“همم؟، لحظة واحدة، لا أدري أيهما يناسبني أكثر، هذا أم ذاك؟”
“كلاهما يناسبكِ تماماً.”
كان ذلك في الصباح الباكر من اليوم المحدد للذهاب إلى القصر الإمبراطوري لمقابلة الإمبراطورة رفقة الأرشيدوق، كانت فيفيان في حيرة شديدة بين فستان وردي فاتح وآخر أصفر مبهج.
“سأختار هذا إذن.”
بعد طول تفكير بدا جاداً للغاية، رفعت أخيراً الفستان الوردي الذي أخرجته أولاً، ثم رفعت رأسها لتتفحص وجه بيتي الواقفة بجانبها بملامح متجهمة.
“ما الخطب؟، هل سمعتِ أخباراً سيئة من مكانًا ما؟، هل تدهورت حالة خالتكِ؟”
أصبح وجه فيفيان جاداً هي الأخرى على الفور، فبسبب كثرة تساؤلات فيفيان عن عائلة بيتي، لم تجد الأخيرة مفراً من سرد قصص عائلتها واحدة تلو الأخرى، حتى أصبح ذكر خالة بيتي وابنة خالتها أمراً مألوفاً على لسان فيفيان.
“لا، هذا ليس الموضوع، إنه بخصوص الرسائل التي طلبتِ مني إرسالها إلى سمو الأرشيدوق.”
“وما شأنها؟”
“لقد كتبتها متظاهرةً بأنني أنتِ.”
“وهذا ما طلبتُ منكِ فعله بالضبط، أليس كذلك؟”
جاء ردها غير مبالٍ، وكأنها لا ترى في الأمر مشكلة تستحق الذكر، أدركت بيتي أنها لم تختر الكلمات المناسبة، فقالت بلهجة أكثر صراحة.
“في الحقيقة… لقد تظاهرتُ بأنني ‘أنتِ’ وكتبتُ كل ما جال بخاطري، تصرفتُ وكأنني أنا هي ابنة الدوق شارتيه.”
بدت فيفيان هذه المرة وكأنها تنصت بجدية أكبر، وضعت الفستان جانباً، وشبكت ذراعيها مقطبةً جبينها وهي تسأل.
“كتبتِ كأنكِ ‘أنا’؟، تقصدين أنكِ لم تقومي بمجرد التقليد، بل تبادلتِ معه الرسائل وكأنكِ تقمصتِ شخصيتي تماماً؟”
“… نعم، لقد كان سمو الأرشيدوق يتلقى رسائل تعبر عن مشاعري ومنظوري الشخصي، أعتقد أن زيارته المفاجئة كانت لأنه ظن أنكما اقتربتما كثيراً من خلال مشاركة الأفكار والمشاعر اليومية، وبما أن الواقع غير ذلك، فلا بد أنه استغرب الأمر.”
بصراحة، كانت بيتي ترى أنه حتى لو قررت فيفيان الآن سحب ثقتها منها وطردها فوراً، لكان ذلك تصرفاً رحيماً جداً بحقها، أغمضت عينيها بشدة وأطرقت رأسها، لكن لم يأتها أي رد من فيفيان.
فجأة، اخترقت ضحكة رنانة ومبهجة حاجز الصمت، كانت فيفيان تجلس على السرير وتضحك لدرجة أن عينيها اغرورقتا بالدموع.
“أهذا هو سبب كآبتكِ منذ الأمس؟، يا إلهي، يا للمفاجأة!”
تدحرجت فيفيان على السرير لتقترب من بيتي، ثم سندت ذقنها على يدها وقالت.
“لقد ظننتُ حقاً أنني اكتسبتُ سحراً مفاجئاً لم أكن أعرفه!، نظرات الأرشيدوق لي كانت تشكل ضغطاً رهيباً عليّ، قلتُ في نفسي: ‘هل رآني جميلة فجأة ووقع في حبّي؟’، إذن كان هناك سبب آخر بالفعل.”
تابعت فيفيان وهي غارقة في التفكير “لا عجب أنني شعرتُ بشيء غريب المرة الماضية، إذن لم تكن رسائل رسمية تطلعه على يومياتكِ فحسب؟”
“نعم… مع مرور الوقت، بدأتُ أكتب بـ… مشاعر… أكثر.”
“همم… مشاعر؟ؤ بمجرد رؤيتكِ أستطيع تخيل ما كتبتِ، لا ألوم الأرشيدوق إن شعر بالمودة تجاهكِ، فلا بد أنكِ كتبتِ برقة ولطف شديدين، وأنا لا أجيد هذه الأمور بتاتاً.”
“لقد كتبتُ له حتى عن أدق أفكاري الشخصية… ولهذا أعتقد أن سموه كان يحرص على الرد بين الحين والآخر.”
“ماذا؟، عندما قابلته بدا جافاً جداً ومختصر الكلمات فظننتُ أن طباعه سيئة، لكنه كان يملك من اللطف ما يكفي لفتح الرسائل وقراءتها بتمعن؟، يبدو رجلاً أفضل مما ظننت.”
كانت فيفيان تحلل الأمر بحماس وكأنها تتحدث عن شخص لا علاقة لها به، وعند رؤية ذلك، خطر ببال بيتي سؤال مفاجئ.
“… آنستي، ألسْتِ غاضبة مني؟”
“لا أدري، ليس حقاً، وهل هناك ما يدعو للغضب؟، أنا لا أكنّ أي مشاعر تجاه الأرشيدوق على أي حال، الجميع يقولون إنه وسيم، لكنني لا أميل لهذا النوع من الرجال.”
بدا على وجه فيفيان أنها وجدت قصة مسلية تكسر ملل صباحها الرتيب.
“ولكن سموه هو من يفترض أن تتزوجي به.”
“لقد قلتُ لكِ، كان هناك العديد من الرجال الذين ‘يفترض’ أن أتزوجهم سابقاً، أنا مجرد فتاة تنفذ ما تُؤمر به من أجل مجد عائلة شارتيه، إن قرروا أن هذا هو زوجي أقول ‘نعم’، وإن غيروه بآخر أقول ‘نعم’ مجدداً بكل طاعة.”
أجابت فيفيان بضيق ثم تمددت على السرير بالكامل، أمالت رأسها لتنظر إلى بيتي التي كانت لا تزال غارقة في جديتها.
“لا تقلقي، لن ألومكِ، حتى لو كنتِ قد كتبتِ له شتائم، لما اهتممتُ.”
“لماذا؟”
“هكذا فحسب، لأنني لا أحبّ أن تسير الأمور كما يشتهي أخي وأبي، أشعر برغبة في فعل عكس كل شيء، وبما أن أحداً لا يسألني عن رأيي مسبقاً، فليس أمامي خيار سوى التعبير عن نفسي بهذه الطريقة.”
بدت فيفيان، التي تعيش حياة ‘ابنة الدوق’ وكأنها مجبرة عليها، مثيرة للشفقة في بعض الجوانب، فرغم أنها تبدو وكأنها ولدت محظوظة بكل شيء، إلا أن ذلك لم يكن له معنى طالما أن عائلتها تحاول استغلالها بدقة، في الواقع، لم تكن تملك حرية الاختيار في حياتها الخاصة.
“من هذا المنطلق، ربما يجدر بأخي وأبي الثناء عليكِ ومكافأتكِ، ففي النهاية، لقد جعلتِ الأرشيدوق يهتم بي شخصياً، وهما من النوع الذي يهتم بالنتائج بغض النظر عن الوسائل.”
“… أنا آسفة.”
“لا داعي للاعتذار، إنها مجرد رسائل، بما أن الأرشيدوق قد يشعر بالإهانة إذا علم الحقيقة، سأحرص على ألا يمسكِ أي سوء، وحتى لو شكّ في أنني لستُ من كتبتها، فماذا عساه يفعل طالما أنني أتظاهر بالجهل التام؟، سيكتفي بالشك وينتهي الأمر.”
“إذن فلتبتهجي، لقد ظننتُ أن أمراً جللاً قد حدث!، من يراكِ يظن أنكِ أرسلتِ الرسائل من وراء ظهري، لا بناءً على طلبي.”
أمام ردة فعلها هذه التي تقبلت بها كل شيء، لم تجد بيتي بداً من الإيماء برأسها وهي ترسم ابتسامة باهتة، كانت فيفيان محقة، في النهاية كانت مجرد رسائل، وحتى لو اهتم الأرشيدوق بمحتواها في البداية، فإنه في النهاية سيركز على الشخص الذي يراه ويتحدث معه في الواقع.
* * *
كان ذلك قبيل الانطلاق إلى القصر الإمبراطوري بعد اكتمال الاستعدادات، أرسل الأرشيدوق ديفان مساعده السير كاين فقط، معتذراً عن الحضور بسبب أمر طارئ استلزم تدخله.
كان كاين بلا شك شخصاً مبهجاً واجتماعياً بطبعه، ولم يكن الجو محرجاً بفضله، إذ ملأ الصمت بالحديث عن تفاصيل رحلتهم إلى العاصمة.
“جلالة الإمبراطورة ترغب في مقابلة الآنسة فيفيان على انفراد.”
لكن غياب الأرشيدوق جعل مهمة مقابلة الإمبراطورة تقع على عاتق فيفيان وحدها، لاحظت بيتي لمحة من التوتر تمر على وجه فيفيان فور سماعها ذلك، فسألتها بحذر.
“آنستي، هل ستكونين بخير؟”
“أنا بخير.”
ارتدت فيفيان قناع ابنة الدوق المتعالية والمتكبرة مجدداً، وتفحصت ثنيات فستانها، ثم التفتت فجأة نحو بيتي وقالت.
“إذا حاول أحد مضايقتكِ، هدديهم باسمي.”
“آنستي، مَن قد يفعل ذلك؟، نحن في القصر الإمبراطوري.”
“لهذا السبب تحديداً أقول لكِ ذلك، هناك الكثيرون ممن لا يجرؤون على مهاجمتي علانية، لذا يتحرقون شوقاً لمهاجمتي بطرق أخرى، مشكلتكِ أنكِ ترين العالم بنقاء مفرط.”
حتى وإن أصبحت أكثر لطفاً مؤخراً، فإن طباعها الأصلية لم تكن لتختفي بسهولة، كان أسلوبها المباشر لا يزال كما هو، وهي تقطب أنفها لبيتي بنظرة تقول: ‘أنا قلقة عليكِ لطيبتكِ الزائدة’.
“سأحميها يا آنستي، لا تقلقي.”
“… سأعتمد عليك.”
خلافاً لتعاملها مع بيتي، كانت فيفيان تتعامل ببرود وتحفظ مع كاين، وبدا عليها عدم الارتياح من وجوده، ربما لأن حقيقة كونه فارساً ذكرها بـرودريك، فارس منزل الدوق وحبيبها السابق، خرجت من الباب وهي تنظر إلى كاين بنظرة غير راضية.
بمجرد خروجها، التفت كاين نحو بيتي وقال مبتسماً “يبدو أنكِ مقربة جداً من الآنسة.”
“هذا لأنني أخدمها عن قرب.”
“تصريحكِ هذا يذكرني بعلاقتي مع سمو الأرشيدوق، كنتُ أظن أنه لا يوجد وجه شبه بينهما إطلاقاً، لكن يبدو أن سيدي والآنسة يتشابهان في بعض الجوانب.”
ساد جو من الارتباك المفاجئ، وأرادت بيتي إنهاء الحديث سريعاً، لكن بمجرد ذكر الأرشيدوق، عاد الفضول ليتملكها، فرغم تبادل الرسائل، لم تتلقَّ منه ردوداً إلا نادراً، وظلت معرفتها بالأرشيدوق ديفان محدودة للغاية.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 15"