“وما الذي سيدعوا جلالته لمقابلة خادمة بسيطة حتى تتحدث معها بهذا الأسلوب المخيف.”
جاءت نبرة كاين الهادئة وهو يتدخل، تحمل في طياتها نية واضحة لتلطيف الأجواء، لكن، ولسبب ما، أثار ذلك حفيظة إيان مجدداً، تريّث إيان قليلاً قبل أن ينطق، محاولاً السيطرة على مشاعره الجامحة، فاستغل كاين هذا الصمت ببراعة معهودة؛ فقد كانت تلك عادة اكتسبها من خدمة سيدٍ لا يُعدّ اجتماعيّاً بامتياز.
“كنا نتحدث للتو عن قلعة الأرشيدوق، وعن مدى استعجال سيدي لدرجة أننا جئنا إلى العاصمة فوراً دون حتى أن نتمكن من العودة للقلعة.”
“… أرى ذلك.”
“قد يبدو سيدي جافاً، لكن اهتمامه بابنة الدوق عظيم جداً.”
مال كاين برأسه قليلاً نحو بيتي، وتحدث بصوت خافت وكأنهما أصبحا صديقين في هذه الأثناء، أراد إيان أن ينتقد تفاهة هذا الحديث، لكن نظره سُلب تماماً حين رأى تلك الابتسامة الخافتة التي ارتسمت على وجه بيتي.
“هذا جيد، فالآنسة أيضاً تتحدث كثيراً وبكل خير عن سمو الأرشيدوق.”
لم يظن إيان يوماً أن جملة كان ليرحب بها قبل أسبوع واحد فقط، ستصل إلى مسامعه بهذا البرود الجليدي، بدأت الشكوك التي لم يعد قادراً على كبحها تتجذر وتكبر في أعماق قلبه، حتى حركة يد بيتي التي كانت تتجه نحو عنقها، ثم تراجعت فجأة وكأنها ذعرت من شيء ما، جعلته يراقبها بتركيز أشد.
التقت عيناهما مجدداً، وكانت عيناها البنيتان تنظران إليه بقلق، عندها فقط أدرك إيان أنه ظل يراقب كل حركة صغيرة تصدر عنها دون أن ينبس ببنت شفة.
“كاين، للصبر على وقاحتك حدود، نحن في القصر الإمبراطوري الآن.”
لم يجد إيان كلمات يرد بها، فقرر المضي في الحوار بأكثر الطرق أماناً، وكعادته، كان على كاين تحمل تبعات قرار سيده بعد أن أطلق العنان لثرثرته.
“يا سيدي، كما قلتَ للتو، نحن الثلاثة وحدنا هنا، لماذا أصبحت فجأة بهذا التزمت؟”
“كفّ عن هذا الهراء.”
ارتسمت على وجه كاين ملامح استياء خفيفة، لكنه سرعان ما أطبق فمه حين أدرك أن مزاج سيده في الحضيض.
“أعتذر يا سمو الأرشيدوق، لقد كثرت تساؤلاتي فأمطرت السير كاين بالأسئلة، لقد أجابني فقط لأنه خشي أن أظل متسائلة.”
رؤيتها وهي تنظر إليه بجرأة دون أن تحيد بعينيها أثارت في نفسه رغبة عارمة في مواصلة الحديث معها، ولكن، وبمجرد أن تذكر أن ذلك الفضل يعود لكاين، تعكر مزاجه مجدداً دون مبرر.
“لا حاجة لكِ بالدفاع عن كاين، فهو على طبيعته دائماً، ولا داعي لأن تعتذري لي.”
“آسفة… آه، لقد طلبتَ مني ألا أعتذر، أليس كذلك؟، أنا… أنا آسفة.”
كان يحاول جاهداً أن يوصل لها رسالة مفادها أنها لا تحتاج لأن تشعر بالرهبة منه، ولكن، يبدو أنه تسبب في جعلها أكثر ارتباكاً وضياعاً.
“أنا، أعني، سأستأذن…”
بدأت بيتي تتراجع بخطوات بطيئة نحو الباب وكأنها تحاول الهروب من الموقف، وربما لهذا السبب، ولرغبته في إبقائها بجانبه، قفزت إلى لسانه تلك الكنية الودية التي لا تُستخدم إلا في الجلسات الخاصة مع الإمبراطور.
“إن لويد يجد شخصية كاين المتحررة مسلية، لذا لا تقلقي، لن يُقطع رأسه.”
“… من هذا؟”
“ستعرفين حين تنتهين من قراءة هذا الكتاب.”
في كثير من الأحيان، لا يعرف النبلاء أنفسهم اسم الإمبراطور الأول أو لا يستحضرونه بسرعة، فكيف بـبيتي التي تعمل خادمة؟، لم يكتفِ إيان بالإجابة، بل سحب الكتاب من يد كاين ووضعه بين يدي بيتي، وكان عنوانه تاريخ الإمبراطورية، نظرت بيتي إلى الكتاب صامتة، ثم رفعت عينيها إلى وجه إيان بتساؤل.
“كيف علمتَ أنني أجيد القراءة؟”
لم يكن يعلم أنها تجيد القراءة فحسب، بل يعلم أن خطها منسق وأنيق للغاية، كاد أن يقول لها إنها ربما تكون هي صاحبة الرسائل الكثيرة التي يحتفظ بها في درج مكتبه، صعدت هذه الكلمات إلى حنجرته، لكنها تلاشت قبل أن تخرج.
“… كاين لا يقرأ بالتأكيد، ولا أحد غيركِ هنا، أليس كذلك؟”
“آه، في الواقع، هذا الكتاب كان مما تبحث عنه الآنسة مؤخراً، ولكن… هل يُسمح بأخذ كتب القصر الإمبراطوري هكذا؟”
“سأتحدث أنا مع جلالة الإمبراطورة.”
على الأرجح، قد تلاحظ الإمبراطورة جانين أن إيان يطلب طلبات غريبة، لكنها لن تكترث لفقدان كتاب واحد من مكتبتها.
“شكراً لك، سمو الأرشيدوق.”
منذ اللحظة التي ذكرت فيها الكتاب، حافظت بيتي على هدوئها التام دون أي أثر للارتباك، وبينما كان إيان يراقب تعبيرات وجهها بدقة، مرّ بقلبه شعور غامض بخيبة أمل لم يستطع تفسير أسبابه.
“بيتي، هل أنتِ هنا؟، سمو الأرشيدوق…”
في تلك اللحظة، قطع هذا الصمت الذي خيّم عليهم شخصٌ دخل فجأة، اندفعت ابنة الدوق فيفيان شارتيه كالإعصار بشعرها الأحمر المتطاير، وما إن التقت عيناها بإيان حتى توقفت، ورسمت ابتسامة بدت للجميع مصطنعة.
“أوه، سمو الأرشيدوق، لقد جئت.”
كانت نبرة صوتها العالية تفيض بتصنّع الترحيب، في المقابل، كانت خطواتها وهي تقترب من بيتي تعكس ترحيباً صادقاً وودوداً، نظرت ابنة الدوق إلى الكتاب الذي تحمله بيتي وقالت بنبرة ودودة.
“ما هذا الكتاب؟، هل ستقرئينه؟، هل هو ممتع…”
“إنه الكتاب الذي كنتِ تبحثين عنه، أليس كذلك يا آنستي؟”
راقب إيان بيتي وهي تمسك بذراع فيفيان وتؤكد عليها بسؤالها، وبدا له المشهد أقرب لعلاقة صديقتين متساويتين منه لعلاقة خادمة بسيدتها.
“… آه، ذلك الكتاب، بلى، هذا صحيح، هذا هو الكتاب الذي أردتُ قراءته.”
بدت حركة فيفيان وهي تأخذ الكتاب وكأنها دمية تتحرك بتصلب، وبدا الأمر برمته غير طبيعي، كانت بيتي أيضاً في داخلها تشعر بارتباك كبير؛ فبعد إرسالها للرسائل، لم تكن تتذكر بوضوح كل ما كتبته طوال تلك الأشهر، رغم أنها جلست مع فيفيان ليلة أمس تسترجعان الذكريات.
‘هذا كل ما أتذكره تقريباً.’
‘أنتِ مذهلة حقاً!، هل قرأ الأرشيدوق كل هذه التفاصيل اليومية المملة؟’
‘… لا أعرف، ربما.’
‘لو لم يقرأها، لما جاء هنا متوقعاً أن أستقبله بكل هذه الحفاوة.’
بدا أن الأرشيدوق إيان ديفان يتذكر تفاصيل الرسائل بدقة أكثر مما توقعت، سطراً سطراً، ومع أن دفء تعامله أثار في قلبها المشاعر، إلا أنها شعرت بمرارة مألوفة، هل سيأتي اليوم الذي تستطيع فيه الاعتراف له بأنها هي من كتبت كل ذلك؟
كانت تعلم أنها لا يجب أن تأمل في ذلك، ومع ذلك، رغم إدراكها أن بقاء الحقيقة مخفية هو الأفضل للجميع، إلا أن هذه الأفكار كانت تباغتها دوماً.
“آنستي، هل انتهى حديثكِ مع جلالة الإمبراطورة؟”
“نعم، لقد انتظرتِ طويلاً، لا بد أنكِ مللتِ.”
“كلا، لا بأس.”
“لقد طلبت مني جلالة الإمبراطورة أن نلتقي سوياً إن أتى سمو الأرشيدوق، فكرتُ في العودة للقصر إن لم يكون قد وصل بعد…”
رأى إيان تعبيراً من الامتعاض الشديد يمر على وجه فيفيان.
“بما أنك هنا، فلنذهب لرؤية الإمبراطورة معاً.”
مدت فيفيان ظهر يدها بوقار للأرشيدوق، وهي تنظر إليه بنظرات غامضة، ولم تكن بتلك القسوة التي قابلته بها في أول لقاء بينهما.
‘ولكن، رغم ذلك…’
كان إيان يجيد دائماً قراءة ما يفكر فيه الآخرون تجاهه عاطفياً؛ مهارة اكتسبها من سنوات الحرمان والنبذ التي عاشها كابن غير شرعي، وحتى لو لم يلاحظ الأمور بوضوح في المرة الماضية بسبب اضطرابه وتوقعاته، إلا أنه هذه المرة استطاع رؤية المشهد بوضوح.
“لي الشرف بمرافقتكِ.”
أمسك إيان بيد فيفيان وفقاً للأصول، وفي تلك اللحظة، رسم استنتاجاً نهائياً حول فيفيان شارتيه التي ذكرته بنظرات والده -الأرشيدوق السابق- حين كان ينظر إليه.
كان واثقاً من أن خلف ذلك القناع الذي حاولت جاهدة رسمه من الود والمودة، لا يوجد في الحقيقة أي نوع من المشاعر تجاهه.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 17"