‘سُرقت؟’ رمشتُ بعينيّ عدة مرات إثر كلمات ريدن ونظرتُ إلى سيون. بدت على وجهه الجامد ملامح حيرة طفيفة لكنها واضحة.
عندما لم يتلقَّ ريدن إجابة، أطلق زفيراً قصيراً وتابع حديثه:
“إن كنت تنوي القول بأن تلك القطعة الوحيدة التي كان يحملها الكونت سيريوس هي المفقودة فقط، فتوقف وكن صادقاً. عليّ أن أكون مستعداً أو أفعل شيئاً ما.”
فجأة، قطب ريدن حاجبيه بعد أن كان يتحدث بهدوء: “إذاً لماذا لم تكتب ذلك بوضوح في التقرير؟ كيف يمكنك التستر على الأمر أمام العائلة الإمبراطورية…”
“…”
“أليس لديك لسان لتتحدث؟ قل شيئاً. متى وأين وكم عدد القطع التي سُرقت؟ أم أنها فُقدت ببساطة ولم تُسرق؟”
بدا ريدن غاضباً حقاً. لزمتُ الصمت ولم أعرف ماذا أفعل، حينها أطلق سيون تنهيدة عميقة.
“مباشرة بعد إخضاع تنين الرياح، اختفت بعض شظايا عظامه. وكأن أحدهم أخذها قطعة قطعة. كانت الكمية المفقودة ضئيلة مقارنة بالحجم الأصلي للعظام؛ فبسبب ضخامتها، لن يلاحظ أحد اختفاء تلك القطع.”
“وهل هذا هو السبب؟ هل ظننت أن العائلة الإمبراطورية لن تكتشف الأمر فلم تبلغ عنه؟”
“… قمنا بفحص شظايا العظام الأخرى على الفور. وعندما علمنا أن خمس قطع، بما في ذلك القطعة الملوثة، قد اختفت، تناقشتُ مع ديوين حول ما إذا كان ينبغي لنا إبلاغ العائلة الإمبراطورية أم لا.”
“وكانت نتيجة النقاش هي عدم الإبلاغ؟”
عقّب ريدن بسخرية وكأن الأمر مثير للضحك. بطريقة ما، وجدتُ نفسي أتنصت على محادثة مهمة، فبقيتُ ساكنة لا أدري ماذا أفعل، وشعرتُ وكأنني أجلس على جمر.
‘أرى ذلك. سُرقت عظام التنين… ومع ذلك، لم يبلغ فرسان هيوغو عن الأمر.’
تذكرتُ تقريرهم الذي رأيته قبل بضعة أيام، فاسترقتُ النظر إلى ريدن.
بالتأكيد، لم يذكر ذلك التقرير سوى إخضاع التنين، ولم يشر إلى سرقة أي شيء. لا بد أن ريدن قد ذُهل لرؤية عظام التنين فجأة بين يدي شخص عادي.
فتح سيون شفتيه أخيراً بعد صمت طويل. كانت عيناه الزرقاوان باردتين كالشتاء.
“يجب ألا نكون مقيدين بالعائلة الإمبراطورية، أيها الماركيز.”
“…”
“إذا عُرف هذا الأمر، فإن جلالة الملك، الذي يريد جعلنا أداة ملكية، سيحاول إخضاعنا لسيطرته تماماً. أليس كذلك؟”
“… لا يمكنني إنكار ذلك.”
“لذا قررنا الصمت. ومع ذلك، لم نستطع الوقوف مكتوفي الأيدي، فقسمتُ الفرسان إلى مجموعتين؛ واحدة مسؤولة عن تتبع عظام التنين، والأخرى مسؤولة عن إخضاع التنانين.”
قطب ريدن حاجبيه بشدة، فتنهد سيون وتابع:
“بما أننا عملنا في مجموعتين، فنحن لا ندعي أننا قمنا بما يكفي. وإذا عاقبنا جلالته على ذلك، فسنقبل العقاب برحابة صدر. لكننا لن نكتفي بالبحث عن العظام، بل سنخضع بقية التنانين أيضاً…”
“أنت مجنون حقاً. لن يتبقى سوى القليل من التنانين في العالم لأنك تواصل إخضاعها. لماذا أنت مهووس جداً بقتال التنانين؟ لا يوجد شيء أهم من جمع عظام التنين الآن.”
كان كلامه حاداً، لكن كلمات ريدن كانت منطقية. لم يجب سيون؛ فتنهد ريدن مرة أخرى.
“اعتبر نفسك محظوظاً لعدم وقوع ضحايا اليوم. وعليك أن تجهز أعذارك بشأن سرقة عظام التنين، وأحداث اليوم، وما سيأتي لاحقاً. ألا تعلم أن جلالة الملك ليس شخصاً هيناً؟”
غرق سيون في أفكاره، وأصبح تعبير وجهه ثقيلاً ومهموماً.
شعرتُ بالأسف تجاهه بطريقة ما، لذا خفضتُ حاجبيّ، لكن ريدن نظر إليّ هذه المرة بنظرة حادة. وبينما كنتُ أجفل من هيبة نظرته، غطيتُ فمي بقبضتي ونظرتُ إليه، فضاقت عينا ريدن أكثر قليلاً.
“ما هذه الوضعية؟”
“أنا أتصرف بلطافة، فلا تغضب.”
عند سماع كلماتي، فتح ريدن فمه قليلاً وكأنه عجز عن الكلام، ثم أرخى أخيراً تشنج جبهته.
“إذا بدا أحدهم غاضباً، فلا تداهنيه، بل قولي له ببساطة ألا يغضب. لماذا تحاولين التودد للطرف الآخر؟”
“واااه. ريدن قلق عليّ. أنا سعيدة جداً لأنك قلق لدرجة أنني سأفكر في إيذاء نفسي مستقبلاً.”
نظر إليّ ريدن على الفور بازدراء. ومع ذلك، لم ينفِ قلقه حتى النهاية.
وبينما كنتُ غارقة في سعادتي وأضحك كالحمقاء، نادى أحدهم اسمي من بعيد.
كان صوتاً صافياً ورقيقاً، استطعتُ تمييزه دون أن أنظر؛ لقد كانت أنستازيا.
لا بد أنها جاءت فور سماعها الأخبار. كانت على وشك البكاء وهي داخل العربة التي بدا أنها وصلت للتو، ثم ترجلت منها بسرعة وكأنها ستسقط، وركضت دون أن تبالي بنظرات الآخرين.
تمتمتُ في سري وأنا أرى هذا المشهد الذي يشبه فصلاً من رواية: ‘أوه، يجب أن أقولها.’
وبينما كنتُ أنظر إلى شعرها الفضي المتطاير وعينيها الذهبيتين الدامعتين، عاهدتُ نفسي: ‘فلنتحدث اليوم. سأعتذر لها لأنني ضربتها، وأشكرها لمساعدتها لي بالأمس.’
عندما ظننتُ أنني سأموت بسبب ذلك الكائن الهجين، ندمتُ لأنني لم أعتذر لها ولم أشكرها، لذا فكرتُ في فعل ذلك قبل أن أندم أكثر. ‘سأعتذر، وسأقول لها شكراً.’
ولكن في تلك اللحظة.
*تيرينغ.*
اخترق أذنيّ صوتٌ لم أرغب في سماعه أبداً.
فشلت المهمة!
فشلت المهمة!
‘بدلاً من قتل أشخاص آخرين، قتلتِ مخلوقاً غريباً.’
سحبتني نافذة حمراء ظهرت أمامي من أحلامي إلى الواقع. قلبي الذي كان يدفأ للتو، برد في لحظة. ‘صحيح. كانت لدي مهمة.’
لقد نسيتها لفترة طويلة، لذا لم أشعر أنها حقيقية. للحظة، شعرتُ بتوتر شديد، وقطبتُ حاجبيّ دون وعي. وبعد فترة وجيزة، رنّ صوت آخر، وفي الوقت نفسه ظهرت نافذة جديدة.
*تيلينغ.*
تُفرض عقوبات لفشل المهمة.
– العقوبة: سيبوكو (شق البطن) – °°السيبوكو هو طقس انتحار ياباني قديم للساموراي يعتمد على شق البطن لاستعادة الشرف أو تجنب العار.°°
– الوقت: ؟ –
ماذا…؟
سيبوكو؟
ظهرت علامة استفهام في رأسي تماماً مثل تلك العائمة بجانب الوقت. ‘شق البطن… هذا؟’
كنتُ أظن أن العقوبة ستكون مجرد حمى أو ارتفاع في درجة الحرارة على الأكثر، لذا شعرتُ بارتباك شديد.
في تلك اللحظة، التقت عيناي بعيني سيون عبر النافذة الحمراء. كانت عينا سيون متسعتين أكثر من أي وقت مضى، وبدا متفاجئاً أكثر مني. ‘ولكن سيون… يبدو وكأنه ينظر إلى نافذة المهمة هذه…’
لم تدم الفكرة طويلاً. فبمجرد اختفاء نافذة المهمة، شعرتُ بألم في معدتي أشد من أي وقت مضى. لم يكن الشعور بالاحتراق كافياً لوصفه، بل شعرتُ بإحساس واضح بتمزق في أحشائي، ألم مبرح لا يطاق.
‘مـ-ماذا. إنه يؤلم كثيراً. يؤلم جداً. يا إلهي، أظن أنني سأموت…’
لم أستطع حتى الصراخ من شدة العذاب. وفي اللحظة التي أغمضت فيها عينيّ بشدة، تدفقت الدماء من فمي قبل أن أدرك ذلك.
“رينيه!”
بمجرد أن سمعتُ صوت أنستازيا المذعور، غطيتُ فمي على عجل. لكن ذلك لم يكن كافياً، فالدماء التي اندفعت بقوة سالت من بين شفتيّ ومن بين أصابعي حتى وأنا أغلق فمي بإحكام.
“كـ…”
بينما كانت الدماء تتدفق بغزارة، راحت تتساقط على الأرض في كتل متخثرة. وبدا لي وكأن ذلك الدم القاني قد صبغ رؤيتي باللون الأحمر الساطع.
شعرتُ وكأن وعيي يغيب عني. ‘كيف يمكن أن يحدث هذا؟ كيف…؟ لماذا لا تقتلونني فحسب وتنهون الأمر؟’
لعنتُ تلك المهمة الأكثر إثارة للاشمئزاز مرات لا تحصى، وفقدتُ كل قواي. ثم تحولت الرؤية الحمراء الساطعة إلى سواد تام.
°°°°°
[وجهة نظر الشخص الثالث]
سادت حالة من الفوضى والاضطراب عندما انهارت وهي تتقيأ دماً. لم يقوَّ أحد على الحراك بسهولة؛ وحده ريدن كان يمسك بها بين ذراعين حين سقطت.
مدت أنستازيا يديها المرتجفتين نحو بطنها، حينها قام ريدن -الذي كان صامتاً وكأنه فقد صوابه- بنفض يد أنستازيا بعيداً.
قالت أنستازيا بذعر وهي على وشك البكاء:
“لورد ريدن… علينا استخدام سحر الشفاء بسرعة… رينيه ستموت هكذا…”
“…لن يجدي نفعاً على أية حال.”
“ماذا…؟”
“السحر لا يعمل على هذه الفتاة. لقد كانت هكذا منذ صغرها؛ في كل مرة تمرض فيها، لا ينفع معها سحري الشفائي ولا حتى القوة المقدسة. لا فائدة من المحاولة.”
كان صوت ريدن بارداً وفاتراً، وكأنه يخلو من أي مشاعر.
أما سيون -الذي كان ينظر بذهول- فقد جثا على ركبتيه بجانب ريدن وأنستازيا وتفقد نبض معصمها على الفور.
“ومع ذلك… لا يمكننا البقاء هكذا. يجب استدعاء طبيب الآن…”
“ماذا، ما الذي يحدث؟”
في تلك اللحظة، اقترب ديوين الذي كان قد ذهب لإحضار السيف العظيم.
جفل ريدن واحتضنها بقوة، بينما كانت أنستازيا تراقبه بنظرات حادة. شعر ديوين بضغط هائل جراء الحذر الشديد المتبادل بينهما؛ بدا وكأنهما سيهجمان عليه لو تحرك من مكانه.
حدقت أنستازيا في ديوين بعينين دامعتين، ثم قبضت على يديها المرتجفتين وأدارت رأسها بصعوبة.
“لورد ريدن… يجب أن نفعل شيئاً بسرعة… آه، أجل… نادوا إيدن. هو سيتمكن من علاج رينيه.”
لم يأته رد من ريدن؛ فقد ظل يحدق في وجهها الشاحب وكأنه مسحور أو غائب عن الواقع.
عند ذلك، شددت أنستازيا قبضتيها وفعلت شيئاً لم تكن لتتخيله في الظروف العادية؛ فقد وجهت لكمة قوية إلى وجه ريدن.
وصرخت أنستازيا بحدة:
“استيقظ، أرجوك!”
“…”
“كيف فعلتُ ذلك؟ لماذا تقف عائلة رينيه مكتوفة الأيدي!”
انهمرت الدموع التي تجمعت في عيني أنستازيا أخيراً، وانقبض وجهها من شدة الألم.
“إذا ماتت رينيه فسأقتلهم جميعاً. سأقتلهم كلهم هذه المرة!”
غطت أنستازيا وجهها بيديها وانفجرت بالبكاء بعد صراخها. حدق ريدن في أنستازيا بفراغ، ثم خفض بصره مرة أخرى.
وجهها الشاحب، وفمها الملطخ بالدماء، وعنقها… كان هناك شيء مألوف في مظهرها جعله يشعر بعدم الارتياح، وهو أنها كانت لا تزال تتنفس.
لم يهم لماذا بدا الأمر مألوفاً؛ المهم هو أنها تتنفس. عندها فقط، صفا ذهنه وكأن ضباباً كثيفاً قد انقشع. ابتلع ريقه ورمش بعينيه.
“سولين.”
نادت أنستازيا بهذا الاسم، وحينها فقط عاد البريق لعينيه الجافتين الخاويتين.
“أحضري طبيب القصر.”
حدقت به أنستازيا التي كانت تحاول كبح بكائها للحظة ثم أومأت برأسها. وفي تلك اللحظة أضاف ريدن:
التعليقات لهذا الفصل " 24"