في اللحظة التي أدركت فيها أنني لم أخطئ في القراءة، وأن المهمة تقتضي قتل الموجودين في المأدبة، ضغطت بقدمي داخل حذائي بقوة شديدة.
وسرعان ما انقطع خيط العقل والمنطق الذي كنت أتمسك به بصعوبة، إثر صوت انكسار كعب حذائي.
هذه المهمة غير منطقية على الإطلاق…
“هل… هل تمزح معي؟”
لم أستطع إيجاد كلمات تصف شعوري تجاه هذه المهمة.
هناك أشياء في هذا العالم يمكن للمرء فعلها وأخرى لا يمكنه ذلك، وهذا هو خير مثال على النوع الثاني.
صفع شخص ما على وجهه؟ دفع كاثرين من على الدرج؟ حرق غرفة ريدن أو تمزيق كل الأوراق التي سهر الليل بطوله في كتابتها؟
لنقل إن تلك الأمور مقبولة بما أنني تنازلت مئات المرات بالفعل. فالأمر سيان حتى لو لم أكن موافقة، ولكن إلى ذلك الحد، لا يزال بإمكاني القول إن الأمر مقبول!
لكن الآن، يطلب مني الركض نحو قاعة المأدبة وتعريض حياة الجميع للخطر؟
هذه المهمة غير المتوقعة مثيرة للسخرية لدرجة لا تُصدق، والآن تطلب مني ارتكاب جريمة قتل لمجرد أنني لم أكن شريرة بما يكفي؟
“لماذا فحسب…! لماذا يحدث كل هذا لرينيه بلير! ما الخطأ الذي اقترفته بحق الخالق!”
لم أعد قادرة على كبح جماح الغضب المتأجج بداخلي. لماذا يظهر هذا النوع من المهام من الأساس، ولماذا أرغب بشدة في التخلص منها جميعاً.
لا أعرف ما إذا كانت هذه لعنة من شخص ما، أم أنها مجرد أداة حبكة كبرى في هذه القصة.
لكن لكل شيء حدود.
بيد ترتجف من شدة الغضب، واصلت الضغط بعنف على زر الرفض دون حتى النظر إليه. حينها ظهرت نافذة تحذير لم أرها إلا مرة واحدة من قبل.
‘مهمة غير متوقعة. هل أنتِ متأكدة من رغبتكِ في الرفض؟’
نعم / لا
“هاه…”
‘انتظري، هل يعني هذا أنني سأتعرض لعقوبة شديدة إذا رفضت هذه المهمة غير المتوقعة؟’
شددت على أسناني وأنا أواصل النظر إلى النافذة. ‘هل سأتمكن من التعامل مع “ذلك الكيان” حتى يظهر شخص متمكن لإنقاذ الموقف؟’
والإجابة هي “لا” بالطبع. لو كنت أنستازيا لكان ذلك ممكناً، لكن لسوء الحظ، أنا مجرد رينيه بلير. لا أعرف كيف أستخدم السيف ولا أتقن أي نوع من السحر. بعبارة أخرى، إذا تلقيت عقوبة هنا، فسوف أموت.
‘هل حدث هذا في القصة الأصلية؟ هل وقعت حادثة تحول فيها أحد النبلاء إلى وحش وآذى شخصاً ما؟’
حتى لو حاولت تذكر الحبكة الأصلية، فإنها تصبح أكثر ضبابية، كمن يحاول الرؤية وسط الضباب.
“ما رأيكِ؟”
سأل “ذلك الكيان” ببرود واسترخاء، وهو الذي قال قبل قليل إنه سيتسلى بي بدلاً من قتلي.
أشعر بتوتر شديد لأنه يبدو كفترس مسترخٍ، يأخذ وقته في التلذذ قبل التهام فريسته.
“أنت… ما الذي تكونه بحق الجحيم؟”
“ماذا؟ لماذا تسألين هذا الآن؟ هل تحاولين كسب الوقت؟”
مرر “ذلك الكيان” لسانه على أسنانه. ولم يكن لساناً عادياً، بل كان شبيهاً بلسان الأفعى، طويلاً جداً.
“لا أعتقد أنني ملزم بإخباركِ، لذا هل أنتهي منكِ الآن؟”
في تلك اللحظة، ظهرت نافذة أخرى فوق نافذة التحذير.
‘انتهت مهلة الإدخال. قبول المهمة تلقائياً.’
ماذا؟
حتى الآن، لم تمر حالة واحدة لم أضغط فيها على أحد الخيارات. رمشت عدة مرات بذهول وشددت على أسناني مرة أخرى.
‘سحقاً، افعل ما تشاء! إذا لم أستطع تنفيذ المهمة، فليكن ما يكون!’
وبالتفكير في الأمر، كان من الأفضل لي قبولها. لأنني إذا رفضت الآن، فسأعاقب فوراً، ولكن بقبولي لها، قد أحظى ببعض الوقت للمماطلة.
حينها انحنى “ذلك الكيان” بجسده مثل وحش يستعد للانقضاض. وفي غمضة عين، صار أمام وجهي مباشرة.
شق السيف لحمي وهو يمر عبر ذراعي. أمسكتُ بذراعي جراء الألم الحارق بينما كنت أتراجع إلى الوراء. كنتُ في عجلة من أمري للنهوض لأنني علمتُ أنني سأموت إن لم أفعل، لكن “ذلك الكيان” داس على صدري حينها.
“ماذا تفعل! لماذا لا تقتلها فوراً!”
كان من الصعب عليّ التنفس، لذا أننتُ من الألم، لكن صوتاً آخر خرج من “ذلك الكيان” الذي كان يدوس عليّ حالياً. وفي كل مرة يحدث فيها ذلك، كانت تعبيرات وجهه تتغير بشكل جذري.
“لقد أخبرتكَ أن تنتظر، لكنك استمررت في إصدار الأوامر لي! ابقى فمك مغلقاً فحسب.”
“ماذا لو جاء فرسان هوغو إذاً؟”
“فرسان هوغو…؟”
“أجل! هؤلاء القوم كالوحوش! إنهم وحوش يمكنهم قتل تنين بمفردهم! إذا علموا بهذا، فلا أدري ماذا سيفعلون! لذا اقتلها الآن. بسرعة! اقتلها! آك!….. آي!”
وقع مشهد لا يصدق؛ فبينما كان تعبير وجهه يتغير، قطع فجأة ذراعه بالسيف وهو يتحدث إلى نفسه.
وفجأة، سقط شيء ما بجانب وجهي مباشرة. لم أجرؤ على النظر جانبي، حيث تدفق سائل فاتر ولمس جسدي، لكنني لم أستطع الحركة. لم أستطع تصديق ما يحدث، لكن لم يكن أمامي خيار سوى النظر إلى “ذلك الكيان” الذي لم يتبقَ له سوى ذراع واحدة.
كان الأمر كله غريباً جداً. فالجانب الذي قال إنه سيقتلني لم يستطع مقاومة الألم وظهرت على وجهه تعبيرات متشنجة، ولكن بمجرد أن تحول “ذلك الكيان” إلى هيئة المخلوق الذي يشبه الوحش، صار هادئاً وكأنه لا يشعر بأي ألم على الإطلاق.
‘يبدو الأمر كما لو أن “ذلك الكيان” يملك شخصيتين.’
ضغط “ذلك الكيان” الذي فقد ذراعه اليسرى بقوة على صدري.
“هيوك…!”
“مهلاً أيتها البشرية. هل ما يقوله هذا الوغد صحيح؟ هل سيأتي فرسان هوغو قريباً؟”
“هه، هيوك…”
“يا إلهي! لا يمكنكِ التنفس لمجرد أنني دستُ عليكِ. البشر ضعفاء حقاً.”
سحب “ذلك الكيان” قدمه وهو يواصل تذمره بوقاحة.
دخل نَفَس ثقيل إلى رئتيّ، وبينما كنت أسعل من الألم، وضعتُ مرفقي على الأرض لأتمكن من النهوض، ثم أُجبرتُ على تحويل رأسي بينما سقطتُ بين ذراعيّ مرة أخرى.
“هيا، تحدثي بسرعة، هل فرسان هوغو قادمون؟”
“… يا إلهي! ماذا لو جاءوا؟”
“أيتها اللعينة، لماذا لا تجيبينني؟”
“آااااااااه!”
داس “ذلك الكيان” ببطء على ذراعي هذه المرة. الألم الذي كان مألوفاً بعض الشيء، أصبح هائلاً مرة أخرى وانتشر باستمرار في جميع أنحاء جسدي. وإذا استمر هذا، سأفقد وعيي بالتأكيد.
“هيا، قوليها بسرعة. لا أحب أن أسأل عدة مرات.”
“هيوك…!”
“تشه. لا فائدة. هذه الفتاة لا ترغب في إجابتي، لذا ليس أمامي خيار سوى سؤال وغد آخر.”
تحرك “ذلك الكيان” فجأة متوجهاً إلى مكان ما. شعرتُ بالامتنان لثانية واحدة، ولكن بعد ذلك رأت عيناي الضبابيتان إلى أين يتجه؛ توقف قلبي فجأة عندما رأيتُ أنه ذاهب نحو قاعة المأدبة.
“لا، لا، لا…”
تمكنتُ بالكاد من نطق هذه الكلمات، ونهضتُ من مكاني دافعةً نفسي للركض نحو ذلك الوحش. ولكن فجأة، أمسك برأسي… بذراعه اليسرى التي قُطعت للتو!
‘ماذا؟ كيف تمكن من ذلك… هل نبتت ذراعه للتو؟’
ثم شد “ذلك الكيان” شعري وتمتم:
“حسناً إذاً. هل تريدين الذهاب معي؟ لا بأس، لنذهب ونسألهم عن مكان وجود فرسان هوغو.”
لا، ليس إلى قاعة المأدبة!
فجأة، خطرت ببالي المهمة التي ظهرت قبل قليل، ومن أجل ألا يتم جري، أمسكتُ بذراع “ذلك الكيان” وسحبتها بكل قوتي. وحينها، حدثت معجزة.
سُحب ذلك الكيان بقوة جعلته يبدو وكأنه لا يملك أي ذرة من القوة، ثم ارتطم بالأرض بشكل مثير للسخرية نتيجة لرد الفعل العكسي.
‘انتظر؟ هل طرحتُه أرضاً للتو؟’
لم يكن هناك تفسير آخر لما حدث. ربما لأنني كنت في موقف يائس، توهمتُ أنني قد استجمعتُ قوة خارقة.
في تلك اللحظة، وثب “ذلك الكيان” من مكانه وهددني بوجه قاسٍ للغاية:
“أيتها اللعينة المزعجة!”
ثم اندفع نحوي على الفور.
ومع ذلك، ولسبب ما، استطعتُ رؤية نصل أسود وسط رؤيتي الضبابية، سواء كان ذلك بسبب الدموع أو الغبار. تمتمتُ لنفسي بمرارة: ‘سأموّت. سأموت حقاً.’
يقولون إن الذكريات تومض أمام المرء عندما يكون على شفا الموت. لم يحدث لي هذا قط قبل أن أتقمص هذا الجسد، لكنه حدث الآن.
‘آشا! هل تتدربين على السحر مجدداً اليوم؟’
‘يمكنني الجزم بذلك، فهي عبقرية في السحر.’
‘آه، أنا حقاً منزعجة من ريدن! إنه يبدو أحمقاً جداً!’
‘هل جاء صديق والدي اليوم؟ ظننتُ أنه لا يملك أي أصدقاء…’
‘ما هذا؟ بوروارز؟ هل تريد اللعب معنا؟ إذاً أعطنا المال. إذا دفعت لي، فسألعب معك.’
الأمر المضحك هو أنها كانت ذكريات رينيه بلير الأصلية، وليست ذكرياتي من حياتي السابقة. لسبب ما، بدا الأمر وكأن حتى الأشياء التي لم “أرَها أو أجربها” كانت تتدفق كذكرى عابرة. °°°م.لانك رينيه الحقيقية يا بطلتي الحمقاء°°°
عندما اقترب النصل الذي بدا وكأنه يتحرك بالعرض البطيء من أنفي، أغمضتُ عينيّ بشدة.
هناك الكثير من الأشياء التي سأندم عليها إذا متُّ؛ حقيقة أنني سأموت دون إنفاق ثروة رينيه بلير، وأنني لم أعتذر لأنستازيا أو أشكرها بشكل لائق.
عندما أفكر في الأمر، يبدو أن الموت الآن هو وسيلة العمل الأصلي لردعي. ربما أواجه موتاً آخر بهذه الطريقة، لمجرد أنني لم أمت على يد ديوين فيرغوس.
‘ولكن…’
أليست أفكاري مسترسلة وطويلة جداً؟
فتحتُ عينيّ ببطء، فقد مر وقت طويل على اللحظة التي كان من المفترض أن أُطعن فيها بالسيف. رؤيتي التي كانت ضبابية من قبل، أصبحت واضحة الآن.
بفضل ذلك، اخترق ضوء الغروب الساطع عينيّ دون عائق، فعبستُ وأنا أحدق بذهول في المشهد الذي يتجلى أمامي.
كان السيف الذي أوشك على طعني يرتجف لأنه حُصر بين سيفين رفيعين. وبأعين مرتجفة، نقلتُ نظري نحو السيف الذي يشبه اللعبة. كان هناك سيفان ممدودان، واستطعتُ رؤية أيدٍ ذات عروق بارزة، وإذا نظرتُ إلى ما وراء ذلك…
“لا عجب، فرائحته تشبه رائحة سحلية زفرة.”
“لا بد أن جسدك في حالة من الفوضى بسبب الآثار الجانبية، إذا أردتَ يمكنك الذهاب للراحة في تلك الزاوية.”
“اخرس.”
ظهر رجلان فجأة. أحدهما هو ديوين فيرغوس، الذي بدت عليه علامات الاشمئزاز التام. وبجانبه… كان هذا الرجل يمتلك شعراً أبيض شاحباً فريداً يشبه الثلج الناصع وعينين زرقاوين باردتين وصافيتين. °°°م.شخصتي المفضلة في العمل°°°
في اللحظة التي رأيتُ فيها الرجل، تذكرت.
“إذا ضربتُك، فلن تقتلني، أليس كذلك؟”
“مستحيل.”
“أنا منزعجة جداً… لا يمكنني حتى ضربك..!”
“… إذا كان صفع شخص ما سيخفف من غضبكِ، فلا بأس عندي.”
“… حقاً لن تقتلني، صح؟”
“لماذا تستمرين في قول مثل هذه الأشياء الغريبة؟”
ذلك الحوار الذي استمر مع صوت شهقاتي، وحقيقة أنه لوح بيده في نهاية المحادثة. كان صوت اصطدام الكف بالوجه عالياً جداً… وأخيراً، ذلك الرجل الذي ظل ساكناً حتى فقدتُ وعيي تماماً وسقطتُ أرضاً. لقد كان هو، إنه هو بالتأكيد.
“آه، أنا آسفة لأنني ضربتُك بالأمس!”
كنتُ أعلم أنني على وشك الموت، وأن هذا ليس الوقت المناسب لقول شيء كهذا في مثل هذا الموقف. لكن كان عليّ فعل ذلك لأنني قد أموت في أي لحظة. إذا متُّ هنا، فلن أتمكن أبداً من الاعتذار لهذا الشخص، أليس كذلك؟ كان الأمر بهذه البساطة فحسب.
التعليقات لهذا الفصل " 19"