بهذا الأمر. مفهوم؟“
“نعم سيدي!”
“أشيعوا أنها سقطت من الدرج.”
“حاضر!”
انحنى كبير الخدم بعمق وغادر.
ظل غينيوس لحظاتٍ في مكانه يرتب أفكاره، ثم مرر يده على وجهه.
‘ديانا… مهما قلتِ، سأحميكِ.’
خرج من الغرفة بملامح هادئة، كأن شيئًا لم يحدث.
‘إن كان هذا ما تريدينه… فسأساعدك.’
* * *
“أعتذر عن التقصير يا سمو الأمير.”
“لا داعي للاعتذار. هل حدث أمر ما؟“
أظلم وجه غينيوس.
كان قد قرر ألا يكذب على إياندروس في هذا الشأن.
ففي مأدبة الغداء اليوم، كان الأمير نفسه أول من أثار الحديث عن ديانا.
وهذا يعني أنه أدرك التغير الذي طرأ عليها مؤخرًا.
صحيح أنه لاحظ اختلافها، لكنه—على الأقل—لم يظنها مجنونة.
وقد طلب أن يرافق غينيوس لأنه أراد التحدث إليها.
“… أرجو أن يُنسى ما سيُقال هنا.”
“إن أردتَ، سأُقسم قسم الدم.”
قسم الدم… عهد يُقطع باسم الإله، ومن ينقضه يعرّض نفسه للهلاك.
أومأ غينيوس بهدوء.
هذا بالضبط ما يحتاجانه الآن—سرّ يصونه إياندروس وأفعال سيتحملها لاحقًا.
“لا بد أن ديانا قالت أشياء غريبة مؤخرًا.”
“……”
“لم أصدقها آنذاك، ولهذا… وصلنا إلى ما نحن فيه. والآن فقط بدأت أسترجع كلماتها…”
ابتسم غينيوس بمرارة.
“هل تصدق ما تقوله ديانا يا سمو الأمير؟“
“… ديانا ليست ممن يتكلمون عبثًا.”
“أنت أفضل مني إذن.”
أدرك الآن أن عدم ثقته بها قادهما إلى هذه الكارثة.
تنهد بعمق وقال:
“ديانا جرحت معصمها.”
“ماذا تقول…؟“
“الطبيب يعالجها الآن. يقول إن حياتها ليست في خطر، لكن الجرح سيترك أثرًا.”
لكي تتزوج من العائلة المالكة، لا يجوز أن يكون في جسدها أثر ظاهر أو عيب.
انزلقت يد إياندروس عن الطاولة للحظة.
الزواج… نعم، بسبب الزواج.
لا بد أنها ارتكبت ذلك الفعل المروع لتفلت منه.
لم يُصغِ أحد لطلبها، فاختارت أقسى الحلول.
انقطع نَفَسه.
“لم يعد بإمكاني تجاهل كلام ديانا يا سمو الأمير. سأتحرك بنفسي لإلغاء هذا الزواج مع العائلة المالكة—”
“انتظر لحظة واحدة ايها الدوق الشاب.”
قاطعه إياندرىس على عجل.
كان يرتدي اليوم زيه الداكن الرسمي، لكن وجهه بدا شاحبًا على نحو لافت.
قرر غينيوس أن يمنحه لحظة ليلتقط أنفاسه؛ فلو واصل الضغط، لربما انهار الأمير نفسه.
“سأحاول أن أغيّر رأي ديانا… أن أبدّل ما في قلبها.”
أمسك إياندروس بيد غينيوس بإلحاح.
“أعطني فرصة لأتحدث معها ايها الدوق الشاب.”
لو تحرك غينيوس رسميًا، فلن يستطيع إياندروس أن يفرض الزواج وحده.
بل إن أخاه الأكبر رونييل سيتدخل حتمًا.
وعندها سينهار مشروع الزواج مع فيلادلفيا، وسيفقد ديانا إلى الأبد.
تدخّل وريث العائلة يعني أن الأمر بلغ نقطة اللاعودة.
“… لا أعلم ما الذي سيتغير بالحديث يا سمو الأمير. إنها تخاف المستقبل. وأنتَ وأنا لا نعرف ما الذي سيقع فيه، فلا نستطيع إصلاحه. ديانا وحدها تعرف كل شيء، ولعلها اختارت ما رأت أنه الأفضل.”
“… قالت إنني قتلتها.”
تمتم إياندروس.
“قالت إنني قتلت ديانا… وقتلت طفلتنا. وإنني دمرت فيلادلفيا أيضًا. كل شيء كان بسببي.”
“إن كان ذلك صحيحًا، فالأحرى بنا أن نلغي هذا الزواج—”
“سأتغير. سأصلح كل شيء.”
هزّ إياندروس رأسه بإلحاح وعيناه تمتلئان برجاء صادق.
“أتوسل إليك بصدق ايها الدوق الشاب… لم أتخيل يومًا حياة لا تكون ديانا فيها.”
كسر إياندروس القشرة الهشة التي أحاط بها نفسه طويلًا، وأمسك بيد غينيوس بقوة.
عُرف في العلن على أنه الابن الثاني للملك، لكن الحقيقة أنه ابن غير شرعي.
وكانت فيلادلفيا تعلم ذلك، ومع ذلك تغاضت عنه.
كان الأمر جزءًا من موازنة دقيقة لإضعاف حق الأمير فرايدان – شقيق الملك – في وراثة العرش.
ربّته العائلة المالكة كأمير شرعي ونشأ على هذا الأساس.
لكنه رغم كل شيء، لم يعرف الطمأنينة الحقيقية إلا إلى جوار ديانا.
الملكة كانت تكرهه، والملك لم يكن يبالي به.
الشخص الوحيد الذي عامله بلطف هو أخوه الأكبر جايميس، لكنه لم يكن حاضرًا دومًا.
عاش رافعًا ذقنه متقمصًا دور الأمير النبيل حتى لا ينكشف ضعفه، لكن ذلك لم يكن سوى قناع.
الوحيدة التي أحبته دون قيد أو شرط كانت ديانا.
ولهذا لم يكن مستعدًا لخسارتها.
أخفى تصرفاتها الغريبة عن القصر الملكي لهذا السبب تحديدًا.
فالملكة كانت ترى فيه وصمة في العائلة—ذرة غبار عالقة باسم الملك. وكانت تبذل كل جهدها لتعزيز شرعيته كي لا يطعن أحد في نسبه. ولو علمت أن ديانا تتصرف بغرابة، لفسخت الخطبة فورًا.
تنهد غينيوس وهو يواجه ذلك الرجاء الملحّ.
مرر يده على جبينه وقال:
“… إن لم تستطع تغيير قلب ديانا، فلن تغيّر قلبي أنا أيضًا. حتى لو أصرّ والداي على غير ذلك. في فيلادلفيا أبناء كثيرون من أقاربنا. لو رشحنا أحدهم لمنصب زوجة الأمير، فلن ترفض العائلة المالكة.”
“… سأحاول. أرجوك….”
أدار غينيوس وجهه قليلًا.
لم يكن هناك ما يدفعه إلى التراجع، لكن صورة أخته وهي تبتسم بخجل حين يُذكر اسم إياندروس خطرت بباله.
تلك التي كانت تشرق سعادةً بسببه.
وأخيرًا، أومأ برأسه إيماءة قصيرة.
* * *
فتحت ديانا عينيها بصعوبة.
‘يبدو أن الجرح لم يكن عميقًا كما ظننت.’
كانت قد استعدّت لاحتمال أن تُصاب بعجز دائم، لكن أصابعها تحركت.
جلست ببطء.
“آنستي! أأنتِ واعية؟“
تعلقت بها جيسي باكية.
“أريد ماءً يا جيسي.”
“لماذا فعلتِ ذلك؟!”
رغم بكائها، سارعت جيسي إلى تنفيذ طلبها.
قربت من شفتيها ماءً فاترًا، تتحسس حالتها بين حين وآخر، ثم بدأت تسرد لها كل ما حدث أثناء فقدانها للوعي.
“لم يُخبَر والداي؟“
كان هذا تصرفًا يتوقعه من غينيوس.
كانت مستعدة حتى لاحتمال إرسالها إلى مصحّ عقلي إن علم والداها، لكن يبدو أن غينيوس حال دون ذلك.
“لا أعرف بعد كيف تسير الأمور.”
ما أرادته ديانا هو أن يُلغى الزواج بسبب العيب الذي لحق بها.
أثرٌ في المعصم… مكان ظاهر لا يُخفى بسهولة.
والآن بعد أن علم غينيوس، لا بد أنه سيتصرف.
“أين غينيوس؟“
“سيدي قال… إذا أفاقت الآنسة، فلتقابل أولًا الأمير إياندروس.”
“ماذا؟“
‘هو هنا؟ في القصر؟‘
قطّبت ديانا جبينها.
أضافت جيسي بحذر:
“قال فقط استمعي إليه. وإن لم يتغير رأيكِ بعدها، فسيساعدكِ سيدي فينيوس… هكذا طلب أن أنقل لكِ.”
“… آه.”
عضّت ديانا شفتها.
لم تكن تفهم تمامًا نية غينيوس، لكن العرض لا يمكن رفضه.
دعم وريث العائلة يصنع فرقًا هائلًا.
“حسنًا.”
كان قرارها سريعًا.
على الأقل، بدأ غينيوس يأخذ كلامها بجدية. وهذا بحد ذاته نتيجة.
“سأقابله الآن.”
“إذن سأحضره.”
عدّلت جيسي ثيابها وهي تنهض من السرير.
* * *
لم تحاول ديانا إخفاء شحوبها حين استقبلت إياندروس.
والمفارقة أنه بدا أشد مرضًا منها.
“ديانا!”
كانت جالسة على الأريكة تنتظره، فنظرت إليه ببرود.
“إياندروس، ما الذي تريد سماعه بعد؟ أظن أنني أوصلت موقفي بوضوح.”
أشارت إلى معصمها.
كان متدليًا بلا قوة بسبب فقدان الدم. وما إن وقعت عيناه عليه حتى جثا فجأة أمامها وهمس:
“امنحيني… امنحيني فرصة.”
“……”
“إن كان المستقبل قد فسد بسببي، فأنا قادر على إصلاحه. أرجوكِ يا ديانا….”
“كيف ستفعل وأنت لا تعرف شيئًا؟ ماذا تظن نفسك قادرًا عليه؟“
سألته بصوت واهن.
اقترب خطوة على السجادة، متوسلًا:
“علّميني. إن كنتُ لا أعرف، فعلّميني أنتِ!”
أغمضت عينيها ببطء ثم فتحتهما.
“أنا أخطأت يا ديانا. سـ… سأتغير.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"