على الرغم من قبول بيتي لاقتراح الإمبراطورة، إلا أنها في الحقيقة لم تكن تملك أدنى فكرة عما يجب عليها فعله كـرفيقة حديث حتى وقفت أمام قصر الماركيز.
ومع ذلك، كان في قصر الماركيز -الذي اتسم بالهدوء والصغر أكثر مما توقعت- زاوية تبعث على الطمأنينة، لقد كان جوًا مختلفًا تمامًا عن قصر الدوق الذي يضفي شعورًا بالضخامة والتعالي، شعرت بيتي أنها بدأت تدرك من أين تستمد الإمبراطورة طابعها الهادئ والأنيق.
وبينما كانت غارقة في أفكارها وتتأمل واجهة القصر، كادت تفوتها كلمات الخادم الذي اقترب منها.
“اعذريني، من أي عائلة أنتِ…؟”
“من فضلك لا داع للحديث باحترام هكذا معي، أنا بيتي من عائلة الدوق شارتيه، أعتقد أن جلالة الإمبراطورة أرسلت رسالة بهذا الشأن.”
“آه، أنتِ الآنسة بياتريس، تفضلي بالدخول.”
كان الاسم الذي نطق به غريبًا على مسمعها، وكأنها ترتدي ثوبًا ليس لها.
‘في الواقع، أنا أرتدي ثوبًا ليس لي بالفعل.’
لم يخطئ الخادم عندما ظن في البداية أنها من النبلاء؛ فـبيتي كانت ترتدي ملابس فيفيان الآن.
‘لا يمكنني السماح لهم باحتقاركِ، علاوة على ذلك، أنتِ لم توظفي كخادمة، لذا فإن ارتداء زي الخادمات أمر غير وارد.’
لم تكن بيتي تفكر أبدًا في أن عائلة برويل المرموقة قد تحتقرها صراحة، بل لم تكن تعبأ حتى بحقيقة لو تعرضت للاحتقار، فهي مجرد عامية، ولا يمكنها الاعتراض ابدًا.
‘لا تجادلي، ارتديه واذهبي غدًا، صحيح أن الأمر نادر، لكن في الآونة الأخيرة هناك من العامة من يعملون كمساعدين أو معلمين في بيوت النبلاء بعد تخرجهم من الأكاديمية، فكري في الأمر هكذا، فمن وجهة نظري، أنتِ بالتأكيد كنتِ ستتخرجين لو أتيحت لكِ الفرصة.’
اضطرت بيتي لاختيار أكثر الملابس بساطة من خزانة فيفيان، بدت فيفيان غير راضية، فهي لقد وجدت متعة حقيقية في إلباس بيتي، لكن نظرًا لأن ذوق فيفيان الأساسي كان متكلفًا للغاية، فقد بدت حتى أبسط ملابسها مبالغًا فيها بالنسبة لـبيتي. في الواقع، كان القميص ذو الأكمام المنفوخة والدبوس الكبير يمثلان ثقلاً لا يطاق مقارنة بالتنورة التي تتدلى بأناقة.
“تفضلي من هنا، سأرشدك إلى الماركيزة برويل الكبرى.”
على الرغم من أن الخادم ذو الشعر الشائب كان يعلم تمامًا من هي بيتي، إلا أنه لم يتخلَّ عن تصرفه المهذب وقادها إلى داخل القصر، وبعد عبور الفناء الخلفي الفارغ الموحش والمُنظف بعناية، دخلا إلى مبنى ملحق، حيث كانت الماركيزة برويل الكبرى تجلس في غرفة استقبال واسعة ومفتوحة.
كانت الماركيزة تجلس أمام الطاولة وتقرأ الصحيفة، وبجانبها كانت تلك الخادمة الشابة التي قابلتها في المرة السابقة تقف ممسكة بصينية وبدا عليها أنها لا تدري ما تفعله.
“يا سيدتي، لقد وصلت الآنسة بياتريس التي ذكرتها جلالة الإمبراطورة سابقًا.”
ومع ذلك، حتى مع كلام الخادم، ظلت الماركيزة صامتة وتحدق بتركيز في الصحيفة على الطاولة، وكأنها كانت منهمكة تمامًا في محتواها.
“…سـ-سيدتي، هل أضع الشاي؟”
“انتظري قليلًا.”
أدركت بيتي ما هي المشكلة من خلال تقطيب حاجبي الماركيزة وهي تميل رأسها وتنظر للصحيفة، بدت الخادمة المسؤولة وكأنها أساءت الفهم وظنت أن الماركيزة في مزاج سيئ وترغب بالشاي، لكن بالنسبة لـبيتي، بدا الأمر وكأن الماركيزة تعاني من انزعاج بسيط لأنها لا تستطيع رؤية الكلمات الدقيقة في الصحيفة بوضوح.
“سأفعل ذلك.”
خافت بيتي أن تسقط الصينية وينكسر الإبريق والأكواب، أخذت الصينية الفضية من يد الخادمة، ووضعتها بهدوء على الطاولة وقالت.
“يبدو أنها مقالة تتحدث عن أن مسرحية ‘روكسيلون’ تحظى بشعبية هائلة وتجلب صيحة جديدة إلى العاصمة.”
لقد ألقت نظرة سريعة من فوق كتفها، فلم تقرأ كل شيء، لكنها استطاعت استيعاب المحتوى العام بسرعة.
“أعلم ذلك، كنت أقرأها للتو.”
من خلال استماعها لردها الذي نطقت به وهي تزم شفتيها بعدم رضا، بدا أنها كنبيلة فخورة لا تود أن تظهر بوضوح أن نظرها قد ضعف وأصبح من الصعب عليها قراءة النصوص، سرعان ما وضعت الماركيزة الصحيفة ونظرت إلى بيتي.
“بالمناسبة، أنتِ…”
“أنا بيتي، لقد أخبرتكِ باسمي عندما التقينا في القصر الإمبراطوري سابقًا يا سيدتي.”
“مهما تقدم بي العمر، فذاكرتي ليست سيئة إلى هذا الحد، لا تقفي هكذا كالمتفرجة، اجلسي، لا تجعليني أنظر للأعلى.”
جلست بيتي بسرعة على الكرسي المقابل، وفور جلوسها التقت عيناها بالخادم الذي كان لا يزال واقفًا، فمحا نظرة الدهشة عن وجهه، واحنى رأسه محيياً بيتي، ثم أشار بهدوء للخادمة التي كانت تقف بجانبه ليغادرا المكان.
ومنذ أن اختفت أصوات خطواتهما، لم يعد يُسمع سوى صوت تقليب الماركيزة لصفحات الصحيفة أمامهما، اختارت بيتي ملء الأكواب الفارغة بدلًا من بدء الحديث، وأمسكت بالإبريق.
في تلك اللحظة، تركت الماركيزة الصحيفة فجأة وقالت دون مقدمات.
“عيني متعبتان، اقرئي لي هذه المقالة.”
“هل أقرأ لكِ الصحيفة بأكملها؟”
أطلقت الماركيزة صوتًا مبهمًا “همم” دون أن تتحدث، وأدارت بصرها تمامًا نحو نافذة الغرفة، فهمت بيتي أنها موافقة، ففتحت الصحيفة وبدأت تقرأ بتمهل، وسرعان ما امتلأت غرفة الاستقبال بصوت بيتي فقط لفترة طويلة.
“…ويُعتقد أن الأوضاع في ‘آركن’ تشهد تغييرات متسارعة.”
بعد قراءة هذا النص القصير عن المملكة في الشمال البعيد، أغلقت بيتي الصحيفة أخيرًا، لتجد الماركيزة تراقبها بنظرات فاحصة.
“هل قالت لكِ آنستكِ شيئًا بشأن مجيئك إلى هنا؟”
“…اليوم هو يوم عطلتي، لذا لم تقل آنستي شيئًا.”
لم تكن فيفيان صامتة في الحقيقة، بل كانت أكثر اهتمامًا بهذا الوضع من بيتي، لكن بيتي لم تجد داعيًا لإضافة ذلك.
“إذًا تعالي في هذا الوقت في المرة القادمة أيضًا.”
بهذه الكلمات، تم توديع بيتي للخروج، وفي طريقها لمغادرة القصر، سألت الخادم عما إذا كان رحيلها المبكر هذا يعني أنها لم تعجب الماركيزة، فأجابها بابتسامة لطيفة.
“طلب الماركيزة منكِ العودة مرة أخرى يعني أنها أعجبت بكِ كثيرًا، فهي امرأة تطرد حتى النبيلات الأخريات بحزم، فلا داعي للقلق.”
فور عودة بيتي إلى قصر الدوق، قصت لـفيفيان ما حدث بالتفصيل دون أي تغيير، وافقت فيفيان على رأي الخادم على الفور.
“ماركيزة برويل تقطع الحديث فورًا مع أي شخص لا يروق لها، أيًا كان.”
“حقًا؟”
“بالطبع، والدليل الحي يقف أمامكِ.”
أشارت فيفيان إلى نفسها بملعقة البودينغ وهزت كتفيها.
“لذا لا تقلقي وتناولي البودينغ، إنه لذيذ.”
أشارت فيفيان بذقنها نحو البودينغ الموضوع أمام بيتي والذي لا يزال متروكًا دون أن تلمسه، كانت تبدو هادئة جدًا وهي تتكئ باسترخاء على الكرسي، في الظروف العادية، كان من المستحيل أن تجلس بيتي جنبًا إلى جنب مع آنستها لتناول الحلوى، لكن فيفيان أصرت على إجلاس بيتي أمامها قائلة إنها لا تحبّ التحدث مع شخص واقف يحدق بها.
“إذًا، سأحرص ألا أنسى في المرة القادمة أن أراقب وأتحدث عنكِ بالخير أمام الماركيزة.”
“…هل أخذتِ ذلك على محمل الجد؟، طلب الحديث عني بالخير كان مجرد مزحة، مزحة فقط.”
انفجرت فيفيان ضاحكة وهي تهز رأسها.
“أضمن لكِ أن هناك من النبيلات اللاتي لا تطيقهن الماركيزة أكثر بكثير ممن يعجبنها، لستُ أنا الوحيدة التي يتم كرهها بشكل خاص.”
“قولكِ هذا يجعلني أشعر بتوتر أكبر.”
وهكذا، تعمق قلق بيتي أكثر، فهي لا تعرف إتيكيت النبلاء، وكونها مجرد عامية، لم تفهم كيف ولماذا نالت إعجاب الماركيزة.
“أنتِ طيبة القلب.”
“…ماذا؟”
قالتها فيفيان فجأة بنظرة جادة للغاية، فعلمت بيتي هذه المرة أنها ليست مزحة، ومع ذلك، زاد هذا من حيرة بيتي تجاه نوايا فيفيان.
“أنتِ لا تتصنعين لتتظاهري بما لستِ عليه، وأعتقد أنها أحبّت طبيعتكِ الصادقة في مراعاة الآخرين والاهتمام بهم، لذا، استمري في التصرف كما تفكرين دائمًا.”
* * *
سواء كان كلام فيفيان صحيحًا أم لا، فقد سارت زيارات بيتي لقصر ماركيزة برويل بعد ذلك بسلاسة شديدة، عندما زارتها بيتي بعد بضعة أيام، لم تطلب منها قراءة الصحيفة بل كتابًا، ومنذ ذلك الحين بدأت الماركيزة تطلب منها القيام بمهمة إرسال رسائل قصيرة بدلًا من القراءة.
“اكتبي أنني آسفة جدًا، لكنني لن أستطيع حضور الاجتماع.”
“حاضر، وماذا أفعل بهذه الدعوة؟”
“اكتبي ردًا مشابهًا ولكن بصياغة مختلفة، بطريقة مناسبة ومهذبة، أعلم أنكِ أصبحتِ تدركين ما يجب فعله الآن.”
في البداية، كانت الماركيزة تدقق النظر في كيفية كتابة بيتي للرسائل، ولا تبخل عليها بالنصائح بأن تكتب بأسلوب أكثر لباقة وأناقة، لكن بمجرد أن أتقنت بيتي الحيلة وبدأت تختار مفردات مناسبة، لم تعد توجهها للتعديل.
‘يبدو الأمر وكأنني أتعلم إتيكيت عائلات النبلاء…’
أحيانًا، لم تبدُ كلمات الماركيزة وتصرفاتها كأوامر، بل كانت أقرب إلى تعليمها قواعد الإتيكيت الصارمة للعائلات النبيلة واحدة تلو الأخرى، ربما كانت عادة قديمة في تعليم الآخرين لا تزال باقية لديها وتخرج منها تلقائيًا، على أية حال، اعتادت بيتي بسرعة على إرضاء الماركيزة الصعبة.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 20"