ظلّ كاين، مساعد الأرشيدوق إيان ديفان، يحدق طويلاً في المقعد الفارغ حتى بعد مغادرة ابنة الدوق، لاحظ إيان تعبيرات وجه كاين المريبة فسأله.
“كاين، ما الخطب؟”
“لقد رأيتُ شيئاً غريباً قبل قليل.”
قطب كاين جبينه بوضوح وهو يتجه نحو الخارج، وبدت عليه علامات الانزعاج “ذلك الخاتم الذي كانت ترتديه ابنة الدوق… لم تكن ترتديه منذ البداية، بل دسته الخادمة في يدها.”
رد إيان، رغم شعوره بضيق مفاجئ في صدره فور نطق الكلمات “ليس بالضرورة أن ترتدي هديتي في كل وقت، ربما ظنت أنها يجب أن تُظهر لي بعض المودة حين علمت بقدومي.”
“قد يكون ذلك صحيحاً، ولكن… كان من المريب حقاً كيف أصرت الخادمة بإلحاح وهي تضع الخاتم في يدها وتوصيها بارتدائه.”
لم يكن الأرشيدوق ليلومها على عدم ارتداء خاتم واحد، لذا كان من المستغرب أن توقفها الخادمة بتلك العجلة وتتأكد من ارتدائها له قبل أن تكملا نزول الدرج.
تمتم إيان “… ربما بدوتُ لها كشخص قد يستاء من أمور تافهة كهذه.”
“مستحيل، إذا كان ما قلته عن الرسائل المتبادلة بينكما صحيحاً، فلا أحد غير جلالة الإمبراطور يجرؤ على التعامل معك يا سيدي بكل تلك الأريحية سوى ابنة الدوق.”
كما قال كاين، كان إيان يعتقد أنهما وصلا على الأقل إلى مرحلة من الحوار الصريح والودي، لكن موقف الآنسة شارتيه المتصلب لم يحمل ذرة من الدفء والبهجة التي كان يلمسها في رسائلها.
بدأ يتساءل إن كان قد أساء التصرف في لقائهما قبل قليل، تذكر فجأة كيف كان الجميع، من الإمبراطورة جانين إلى الإمبراطور نفسه، ينتقدون طريقته في التعامل مع آنسات الطبقة النبيلة ويصفونها بالخاطئة من الألف إلى الياء، ومع ذلك، وجد صعوبة في تحديد خطئه أو إيجاد سبيل لإصلاحه.
‘هل كان خطئي هو زيارتها فجأة في وقت متأخر؟’
بدا له أن هذا هو التفسير الأرجح، وبينما كان يهمّ بركوب جواده بقلب مضطرب، تذكر حقيقة نسيها على غير عادته.
“كاين، عُد وأخبر رئيس الخدم أن لديّ أمراً يجب إبلاغه لابنة الدوق، واسأله إن كان بإمكانها الخروج للحظة.”
“حاضر، سمعاً وطاعة.”
كان بإمكانه إرسال الرسالة مع كاين، لكن عادته في التأكد من إتمام كل شيء بدقة لم تسمح له بذلك، شعر أنه لن يطمئن إلا إذا رأى رئيس الخدم يؤكد له إيصال الرسالة شخصياً.
ولكن، بينما كان ينتظر، لم يكن رئيس الخدم هو من خرج من القصر مع كاين، بل كانت تلك الخادمة ذات الشعر البني التي لفتت انتباهه بشكل غريب منذ قليل.
قالت الخادمة وهي تغض بصرها بهدوء “سمو الأرشيدوق، علمتُ أن لديك أمراً تود إبلاغه للآنسة، إذا أخبرتني به، فسأحرص على نقله إليها فوراً.”
جذب انتباهه أسلوبها الهادئ في الحديث، تجمّد إيان للحظة قبل أن يجيب بتأخر طفيف “أخبريها بوجوب مرافقتي إلى القصر الإمبراطوري خلال بضعة أيام، جلالة الإمبراطورة ترغب في لقائها.”
“علمتُ بذلك.”
انحنت الخادمة بأدب وظلت مطرقة الرأس، فجأة، راوده شعور بالرغبة في رؤية عينيها بوضوح، فأضاف متكلفاً الحديث “سأرسل شخصاً لإبلاغكم بالتاريخ والوقت المحددين.”
“سأبلغها بذلك.”
وعندما طال صمت إيان دون رد، رفعت الخادمة رأسها أخيراً، كان في عينيها البنيتين الصافيتين مزيج من التساؤل والقليل من القلق “هل هناك شيء آخر تود إبلاغه للآنسة؟”
“لا، لا شيء.”
لم يستطع إيان فهم ما الذي يريده حقاً بوقوفه هكذا محدقاً بها، ولأنه شعر بالذنب لوقوف خادمة بملابس خفيفة في هواء الليل البارد، همّ بصرفها، لكن الخادمة بادرت بالحديث بحذر وهي تتردد كأن لديها ما تقوله.
“سمو الأرشيدوق، شعرتُ أنني لم أشكرك بشكل لائق قبل قليل… أردتُ أن أشكرك على عرضك للمساعدة.”
كان شكرها مهذباً، وبدا واضحاً أنها اختارت كلماتها بعناية بعد تفكير طويل.
“لا داعي للشكر، طبيبي الخاص ليس لديه الكثير ليفعله عادة، والأمر لا يستحق كل هذا الامتنان.”
كان يطيل الحديث عمداً لترك مجال لمواصلة الحوار، متعيداً صياغة جملة تجعل الرد عليها سهلاً، لم يدرِ أكان يفعل ذلك ليعرف المزيد عن ابنة الدوق، أم أن هناك شيئاً آخر كان يخبره به حدسه.
ترددت الخادمة مرة أخرى ثم قالت “سمعتُ أنك قدمت لتوك من الشمال، هل أنت بخير؟، لقد سمعتُ أن الشمال شديد البرودة.”
كان سؤالاً يجس النبض بحذر.
تدخل كاين عند ذكر الشمال قائلاً “لا يمكن تسمية المرء بفارس من الشمال إذا سقط مريضاً بسبب عاصفة ثلجية تحجب الرؤية.”
ابتسمت الخادمة بيتي دون وعي، لكن بمجرد أن تلاقت عيناها مع عيني إيان، استعادت تعبيراتها الرسمية بسرعة، شعر إيان بالأسف لتلاشي تلك الابتسامة الباهتة عن وجهها بتلك السرعة.
“يبدو أن الثلوج الكثيفة قد تراكمت بالفعل في الشمال، كنت أتطلع لرؤية الثلج في العاصمة أيضاً، لكنه لم يهطل بعد.”
{—حيث توجد أنت، سموك، ربما تكون الثلوج الغزيرة قد تراكمت بالفعل، أليس كذلك؟}*
(جزء من رسالتها في الفصل الثامن)
تسمّر إيان في مكانه وحدق في الخادمة مرة أخرى؛ فأسلوبها في الحديث كان مألوفاً بشكل يبعث على الريبة.
“ولكن على أية حال، أنا سعيدة لأنك بخير الآن.”
{—وأتمنى لك السلامة.}*
(جزء من رسالتها في الفصل الثاني)
كانت جملة عادية، لكن بشكل غريب، تداخلت كلمات بيتي مع محتوى الرسائل في ذهنه كأنها صدى لها، لم يستطع إيان أن يشيح بنظره عن بيتي، التي كانت ترمش بعينيها البنيتين الدافئتين وتبتسم مرة أخرى.
شعر وكأنه أخيراً وجد ذلك الترحيب الدافئ الذي كان ينتظره ضمناً عند قدومه للعاصمة.
في تلك اللحظة، صهل الجواد، مكسراً الصمت الهادئ الذي ساد بينهما، ولأن بيتي كانت متوترة، جفلت بشكل مبالغ فيه وتراجعت للخلف، وكادت أن تسقط لولا تلك اليد القوية التي امتدت في لمح البصر لتمسك بذراعها وتسحبها.
“آه… شكراً لك.”
حتى بعد أن أنزل يده، بدأت نظرات الأرشيدوق التي ترمقها بصمت تشكل عبئاً عليها، كانت عيناه توحيان وكأنه يخترق أعماق من أمامه.
“… هل كنتِ تعلمين بشأن إصابتي؟”
يا للمصيبة!، كان هذا أمراً غفلت عنه هي وفيفيان، فالحقيقة بشأن إصابة الأرشيدوق التي نُقلت من الإمبراطور إلى منزل الدوق لم تكن أمراً يفترض بخادمة بسيطة أن تعرفه.
“ذلك… هذا…”
فكرت: هل أنكر؟، لكن كان من الصعب القول إنها علمت بالأمر عندما ذكرت ابنة الدوق الإصابة قبل قليل، لأن فيفيان كانت قد تحدثت عن الأمر أمامها بلا مبالاة تامة.
“لقد كانت الآنسة قلقة جداً على سمو الأرشيدوق، لذا تحدثت معي عن الأمر، أرجوك لا تلمها.”
“أنا لا أحاول لومها، إنما فقط…”
توقف إيان عن الكلام، لم تكن الإصابة التي شُفيت منذ زمن هي المهمة، لكنه لم يستطع أن يصارحها بأن الكلمات والجمل التي اختارتها تثير في نفسه شعوراً بالألفة لم يجده في حديثه مع ابنة الدوق.
كان أمراً غير منطقي، هل يمكن أن تكون الخادمة هي من كتبت أو صححت لها تلك الجمل في الرسائل؟
ولكي يقطع دابر هذا الشك الغريب، اختار إيان سؤالاً محدداً “هل كنتِ حاضرة عندما كانت ابنة الدوق تكتب الرسائل؟”
أدركت بيتي حينها فقط السبب الذي دفع الأرشيدوق لجر الحوار إلى هذا المنحى، لا بد أنه شعر بالتناقض بين صاحبة الرسائل وبين ابنة الدوق التي التقاها للتو.
شددت قبضتها على تنورتها حتى انغرزت أظافرها في راحة يدها، واستعادت وعيها بحدة.
‘كان يجب أن أسمع رسالته وأدخل فوراً، لماذا بقيت هنا…’
أدركت متأخرة أن استمرارها في الحديث مع الأرشيدوق كان قراراً خاطئاً، وأن رغبتها في إجراء حوار حقيقي معه ولو لمرة واحدة قد عرضها لخطر لم تحسب له حساباً.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 13"