على عكس الأوقات الهادئة التي تقضيها بيتي في قصر ماركيزية برويل، لم تكن الحياة في قصر الدوقية تسير على ذلك المنوال أبدًا.
“يا للعجب، ما هذا؟، لم نتوقع أن تأتي امرأة مرموقة مثلكِ إلى هنا بنفسها!”
“يا للأسف، لم نكن نعلم أنكِ قادمة، لذا لم نُعدّ حصة إضافية لكِ.”
“بصراحة، ليس لدي شهية كبيرة اليوم، هل تريدين أن أعطيكِ ما بقايا طعامي؟”
“أوه، انظري إليها، هل تعتقدين حقًا أنها ستأكل مثل هذا النوع من الطعام؟”
كعادتها كل صباح، بمجرد دخولها إلى مطبخ الخدم، استقبلتها نظرات الازدراء، وتبعتها محادثات ساخرة موجهة إليها.
‘لهذا السبب كنت أحاول تجنب المجيء إلى هنا.’
لقد عادت مشاعر الحسد والغيرة من الخادمات الأخريات تجاه بيتي للظهور مؤخرًا، بعد أن بدت وكأنها خمدت لفترة، إذا كانت زياراتها المتباعدة لقصر برويل تمر بسلام لأن أحداً لا يراها مباشرة، فإن الأمر في قصر الدوقية كان مختلفاً؛ حيث كان موقف فيفيان المتساهل بشكل مبالغ فيه تجاه بيتي واضحاً للعيان، ومع ذلك، لم يكن الجوع طوال الصباح تجنباً لهذه المعاملة حلاً مستداماً.
‘على أية حال…’
في الآونة الأخيرة، عندما كانت فيفيان تتناول طعامها في غرفتها، كانت تأمر بإعداد حصة لـبيتي وتأكلان معاً، لكن نظراً لعادة فيفيان في الاستيقاظ متأخرة، كان يتعين على بيتي في كثير من الأحيان تناول الإفطار مع بقية الخدم، والمشكلة تكمن في أنه في كل مرة تقريباً، لم يكن هناك طعام مخصص لـبيتي.
لو أخبرت فيفيان بالأمر، لذهبت الأخيرة فوراً إلى المطبخ وقلبت الطاولات رأساً على عقب، لكن بيتي لم ترد أن تكون فيفيان عرضة للأقاويل بسبب أمر تافه كهذا، ورغم أن فيفيان نفسها كانت سترد بأن سمعتها لا يمكن أن تسوء أكثر مما هي عليه، إلا أن بيتي كانت تدرك أن الخطأ يبقى خطأً.
“أعتذر عن الإزعاج، سأذهب الآن.”
في ظل تلك المعاملة الباردة حيث لا أحد يقف بجانبها، لم تجد بيتي مفراً من الانحناء برأسها والتراجع للخلف.
“سأكتفي بأكل قطعة خبز فحسب.”
تنهدت بيتي وهي تلتقط رغيف خبز كبيراً من السلة الموجودة عند المدخل، كان الخبز يابساً لدرجة يصعب معها مضغه، وكأنه بقي منذ أيام وجرى التخلص منه، لكنها لم تملك خياراً آخر.
“إلى أين يمكنني الذهاب لأختبئ من هذه المضايقات؟”
شعرت أن العودة إلى غرفتها ستزيد من شعورها بالبؤس، ولتغيير الأجواء، قررت بيتي الاختباء خلف شجرة كبيرة في زاوية الحديقة بعيداً عن الأنظار.
“…طعمه سيء.”
جلست القرفصاء وهي تحاول جاهدة تمزيق الخبز الجاف وابتلاعه غصباً، لكن طرد مشاعر الحزن لم يكن بالأمر الهين، تذكرت خالتها التي كانت تعطيها قطعة خبز طازجة وشهية كلما ذهبت لمساعدتها في المتجر وهي صغيرة، وقيل لها إن حالة خالتها تحسنت بشكل ملحوظ الآن، وأصبحت تدير المتجر بنجاح.
‘لقد قالت لي آنستي إنني طيبة القلب، لكن أليس الأرشيدوق إيان هو الشخص الأكثر طيبة حقاً؟’
كان طبيب قصر الدوق يتردد بانتظام كلما سنحت الفرصة ليفحص حالة خالتها بدقة، وكلما حاولت بيتي رد الجميل بأي طريقة، كان الطبيب يكرر فقط أنه لا ينفذ سوى أوامر الدوق، ويرفض قبول أي شيء، ورغم أنها شكرت الأرشيدوق ديفان سابقاً، إلا أنها لم تتوقع أن يظل مهتماً بالأمر إلى هذا الحد، وشعرت بالأسف لأنها لا تستطيع كتابة رسالة شكر له، فمهما كتبت من رسائل، لن توفي أفعاله حقها من النبل.
“بيتي.”
فزعت بيتي ورفعت رأسها عند سماع اسمها فجأة، كانت غارقة في أفكارها وتتأمل قطعة الخبز، فلم تلاحظ الظل الكبير الذي امتد فوقها.
“…سمو الأرشيدوق؟”
في البداية، ظنت أنها مجرد أوهام خلقتها أفكارها عنه، لكن الشخص الواقف أمامها بملابس أخف من المعتاد كان بلا شك الدوق إيان ديفان.
“سمو الأرشيدوق، أرجو أن تغفر لي قلة أدبي، ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
نهضت بيتي بسرعة ونفضت تنورتها ثم انحنت له، تردد قليلاً قبل أن يجيب بنبرته الرتيبة التي تكاد تخلو من المشاعر. “كنت أبحث عنكِ.”
كانت جملة تثير في النفس تساؤلات كثيرة، وعندما بدت علامات الارتباك على وجه بيتي، أضاف الدوق توضيحاً لحسن الحظ.
“قيل لي إن الآنسة لم تستيقظ بعد، وكنت أرغب في إيصال رسالة، لكنكِ لم تكوني موجودة.”
“أوه، فهمت، أعتذر، أنا فقط…”
حاولت إخفاء قطعة الخبز التي في يدها خلف ظهرها لكن دون جدوى، ولم يكن بمقدورها رميها على العشب، بينما كان الدوق يراقب ارتباكها، اتجه نظره هو الآخر نحو الخبز اليابس.
“لقد قاطعتكِ على ما يبدو.”
شعرت بيتي بحرارة في وجهها، وانحنى رأسها لا إرادياً، كانت تشعر بالخجل لأنها ضبطت في حالة بائسة لا تود أن يراها عليها أحد.
“…كنت في طريقي إلى القصر الإمبراطوري فمررت من هنا، يبدو أن الوقت كان مبكراً جداً.”
“هاه؟، نعم، الآنسة تستيقظ دائماً متأخرة.”
“حسناً، أخبري الآنسة أنني سأعود غداً.”
وبعد ذلك، وبشكل لا يصدق، استدار الدوق ديفان ورحل نحو مدخل القصر دون أن ينبس بكلمة أخرى، وكأنه أدرك حرج بيتي وأراد إنهاء الموقف.
“…لكن، هل كان قدومه لأخباري بأمر زيارة الغد أمراً يستحق أن يتم إيصاله عبري أنا تحديداً؟”
تساءلت بيتي لاحقاً، وهي تسترجع الأمر الذي تبين أنه بسيط جداً، كان يمكن لأي خادمة أخرى أن تنقل الرسالة بسهولة، فلماذا أصر على البحث عنها هي؟، أليست أوقات أشخاص مثل الأرشيدوق أثمن بكثير من وقت خادمة مثلها؟
“هل يحاول إيصال مدى اهتمامه بالآنسة؟”
على أية حال، كان إظهار الاهتمام أمراً جيداً، لمست بيتي قلادة الزمرد التي حول عنقها لا إرادياً، القلادة التي استعادتها بأمان من محل الرهونات بفضل العملات الذهبية التي أعطتها إياها فيفيان، كانت تفكر في تركها في غرفتها خوفاً من أن يراها أحد كما حدث في المرة السابقة، لكنها اكتشفت قبل أيام آثاراً لأشخاص فتشوا غرفتها بعجلة، فلم يعد ذلك خياراً آمناً.
‘لقد اعتقدوا بالتأكيد أنني حصلت على المزيد بما أن الآنسة تعاملني بلطف.’
كانت تخبئ القلادة ملفوفة في عدة طبقات من القماش في زاوية تحت سريرها، ولم تكن واثقة من أنها لن تُكشف في المرة القادمة.
“سيأتي يوم يجب أن أعيد فيه هذه القلادة للآنسة…”
لم تكن المرة الأولى التي تفكر فيها بيتي في إعادة القلادة لـفيفيان، في الواقع، بمجرد استعادتها كانت تنوي إعادتها لها براحة بال.
“لقد أعطيتني خاتم الياقوت أيضاً، هذا يكفيني، ما أعطيتكِ إياه مرة، أصبح ملككِ بالتأكيد.”
لكن فيفيان رفضت الأمر ببساطة، قائلة إنها لا يمكنها استعادة ما منحته إياه بالفعل، ومع ذلك، لم تستطع بيتي التخلص من شعورها بأنها مجرد حافظة لها، تماماً كما حدث مع الخاتم، كان ينتابها شعور مفاجئ بأن القلادة يجب أن تعود لمالكتها الحقيقي في الوقت المناسب.
“لقد قررت التخلي عن التعلق بالأشياء بلا جدوى، فلأتوقف عن التفكير في هذا الأمر.”
تنهدت بيتي، ونفضت ثيابها لتعديل هندامها، لم ترغب في التعمق في التفكير حالياً؛ ففي نهاية المطاف، هي على يقين بأن لحظة لا خيار فيها ستأتي لا محالة.
* * *
بعد أن أنهت بيتي أكل ما تبقى من الخبز رغم قسوته، وأثناء عودتها إلى القصر، أوقفها شخص لم تكن تتوقعه.
“سمعتُ أن الأرشيدوق كان هنا.”
رفعت بيتي رأسها باتجاه أعلى الدرج، حيث كان يقف شاب أشقر الشعر، كان هو فيليكس شارتيه، ورغم أنها لم ترتكب أي خطأ، إلا أن شعوراً بالقلق تملكها، فأجابت بهدوء.
“نعم، كان يرغب في رؤية الآنسة.”
“أن تجعل شخصاً مغروراً ومتعجرفاً لا يستحق منصبه يأتي في الصباح الباكر، يبدو أنها ليست عديمة الفائدة تماماً.”
لم تكن بيتي تحبّ طريقته في الحديث عن الأرشيدوق الذي يفوقه مكانة، ولا طريقة حديثه عن فيفيان وكأنها مجرد أداة، لكنها لم تستطع إظهار ذلك، ومع ذلك، كان فيليكس ينظر إليها وكأنه يقرأ ما في داخلها، فمال برأسه قليلاً وقال بنبرة بدت لطيفة مصطنعة.
“هذا ثناء على قيام فيفيان شارتيه بدورها على أكمل وجه، لماذا لا تتقبلين الثناء كثناء؟”
بدأ فيليكس بالنزول على الدرج خطوة بخطوة، وعندما توقف على بعد خطوات قليلة منها، كانت الابتسامة الخفيفة على وجهه أكثر وضوحاً.
“بالمناسبة، سمعتُ أنكِ تترددين على قصر ماركيزية برويل مؤخراً.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 21"