1
عاهدت ديانا نفسها.
أقسمت ألا ترتكب مثل هذا الغباء مرةً أخرى.
فأغبى قرارٍ اتخذته في حياتها كان زواجها من إياندروس ليونيد، يوم كانت لا تزال طفلةً لم تنضج بعد.
كان زواجًا سياسيًا تمّ وهي في الخامسة عشرة من عمرها فحسب.
في سنٍّ لم تكن تفهم فيها حتى معنى الزواج.
تحوّلت رغمًا عنها إلى قربانٍ لربط عائلة ليونيد بعائلة فيلادلفيا.
وعشرون عامًا من الحياة الزوجية في قصر وليّ العهد كانت كافيةً لتجعلها تدرك تمام الإدراك أيّ وغد كان إياندروس.
هكذا عاشت أكثر من نصف حياتها إلى جانبه.
كان إياندروس فاسقًا، أنانيًا، لم يعرف يومًا قدسية الزواج ولا حتى استوعب معناها.
وكان شقاؤه شقاءها هي.
وفي اليوم الذي ماتت فيه ابنتها المسكينة، أقسمت ديانا ألا تتقاسم تعاسته بعد الآن.
“اهربي يا أمي…”
انتفضت ديانا جالسةً في سريرها.
✿ الفصل 1 ✿
“هاه…!”
أطلقت زفيرًا طويلًا كأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الوقت.
وضعت يدها على عنقها وأخذت تنظر حولها.
كانت هذه غرفتها التي غادرتها منذ زمن بعيد حين كانت لا تزال آنسة فيلادلفيا.
الزمن الذي لم تكن تعرف فيه شيئًا عن مستقبلها التعيس.
حدّقت في أصابعها المرتجفة.
“لقد عدت…”
‘هل أصبحت في الخامسة عشرة من جديد؟‘
كان إصبعها الرابع في يدها اليسرى الذي حمل يومًا أثر خاتم الزواج واضحًا نحيلًا نقيًّا بلا أثر.
قبضت على يدها بقوة.
كان الدم الأحمر الذي سال يومًا على صدرها واضحًا في ذاكرتها، لكن الألم نفسه بدا الآن بعيدًا، كأنه حلم.
لقد أُصيبت برصاصة في اللحظة الأخيرة.
حاولت الهرب حتى وهي تتسلّق جبلًا تغطيه الثلوج بقدمين متجمّدتين، لكن الموت دفعها في النهاية إلى حافة الهاوية.
خمسةٌ وثلاثون عامًا.
في عمرٍ كان ما لم تعشه فيه أكثر مما عاشته، ماتت ديانا.
لا… كانت قد ماتت.
تدحرجت من على السرير وركضت نحو منضدة الزينة.
ألصقت وجهها بالمرآة التي يعكسها ضوء القمر تتنفس باضطراب.
“لقد عدت حقًا!”
نهضت فجأة وراحت تجول في الغرفة، ثم جذبت حبل الاستدعاء لتنادي الخادمة التي تنام نومًا خفيفًا في الغرفة المجاورة.
كان عليها أن تعرف في أي وقت هي الآن، وماذا تستطيع أن تفعل.
لم يكن الفجر قد بزغ بعد، فإما أن الوقت متأخر جدًا أو مبكر جدًا. لكنها لم تستطع الانتظار؛ كان قلبها يخفق كمن يعدو بلا توقف.
من حيث الفصل، كان الربيع.
الأزهار متفتحة في الحديقة، والجوّ لا يزال باردًا، ما يعني أنه ربيع لا صيف.
كما أن الستائر الوردية التي كانت والدتها لا تخرجها إلا في الربيع معلّقة أمام النافذة.
جذبت الحبل مرتين إضافيتين بقلق.
تزوجت ديانا من إياندروس في خريف عامها الخامس عشر بعد ثلاث سنوات من المفاوضات حول الزواج.
كان الجميع يصلّي من أجل اتحادٍ كامل بين ليونيد وفيلادلفيا.
فعائلة فيلادلفيا، أعرق وأقوى عائلات إمبراطورية ليونيد قد عادت لتصافح يد العائلة الإمبراطورية.
“لماذا لا تأتي؟“
تمتمت بقلق، وهمّت أن تفتح الباب لتذهب بنفسها إلى الخادمة، حينها أدركت جيسي أخيرًا أن النداء حقيقي، ففتحت الباب مسرعة.
“يا إلهي! آنستي؟“
“جيسي! لماذا تأخرتِ؟“
سألتها بنبرةٍ متذمرة وكأن الخوف والقلق اللذين تحملتهما وحدها بدأا يهدآن.
ضحكت جيسي بخفة وأغلقت الباب خلفها.
“ألم تنامي مجددًا؟“
“ليس الأمر كذلك…”
“آنستنا هذه الأيام لا تنام جيدًا. متحمسة، أليس كذلك؟“
“متحمسة؟“
“تفضّلي، استلقي أولًا. إن لم تنامي ليلًا ونعستِ في الدرس، ستوبّخكِ الدوقة الكبرى مجددًا.”
ارتجفت أهداب ديانا.
أمسكت جيسي بيدها واقتادتها إلى السرير برفق حتى استلقت.
لفّتها بالغطاء حتى بدت كشرنقة دافئة، ثم أخذت تربّت على صدرها برفق.
شعرت ديانا براحةٍ تسري في قلبها.
برؤية جيسي، أدركت حقًا أنها عادت إلى منزلها.
“أكان حلمًا؟“
حلمٌ طويلٌ قاسٍ دام عشرين عامًا… حلمٌ واقعيٌّ حدّ الألم.
رفرفت أهدابها، وحبست دموعًا كادت تنهمر.
“ومن الطبيعي أن تكوني متحمسة. ستتزوجين قريبًا سمو الأمير إياندروس. كنت أتساءل متى تكبر آنستنا وتتزوج…”
هوى قلبها في صدرها.
رفعت الغطاء لتغطي شفتيها.
“وغدًا ستذهبين لرؤية فستان الزفاف. لا عجب أنك لا تنامين. لكن يا آنستي، كما قالت الدوقة الكبرى أمس، إن أردتِ بشرةً ناعمة غدًا فعليكِ أن تنامي. أغلقي عينيكِ وسأغني لكِ تهويدة.”
لسعها الألم في طرف أنفها.
أغمضت ديانا عينيها محاولةً استدعاء نومٍ لا يأتي.
‘فلأفكر غدًا…’
عندما أستيقظ، ربما يكون هذا كله حلمًا.
أو ربما تكون تلك العشرون سنة هي الحلم.
تضرعت في سرّها أن يكون هذا هو الواقع.
وفي صباح اليوم التالي…
أدركت أن كل شيءٍ حقيقي.
فقد وجدت الندبة أسفل صدرها الأيسر.
الندبة التي لم تعرف الخادمات اللواتي ساعدنها في الاستحمام معناها قط.
وحدها ديانا كانت تعلم.
“تذكّري نفسك بعد عشرين عامًا.”
كأن الجرح الدائري يهمس لها.
ما إن انتهت من حمامها حتى نسيت آدابها، وركضت مذعورة إلى غرفة الدوقة الكبرى.
“آنستي! آنستي!”
نادتها جيسي وهي تلحق بها، لكنها لم تستطع الإمساك بديانا التي اندفعت كالسنجاب المذعور.
ولم يكن في رأس ديانا سوى عبارةٍ واحدة:
“اهربي يا أمي…”
دفعت باب غرفة الدوقة الكبرى بعنف، حتى إن الخادمات اللواتي حاولن إيقافها تراجعن مذعورات.
وكانت الدوقة الكبرى قد خرجت تَوًّا من الحمام، فوسّعت عينيها حين رأت ابنتها.
“ديانا؟“
“أمي…!”
ارتمت ديانا في أحضانها.
ومنذ أن اعتادت النوم وحدها، لم تفعل شيئًا كهذا قط، لذا مسحت الدوقة الكبرى على ظهرها بقلق واضح.
وهي تحتضن ابنتها اللاهثة، قالت للخادمات:
“أحضِرن ماءً فاترًا ممزوجًا بالعسل. وأنتِ أشعلي عودًا عطريًا. ويبدو أن الطفلة فُزعت كثيرًا، فاستدعِين الطبيب أيضًا.”
“نعم سيدتي.”
تفرّقت الخادمات اللواتي هرعن لإيقاف ديانا بعد أن تلقّت كلٌّ منهنّ أمرها. وبقيت الدوقة الكبرى تحتضن ديانا التي كانت تشهق باكية وتمسح أنفها باضطراب وظلّت تهدّئها طويلًا.
كان ذهن ديانا قد ابيضّ تمامًا.
إن تمّ هذا الزواج من إياندروس، فإنها ستموت.
ولن تموت وحدها—بل ستُباد عائلة فيلادلفيا عن بكرة أبيها، وسيموت الأمير إياندروس وطفلتها أيضًا!
لم يكن بإمكانها أن تعيش المستقبل الذي تعرفه سلفًا مرةً أخرى.
كان قلبها يخفق بعنفٍ مذعور.
لم تعرف بأيّ كلام تبدأ لتقنع الدوقة الكبرى بفسخ خطبة العائلة الملكية. وازداد بكاؤها اختناقًا.
“أمي…”
“هل رأيتِ كابوسًا؟“
سألتها الدوقة الكبرى بصوتٍ حنون.
تمنّت ديانا لو أن المستقبل الذي عاشته لم يكن سوى كابوسٍ عابر.
لكنه لم يكن حلمًا… بل كان قدرًا يقترب منها.
والأشدّ رعبًا أنها وحدها من يعرف ذلك القدر.
ارتمت ديانا في حضن أمها، تهزّ رأسها بعنف.
شدّتها الدوقة الكبرى إليها برفق لتربّت عليها.
“لا أريد أن أتزوج.”
خرجت الكلمات من بين شفتيها مبحوحةً مكبوتة.
“لا يجوز أن أتزوج يا أمي. الأمير إياندروس لا يصلح!”
قالتها وهي ترتجف وصوتها غارقٌ بالدموع.
أبعدتها الدوقة الكبرى قليلًا، ونظرت إليها بقلقٍ بالغ.
حتى الأمس فقط كانت ابنتها تنام بوجهٍ متورد من الحماسة، فكيف انقلب حالها فجأةً هكذا؟ أليست ديانا هي نفسها التي كانت دائمًا رزينةً متقبّلةً بهدوءٍ زواجها من العائلة الملكية؟
لكن الآن، كانت شاحبةً كمن سُحب منه الدم، وترتجف بلا سيطرة.
لم يكن كلامها نزوة طفولية أو دلعًا عابرًا. لا بد أن شيئًا قد حدث لها.
أجلستها الدوقة الكبرى على السرير، ثم جثت أمامها.
“ديانا، ماذا هناك؟ هل أساء إليكِ الأمير إياندروس؟“
“… ليس الأمر كذلك.”
تمتمت ديانا بتلعثم.
إياندروس ذو الخمسة عشر عامًا لم يكن مؤذيًا. لم تكن فيه طبيعة تؤذيها؛ كان فتىً وديعًا لطيفًا.
انفجرت ديانا بالبكاء.
“أنا خائفة يا أمي… أنا خائفة من العائلة الملكية…”
“ديانا…”
أمسكت الدوقة الكبرى بيدها ووجهها يفيض أسفًا.
“من الطبيعي أن تخافي. الانضمام إلى العائلة الملكية ليس أمرًا هيّنًا. سيتغيّر نمط حياتكِ، وسيتبدّل محيطكِ، وعليكِ أن تتحمّلي مسؤولياتٍ مختلفة. لكن يا ديانا، لقد استعددتِ لكل هذا جيدًا حتى الآن. وأنا أؤمن أنكِ قادرة على تحمّله.”
شعرت ديانا وكأنها حشرة عالقة في شبكة عنكبوت؛ عاجزةً عن الحركة تُساق إلى مصيرها دون مقاومة.
كانت تختنق.
القدر كان يطبق على عنقها ببطء.
وهي رغم معرفتها بكل شيء ستسير بقدميها إلى ذلك الجحيم، لتقود فيلادلفيا وكل من تحبّهم إلى الموت.
وستحمل، كما في السابق، تعاسة إياندروس معها.
ذلك تحديدًا ما يجب أن تمنعه.
هزّت رأسها بعنف، ثم صرخت بصوتٍ حادٍّ مرتجف:
“أنا أعرف المستقبل! أعرفه! يا أمي، لا يجوز أبدًا أن يتم هذا الزواج!”
كانت ترجُو أن يسمع أحدٌ توسّلها الصادق.
“ديانا…”
تمتمت الدوقة الكبرى بصوتٍ خافتٍ اختلط فيه شيءٌ من الإرهاق.
كانت تعلم أن ابنتها ليست من النوع الذي يثير الضجيج بلا سبب، لكن سماع هذا الكلام منذ الصباح الباكر أثقل عليها.
“ديانا، ألم أعدكِ أنني سأكون دائمًا إلى جانبكِ؟“
عند تلك الكلمات، امتلأت عينا ديانا بدموعٍ شفافة، ثم انحدرت بعدما عجزت عن الاحتمال.
نعم… لقد أوفت أمها بوعدها.
وبسبب وفائها، وبسبب أن فيلادلفيا لم تترك يد ديانا قط… مات الجميع.
احمرّت عيناها من شدّة الانفعال.
“أمي… أنا حقًا رأيت المستقبل. الندبة أسفل صدري دليلٌ على ذلك… لقد عدتُ من المستقبل.”
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 1"