بينما كانت بيتي تتبع فيفيان والأرشيدوق في طريقهم إلى قاعة الغداء، لم تستطع التخلص من الشعور بأن أجواء جناح الإمبراطورة كلها مضطربة بشكل لافت.
“أين… أين يمكن أن تكون؟”
“هل بحثتِ في ذاك المكان؟”
“سأذهب… سأذهب إلى تلك الجهة.”
كانت الوصيفات، اللواتي كان من المفترض أن يلقين التحية ويمضين في حال سبيلهن، يمررن مسرعات ومشتتات دون أن يلقين نظرة حتى على الحاضرين، لم يطق الأرشيدوق إيان ديفان هذا الصمت، فأمسك بإحدى الخادمات -التي بدت كخادمة لعائلة نبيلة وهي تهرول وكأنها تركض نحو وجهة مجهولة- وسألها.
“ما الخطب؟، هل للأمر علاقة بالعائلة التي تخدمينها؟”
“أحيي سمو الأرشيدوق، أنا خادمة تخدم السيدة الكبرى لعائلة الماركيز برويل، لقد اختفت سيدتي، والجميع يبحث عنها.”
“السيدة الكبرى؟”
استحضرت بيتي الاسم الذي رأته في شجرة عائلة نبلاء العاصمة التي مرت عليها فيفيان مرور الكرام بلهجة ملولة، كانت برويل هي عائلة الإمبراطورة، وبما أن الماركيز الحالي هو والد الإمبراطورة، فلا بد أن هذه السيدة الكبرى هي والدة الماركيز.
“نعم، لقد كانت تجري حديثاً خفيفاً مع جلالة الإمبراطورة قبل وصولكما، وكان من المفترض أن تعود للماركيزية، لكن عندما عدتُ بعد تنفيذ أمرٍ كلفتني به، لم أجدها في العربة.”
كانت الخادمة الصغيرة تشرح الأمر وهي تكاد تبكي وتطرق الأرض بقدميها حيرة.
“أخبرنا السائق أن السيدة الكبرى رفضت مرافقته حين أراد مساعدتها، قائلة إنها ترغب في المشي قليلاً، لكن لا نعلم أين اختفت منذ ذلك الحين.”
“هل مر وقت طويل على اختفائها؟”
“نعم، انتظرنا مع بقية الخدم على أمل أن تعود، ثم طلبنا العون من أفراد جناح الإمبراطورة، لكننا لم نعثر عليها حتى الآن…”
“سمو الأرشيدوق، آنسة فيفان.”
“جلالة الإمبراطورة.”
جاء صوت ناعم ولكنه قوي من بعيد، انحنى الجميع في المكان فوراً.
“لا داعي لهذا التكلف في جناحي، انهضوا جميعاً.”
لم تكن بيتي قد رأت إمبراطورة الإمبراطورية من قبل، وهو أمر طبيعي، لكن أياً كانت الصورة التي رسمتها في مخيلتها، فقد كانت بعيدة كل البعد عن هذه المرأة التي اقتربت منهم ببساطة في هندامها وهدوئها، كانت الإمبراطورة ذات الشعر البني الفاتح، التي ظنتها ستكون بكامل زينتها، ترتدي فستاناً أخضر غامقاً يخلو من أي زخرفة، وتقف بوجه ينم عن ارتباك واضح.
“أعتذر لأنني استدعيتكما ثم أهملتكما هكذا، سير إيان… آه، أعني الأرشيدوق، إن عادة مناداتك باسمك القديم لا تزال تلازمني.”
قالتها وهي تضع يدها على رأسها وكأنها تعاني من صداع، وكان صوتها مشبعاً بتعب عميق.
“لا داعي للقلق بشأن الألقاب، جلالتكِ.”
“رغم ذلك، لا يمكنني مناداتك كأنك لا تزال فارساً، فلقبك الآن واضح.”
ارتسمت ابتسامة خافتة على وجه الإمبراطورة التي كانت تبدو غارقة في همومها، كانت بيتي تعلم أن الإمبراطورة تكبر الأرشيدوق ببضع سنوات فقط، لكن نظراتها إليه كانت تشبه نظرة الأخت الكبرى التي تنظر بإعجاب إلى أخيها الأصغر بعد أن صار رجلاً يافعاً.
“ادخلا أولاً، لا يمكنني طرد ضيوفي على أية حال، خاصة أن رؤيتك أصبحت أمراً نادراً.”
“سأساعدكم في البحث عن السيدة الكبرى.”
“لا حاجة لذلك، أنت تعرف طباعها جيداً، إنها لم تضل الطريق، بل اختفت لأن هناك ما أزعجها، وهي تختار هذه الطريقة الغريبة لتُشعر حفيدتها بالقلق.”
تنهدت الإمبراطورة بعمق وبدأت تمشي ببطء.
“ربما تكون قد عادت إلى الماركيزية، لذا نتحقق الآن مما إذا كانت أي من عربات القصر قد تحركت.”
بناءً على حديثها الهادئ، بدا اختفاء والدة الماركيز برويل أشبه بتهرب طوعي أكثر من كونه اختفاءً قسرياً، حينها، رفعت بيتي رأسها فجأة؛ فقد تذكرت شيئاً رأته حين دخلت جناح الإمبراطورة.
“آنستي.”
“ماذا؟”
“أظن أنني أعرف أين توجد السيدة الكبرى، هل يمكنني الابتعاد قليلاً للبحث عنها؟”
“أنتِ؟”
“لكنني لست متأكدة، لذا يصعب علي إخبار جلالتها مباشرة.”
نظرت فيفيان إلى الإمبراطورة والأرشيدوق وهما يبتعدان، ثم فكرت قليلاً وأومأت برأسها بالموافقة.
“هذه فرصة جيدة لترك انطباع جيد لدى الإمبراطورة، ولن أخسر شيئاً، على أية حال، البقاء هناك سيصيبك بالملل، اذهبي.”
“حاضر، سأفعل.”
انتظرت بيتي قليلاً حتى ابتعد الموكب تماماً وتوارى عن الأنظار، وكما قالت الإمبراطورة، لم تكن السيدة الكبرى قد ذهبت بعيداً، بل كانت الاحتمالية الأكبر وجودها في مكان قريب لم يتوقعه أحد.
‘والدة الماركيز برويل… باختصار، هي تشبه الساحرة العجوز، لا تحب الضجيج، في حفلة الشاي الأخيرة، حين ارتفعت أصوات البعض أثناء جدال، طلبت منهم بصوت بارد جداً التوقف عن إثارة الفوضى، وشعرت حينها أن غضبها أكثر رعباً من غضب الإمبراطورة نفسها.’
كان وصف فيفيان لوالدة الماركيز بأنها تكره الضجيج راسخاً في ذاكرتها، وبالنظر إلى كل أولئك الناس الذين يهرعون هنا وهناك، أدركت بيتي ما الذي أزعج السيدة الكبرى، اتجهت خطوات بيتي نحو الرواق الذي قيل إن اللوحات معلقة فيه، وهو المكان الذي أشارت إليه الوصيفة عند دخولهم الجناح.
عبرت الفناء ومرت بممر ضيق، لتقل الحركة البشرية فجأة، في البداية بدت المنطقة خالية، لكن بعد أن انعطفت عند الزاوية، رأت امرأة تقف أمام إحدى اللوحات متكئة على عصاها، بشعرها الأبيض كالثلج وشفتيها المطبقتين بإحكام، عرفت بيتي أنها هي والدة الماركيز برويل، ولأن المكان يقع في أقصى نقطة داخل جناح الإمبراطورة، لم يصل إليها الباحثون الذين كانوا يفتشون العربات الموجودة عند المدخل.
تحدثت بيتي بحذر، وكما كان متوقعاً، لم يأتها أي رد، وبعد صمت طويل، انطلق صوت عجوز لكنه واضح تجاه بيتي.
“كيف عرفتِ أنني هنا؟”
“رأيتُ كل أولئك الناس يهرعون للبحث عنكِ، ففكرتُ أنكِ تكرهين الصخب وستبحثين عن أهدأ مكان.”
“بما أن الأرشيدوق لا يصطحب خادمة عادة، فلا بد أنكِ خادمة ابنة الدوق، تبدين أفضل بكثير من الأشخاص الذين وُظفوا لخدمتي.”
تنهدت السيدة العجوز بعمق وتحركت بعصاها وكأنها ستجلس على كرسي خلفها مباشرة، بادرت بيتي بحركة لا إرادية لمساعدتها والتأكد من ألا يتجعد فستانها.
“المشكلة الكبرى هي ابني الذي وظف تلك الخادمة الثرثارة لكي لا أشعر بالملل، لقد عاش كل هذه السنوات وما زال لا يعرف طباع أمه.”
بدا أن المشكلة الجوهرية هي عدم ارتياحها للخادمة الشابة الثرثارة التابعة لعائلة الماركيز، قررت بيتي أن تلتزم الصمت الحكيم بدلاً من حثها على العودة.
“هل تجيدين القراءة أيضاً؟”
أشارت العجوز بعصاها فجأة إلى الكتاب الذي تحمله بيتي.
“… نعم.”
كان ذلك الكتاب الذي استلمته من الأرشيدوق، والذي لم تجد فرصة لوضعه في مكان ما بعد، بدا وكأن هذا الكتاب يحظى باهتمام غير عادي اليوم.
“همم، إذا كنتِ تجيدين القراءة بهذا المستوى، فلا بد أنكِ من سلالة نبلاء ساقطين.”
لم تجد بيتي فرصة لتوضيح أنه ليس كتابها، فقد قفزت العجوز إلى استنتاجها الخاص فوراً، فلم تجد بيتي بداً من الارتباك.
“لا، أنا من عامة الشعب.”
هزت العجوز رأسها رافضة التصديق.
“هذا مستحيل، وجهكِ مألوف بالنسبة لي، لا يوجد نبيل في العاصمة لم أقابله ولا أتذكره، ربما تكونين ابنة أحد النبلاء الذين نسيتهم؟”
“… لا أعرف حقاً.”
واصلت العجوز طرح الأسئلة عن أصولها بحدة، ثم تمتمت بكلمات تدل على الحيرة، وغرقت في صمت عميق.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 18"