أخذت بيتي تفكر في كيفية التعبير عن فضولها تجاه الأرشيدوق ديفان بشكل طبيعي، وقررت أن تبدأ بقيادة الدفة نحو حوار اعتيادي.
“يمكنك التحدث معي دون كلفة يا سير كاين.”
“لا تشغلي بالكِ، فمعظم تابعي سيدي من أصول متواضعة، وكثيرون منهم من طبقات دنيا مثلي، فضلاً عن أن الأرشيدوق يكره قلة الأدب.”
“بدا لي أن الأجواء بينكم يسودها التحرر، لكن يبدو أن الأمر ليس هكذا تماماً.”
أجال كاين بنظره في أنحاء الغرفة الواسعة وهو يتفقدها، ثم التفت مجيباً
“الحرية والالتزام بالقواعد أمران منفصلان، وعلاوة على ذلك، لقد قطعتُ وعداً لابنة الدوق، فكيف لي أن أقصر في أداء مهمتي؟”
كانت نبرة كاين تعكس مزيجاً من القرب الودي والاحترام العميق تجاه الأرشيدوق، راقبت بيتي وقفته اليقظة وهو يقترب من النافذة الضخمة ليراقب ما في الخارج، وبسبب تلاشي توترها، خرج صوتها بنبرة أكثر خفة.
“لا أظن أن هناك من سيأتي لاغتيالي خصيصاً.”
“مراقبة المحيط عادة متأصلة فيّ، لذا لا تلتفتي لما أفعله.”
“حسناً، سأجلس هنا قليلاً إذن، آه، هناك خزانة كتب هنا.”
“هل تجيدين القراءة؟”
كان من الواضح أن الكتب لم تكن سوى للزينة، بالنظر إلى طبقة الغبار الخفيفة التي تراكمت على أعقابها، تفحصت بيتي المجلدات السميكة بعناية وأجابت بعفوية.
“أجيد الكتابة أيضاً.”
“إذن أنتِ موهبة تفوق نصف جيشنا كفاءة، إذا طُردتِ من منزل شارتيه يوماً، فتعالي للعمل في مقاطعة الأرشيدوق، سنجد لكِ منصباً بالتأكيد.”
“هل هناك الكثيرون ممن لا يجيدون القراءة والكتابة؟”
“أليست هذه حال من يبدأ حياته من القاع السحيق؟، كما أن سيدي ليس من النوع الذي يمنح ثقته بسهولة، لذا نحن نعاني دائماً من نقص في الموظفين.”
“وهل أنا أبدو كخادمة جديرة بثقة الأرشيدوق؟”
“على أي حال، الآنسة وسيدي سيصبحان زوجين.”
كان رد كاين بنبرة خفيفة توحي بأن دعوته لها للعمل عند الأرشيدوق كانت مجرد دعابة عابرة؛ إذ كان من المعتاد أن تتبع بيتي بصفتها الخادمة المقربة ابنةَ الدوق إلى منزل زوجها المستقبلي.
“… آه، هذا صحيح.”
فكرت بيتي أنه إذا كان هذا هو حال كاين، صديق الأرشيدوق المقرب، فلا بد أن رغبة الأرشيدوق مماثلة، وإذا كان لا بد لـفيفيان أن تتزوج يوماً ما بصفتها ابنة دوق، فقد شعرت بيتي أن الأفضل لها هو رجل مثل إيان ديفان.
‘على الأقل، يبدو كشخص سيحترمها ولن يتجاهلها…’
بعد ذلك، بدأ كاين يغير مواضيع الحديث بمرونة، متطرقاً بين الحين والآخر إلى قصص عن الأرشيدوق ومقاطعته، استمعت بيتي باهتمام، مكتفية بالإيماء برأسها أو التعليق بكلمات بسيطة لتشجيعه على المتابعة.
“مستحيل!، هل يخوضون حقاً معركة كرات ثلج بهذا الأسلوب الصبياني؟”
أكد كاين بإصرار كيف ينقسم فرسان الأرشيدوق إلى فريقين لخوض معركة بالثلج في الأيام شديدة الهطول، لم تستطع بيتي حبس ضحكتها وهي تتخيل الفرسان بدروعهم الكاملة وهم يتقاذفون كرات الثلج في مشهد مضحك.
“هل أحكي لكِ قصصاً أخرى؟، رؤية هذه الكتب ذكرتني بـ…”
ومع ازدياد الأجواء أريحية، استرسل كاين في الحديث بحماس مستخدماً حركات جسدية درامية لتلوين حكاياته، وبسبب ذلك، وبينما كانت بيتي تجلس مسترخية تضحك بعفوية، تلاقت عيناها مباشرة مع عيني الأرشيدوق إيان ديفان الذي دخل الغرفة فجأة بعد فتح الباب.
“سيدي، لقد وصلت.”
بينما كان السير كاين يحييه، استوعبت بيتي الموقف بصعوبة، فهبت واقفة بسرعة وحنت رأسها باحترام.
“… سمو الأرشيدوق.”
لم يأتِ رد، وعندما رفعت رأسها مجدداً، وجدته واقفاً بلا حراك، يرمقها بعينيه الكحليتين الثاقبتين.
* * *
تنهد إيان تنهيدة خفيفة وهو يكبح انزعاجاً طفيفاً بسبب تأخره عن زيارة القصر، في الواقع، لم يكن السبب أمراً جللاً، بل كان تفقد قصر الأرشيدوق الذي ظل مهملاً دون ترميم بسبب غياب صاحبه.
‘إذا سألتني عما يميزها، فهو بالتأكيد إجادتها للقراءة والكتابة.’
‘تجيد الكتابة؟’
‘نعم، لقد رأيتها تدون ما قلته لها، ولو رآها شخص غريب لظنه خط يد آنسة نبيلة تلقت تعليماً رفيعاً.’
كان يظن أنه مجرد عطف يبديه تجاه خادمة ابنة الدوق، وأنه لن يولي الأمر مزيداً من الاهتمام، لكن رغم ذلك، وجد نفسه يستوقف طبيبه الخاص الذي عاد من فحص خالة بيتي ليوجه له الأسئلة، والجواب الذي تلقاه عزز تلك الفرضية المستحيلة التي طرأت على ذهنه منذ أول حوار له مع بيتي.
‘الامرأة التي تبادلتُ معها الرسائل هي…’
كانت فرضية لا تُصدق؛ أن تكون الامرأة الذي تاق إيان ديفان لمقابلتها من وراء الورق ليست ابنة الدوق، بل امرأةً اخرى تماماً، لكن حقيقة إجادتها للكتابة كانت مجرد ميزة بسيطة، ولا بد أنه كان يبالغ في ردة فعله ويعطي الأمور أهمية أكبر مما تستحق.
حاول إيان تبرير الأمر لنفسه وهو يترجل من حصانه ويتفقد هندامه، بينما كانت ساقيه تمشي ببعض العجلة.
“نحيي سمو الأرشيدوق.”
اقتربت إحدى الوصيفات فور رؤيته يدلف إلى جناح الإمبراطورة وحيته.
“أين ابنة الدوق؟”
“جلالة الإمبراطورة رغبت في التحدث معها على انفراد، وهما الآن في خلوة، ينتظر هناك تابع سموك وخادمة الآنسة.”
“فهمت، إذن سأذهب لتحية جلالتها…”
كان ينوي تحية الإمبراطورة فوراً ثم الذهاب لرؤية الآنسة شارتيه، لكنه اضطر للتوقف للحظة بسبب صوت الحديث الهادئ القادم من داخل الغرفة التي أشارت إليها الوصيفة.
أشار إيان للوصيفة بالانصراف، وقبل أن يمسك بمقبض الباب ويفتحه، وجد نفسه ينصت دون وعي للصوتين بالداخل.
“… مستحيل.”
“عندما تصبح الآنسة زوجة الأرشيدوق، ستذهبين أنتِ أيضاً يا آنسة بيتي إلى المقاطعة، وحينها تأكدي بنفسكِ، أضمن لكِ ذلك.”
تعالت ضحكة بيتي المشرقة بنبرة مبهجة وحيوية، تلتها ضحكة كاين الجهورية، كان كاين يمتلك موهبة فذة في إذابة الحواجز بين الناس، لدرجة أن الإمبراطور نفسه كان يطلب استعارة هذا التابع المرح أحياناً.
لكن لم تكن تلك هي المشكلة؛ فبرغم كونه تفاعلاً عادياً، إلا أن شيئاً ما لم يرق لإيان.
“… لم يكن ليفعل… أبداً…”
“… سأخبركِ.”
حتى ذلك الصوت الذي انخفض فجأة وكأنهما يتشاركان سراً، أثار في نفسه ضيقاً غريباً، كان من الواضح أن الأفكار المشوشة التي سيطرت على عقله أثناء ركوبه الخيل قد استدعت مشاعر غير منطقية.
فتح إيان الباب فجأة ليقطع حبل أفكاره.
“سيدي، لقد وصلت.”
كان رد فعل كاين فورياً؛ فبينما كان يمد يده ليتناول كتاباً من رف عالٍ ليسلمه للخادمة، انحنى باحترام تام.
جابت عينا إيان غلاف الكتاب بغريزة، وكان عنوانه تاريخ الإمبراطورية، مما ذكره بفحوى إحدى الرسائل.
{- مؤخراً بدأ اهتمامي بالتاريخ يزداد وأحاول قراءة بعض الكتب، ومع اعتذاري للمؤلفين، إلا أن معظمها ممل للغاية لدرجة أنني اغفو وانا اقرأ.}
(ذي جديدة، مهي من الرسايل الي طلعت)
ولهذا السبب تحديداً، رشح لها إيان ذاك الكتاب، متذكراً أن الإمبراطور لويد ذكر ذات مرة أنه الكتاب الوحيد الذي لم يغلبه النعاس أثناء قراءته، في تلك اللحظة، رسم في مخيلته دون وعي صورة لامرأة ذات شعر أحمر طويل تدخل مكتبة قصر الأرشيدوق المهملة وتنبهر بمجموعتها الضخمة.
لكن الآن، خطر بباله فجأة أن الشعر البني قد يكون أكثر ملاءمة لذلك المكان من الشعر الأحمر.
“سمو… الأرشيدوق.”
عند سماع ذلك الصوت المرتجف الرقيق، استقر بصر إيان أخيراً وبشكل كامل على بيتي، أول ما لفت انتباهه كان عيناها اللتان اتسعتا بذهول، وتلاشت آثار الابتسامة التي كانت ترتسم على ثغرها بمجرد أن التقت عيناهما.
“أرجو أن تعذر وقاحتي.”
“… لسنا في مجلس رسمي بحضرة جلالة الإمبراطور، لذا لا داعي لكل هذا التكلف في حديثكِ.”
كان أسلوبها في تعديل وقفتها وحني رأسها بأدب لا يشوبه شائبة، لكن، لسبب غريب، لم يكن شعوره وهو ينظر إلى قمة رأسها المنحني مريحاً على الإطلاق.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 16"