بدأت عائلة نايتن كشركةٍ تجارية صغيرة، لكنها أصبحت الآن ثاني أكبر شركةٍ بين الشركات التسع الحاصلة على مرسومٍ ملكي من الملك.
صحيحٌ أن مكانة العائلة نفسها لا تُقارن بعضوية عائلة ماير أو موندرِيول في مجلس المستشارين السري، لكنها مع ذلك تتفوق على قوتين أو ثلاث من بيوت الكونتات مجتمعة.
وكان تعريفها القصير صادماً للغاية، لأنها قالت أن الآنسة نايتن دخلت للخدمة مدى الحياة، تماماً مثل أبيغيل من قبل.
أما الآنسة التي كانت تقف في أقصى اليمين فكانت لويز موندرِيول، ابنة الكونت موندرِيول، وهي أحد العائلات الإحدى عشرة المنضوية في مجلس المستشارين السري مثل عائلة ماير.
وكان الكونت موندرِيول القائدَ العام الحالي لقيادة دفاع العاصمة الملكية، وعُرفت عائلة موندرِيول، إلى جانب بيت الماركيز كليرنس، بوصفهم من أشهر العائلات العسكرية.
وبعد التفكير في الثالثة، تعبت فيوليتا حتى من الإحساس بالعظمة. كيف يمكن أن يكون هذا العدد من الأشخاص، واحداً لا اثنين بل ثلاثةً دفعةً واحدة؟
وبينما أخذها الإرهاق من عظمة الأمر، كانت أغنِيس توصِي الوصيفات بشيءٍ ما، ثم اقتربت من فيوليتا وتحدّثت لها بأدب.
“غداً صباحاً هناك إفطارٌ ملكي ترحيباً بكِ يا سموك. ستكون هذه أول مرة تحضرين فيها بصفتكِ فرداً من العائلة الملكية، ولذلك عليكِ أن تستعدّي جيداً. لهذا، اذهبي إلى النوم باكراً اليوم. هل فهمتِ؟”
وما إن غادرت أغنِيس حتى ساد الغرفة ذلك الجو الحرج الخاص حين يجتمع أناسٌ غرباء عن بعضهم لأول مرة.
فأجلستهم فيوليتا جميعاً.
في الحقيقة، أبيغيل، لم تختبر قط الاختلاط الحميم بنبيلاتٍ من عمرها، بل لم تختلط حتى بفتياتٍ عاديات في مثل سنّها.
أعمار بنات عمومتها لم تكن مناسبة، وقبل أن تدخل عالم المجتمع، انهار بيتها تماماً، فلم تتح لها الفرصة لتكوين صداقاتٍ أو علاقات.
كان هناك فتياتٌ من عامة الناس في سنّها تعرّفت إليهن أثناء العمل، لكن كلاً منهن كان مشغولاً بالعمل طوال اليوم، فلم يكن يجمعهن سوى مزاحٍ عابر عند المرور.
وبما أنها كانت أميرةً منفية، فقد تلقت تعليم وصيفاتها وحدها أيضاً. بعبارةٍ أخرى، كانت تشعر الآن بحرجٍ شديد.
وبعد تفكيرٍ قصير، ابتسمت فيوليتا بلطفٍ واختارت أسهل سؤال.
“كيف أتيتن جميعاً لتصبحن وصيفاتي؟”
وسؤالها الذي لم يكن موجهاً لشخصٍ معيّن، جعل ميلويلا ولويز تنظران في الوقت نفسه إلى ديانا التي كانت تقف بينهما.
ولأن ديانا كانت في العشرين، أكبرهن سناً، بدا أنهما تدفعانها لا شعورياً لتتقدّم بالكلام.
وفعلاً، كانت تبدو للوهلة الأولى هادئةً وذكية كالأخت الكبرى. وبدا أنها معتادة على المبادَرة، ففتحت فمها،
“بدايةً، يا سموك، تحدّثي معنا براحة. هكذا سنرتاح نحن أيضاً.”
كانت في نبرتها حزمٌ لا يُقاوَم، فردّت فيوليتا من غير وعي.
“آه….حسناً.”
ثم واصلت ديانا بصوتٍ هادئ.
“تخرّجتُ من أكاديمية جيفن قبل عام.”
“يبدو أنكِ متفوّقةٌ في الدراسة.”
“إلى حدٍّ ما.”
وأقرّت بذلك بوقاحةٍ خفيفة لا تناسب هدوء ملامحها.
“بعد ذلك كنتُ أحلم بالذهاب في بعثة إلى إرنست لأصبح باحثة، لكن عندما عدتُ بعد التخرّج، كان لي خطيبٌ ينتظرني.”
وبالرغم من أناقة السؤال، لم يكن يبدو مهماً على الإطلاق.
و هزّت ديانا رأسها بجدية.
“كان قبيحاً.”
فسألت لويز وعيناها تلمعان.
“من أي عائلةٍ هو؟”
“يقال أنه ابن أخ الكونت بونيفيس.”
“عائلته لا بأس بها إذاّ.”
قيّمت ميلويلا الأمر بجدية، وهزّت لويز رأسها مؤيّدة.
“لم يكن يملك سوى ذلك فقط. كان يعيش عالةً على عمّه حتى بلغ السابعة والعشرين، لا يعرف إلا التسكّع واللهو، فاسداً، قبيحاً، وما إن تتحدثي معه حتى تكتشفي أن رأسه فارغ، ولا يعرف حتى اللغة المشتركة، ولا يملك أي وقار، ولا مستقبلاً! ولهذا لم يتزوج حتى ذلك الوقت!”
بدأت فيوليتا تشك إن كانت هذه هي الفتاة الهادئة ذاتها التي تحدّثت قبل قليل، فقد أخذ صوت ديانا يعلو تدريجياً.
“……ديانا؟ هل يمكن أن تهدئي قليلاً؟”
“أنا…!هل ذهبتُ إلى جيفن، لأدرس، لأتزوج أخيراً من ذاك القبيح الأحمق؟! وفوق ذلك كان أقصر من سموّ الأميرة!”
“هذا حقاً غير مقبول.”
تمتمت ميلويلا بوجهٍ جاد حين سمعت أنه أقصر من فيوليتا.
وحين شعرت فيوليتا بأن الجو بدأ يزداد غرابة، تدخلت قائلة.
“إذاّ، أنتِ هربتِ من الزواج يا ديانا؟”
“نعم، هذا صحيح. كنتُ في الأصل أؤمن بالعزوبية. ولأنني عرفتُ أن التمرّد لن ينفع، فكّرتُ أن أجعل نفسي في موضعٍ لا أستطيع فيه الزواج أصلاً.”
“كيف وافق والدكِ أصلاً؟ أن تعيشي في القصر طيلة حياتكِ.”
“هو لا يعلم بعد.”
“هاه؟”
“آه، ربما يكون قد علم الآن.”
“……أنتِ في خدمةٍ مدى الحياة؟”
“نعم.”
وبتلك الابتسامة الواثقة كأنها تقول: وما المشكلة؟ فقدت فيوليتا القدرة على الرد. ثم أدارت رأسها بصلابة ونظرت إلى ميلويلا.
“وأنتِ يا ميلويلا؟”
“أنا……أبي هو من أمرني بالمجيء.”
“هكذا فقط؟”
“في بيتنا، إن قالوا افعلي، نُنفّذ.”
على عكس نبرتها الأرستقراطية الرصينة، كان محتوى كلامها فظّاً بعض الشيء، فارتدّت فيوليتا قليلا بدهشة.
“أنا في صراعٍ على الوراثة مع أخي الصغير، ولا خيار أمامي سوى أن أُرضي أبي.”
“أخ؟ أخٌ أصغر؟”
“نعم. يبلغ من العمر ثلاثةً وعشرين شهراً.”
“يا إلهي، لا بد أنه لطيفٌ جداً! ميلويلا، أحضريه إلى القصر في المرة القادمة!”
قالت لويز ذلك ببراءة، فتقلبت أحشاء ميلويلا بكلماتها.
بدا واضحاً أن ميلويلا أُزيحت عن وراثة العائلة بسبب أخيها الصغير المولود متأخراً. فرفعت ديانا يدها وربتت على كتف ميلويلا كما لو كانت تقول: أفهم تماماً ما تشعرين به.
“هل تعلمين ماذا يعني أن تعيشي وأنتِ تؤمنين لخمسة عشر عاماً أن كل شيء ملككِ، ثم فجأة يقول لكِ الواقع: في الحقيقة هذا ليس لكِ، أنتِ تفتقدين الشرط الأساسي؟ أنا عشتُ طول حياتي على أنني وريثة ماير. قرأتُ نظرية هايفِن في التمويل ثماني عشرة مرة.”
“معقول….ذلك الكتاب المزعج؟!”
رغم أن هذه الكلمات خرجت من فمٍ جميل دون تردد، لم يشعر أحدٌ بالغرابة. بل إن ديانا بدت وكأنها تقشعر فعلاً من كرهها لذلك الكتاب وشاركت ميلويلّا الشعور.
فدفنت ميلويلا وجهها في يدها وتمتمت بحزنٍ مصطنع.
“لو أن أمي لم تكن على وفاقٍ تام مع أبي بلا داعٍ……”
فكرت فيوليتا أن الوضع برمّته غريب. التكوين نفسه غريب. ولو أُضيفت هي إليهم فسيغدو أغرب.
ثم ضحكت ضحكةً مستسلمة، وسألت لويز بدورها على سبيل المجاملة.
“وأنتِ يا لويز؟”
“الدوق إيدلغارد نفسه أرسل إليّ رسالة!”
في الحقيقة، عائلة ماير كانت على وفاقٍ واضح مع إيدلغارد منذ زمن بعيد، و عائلة نايتن، كما يبدو، جاء الأمر فيه مصادفةً محضة وبإرادة الابنة وحدها.
أما بيت موندرِيول، فمنذ أجيال وهو يلتزم الحياد في صراعات العرش وما شابه، لذلك كان مجيء ابنة موندرِيول وصيفةً هو الأمر الأكثر إثارةً للاستغراب.
“كان يشرح في الرسالة مزايا دخول القصر، والامتيازات التي نحصل عليها كوصيفات، وحقوق العمل، وكل أنواع المزايا، وحتى فرصة التعرّف على عددٍ كبير من النبلاء الشباب….لقد كتب ذلك بالتفصيل، وجعلني أرغب في المجيء بشدة شديدةٍ شديدة! هل الدوق إيدلغارد يكتب دائماً بهذا الأسلوب الممتع والدقيق؟”
آه….إذاّ هكذا كان الأمر. لم يلجأ راكييل إلى العائلة، بل استهدف تلك الكونتيسة الصغيرة الحالمة مباشرة.
اتضح الأمر فوراً. ولا بد أن ذلك “الدليل الشامل لتصبح وصيفة” الممتع والدقيق كان من كتابة كايل.
فابتسمت فيوليتا ابتسامةً باهتة.
“……آه، حقاً؟”
“لقد أقنعتُ أبي بالكاد! بقيتُ أسبوعاً كاملاً بلا طعام تقريباً، متسمّرةً في مكتب قيادة الدفاع، أرجوه من الصباح إلى المساء، حتى رفع الراية البيضاء! أعتقد أن كوني وصيفةً لسموّكِ هو قدري!”
إنه نتاج الإصرار والابتزاز العاطفي لا القدر، لكن حماسها الطفولي كان لطيفاً، فضحكت فيوليتا رغماً عنها.
كانت لويز في السادسة عشرة فقط، فبدت أصغر سناً وأكثر براءة.
وعندما تراخى الجو تماماً، وجدت فيوليتا نفسها تبتسم براحةٍ دون أن تشعر.
***
الممر الذي يؤدي إلى قاعة الطعام الرسمية كان غارقاً في برودة الصباح المنعشة.
سارت فيوليتا وحدها وقد صرفت خادمها، تمشي عبر الممر الطويل بعد أن استدارت عند المنعطف. و لم يكن يصدح في ذلك الفضاء الواسع غير وقع خطواتها وحده.
ورغم أنها أدركت أن خطواتها تبطؤ من تلقاء نفسها، فإن فيوليتا تعمّدت أن تخفّف سرعتها أكثر. وكلما اقتربت من المدخل البعيد شعرت بنفور يثقل قلبها.
بدت لها كأنها بوابة جحيم من تلك الحكايات التي قرأتها في طفولتها.
وفجأة، ما إن أحسّت بوجودٍ خلفها مباشرةً حتى استدارت بحدة دون أن تشعر؛ لأنها أدركت أنها لم تشعر باقترابه مطلقاً حتى صار قريباً جداً منها.
“أنتِ.…”
“….…”
“أنتِ فيوليتا، صحيح؟”
كان صوته منخفضاً، رقيقاً. فرفعت فيوليتا بصرها تنظر إلى صاحب الصوت، وفكّرت لوهلة،
‘هل هذا الصوت، وهذه الرقة…..حقيقية؟’
لم تكن تفكّر في هوية هذا الشخص بقدر ما كانت تفكر في “أيّ” شخصٍ يكون. ربما لأنها صارت كثيرة الشك، ولأن هذا الشك وليد وضعها، والمكان الذي تقف فيه الآن.
فالشاب الذي يمكن أن يتجوّل وحده في الممر المؤدي مباشرةً إلى قاعة الطعام الرسمية الخاصة بالعائلة الملكية، لا بدّ أنه خادمٌ للملك أو أحد الأمراء.
فحدّقت فيوليتا بملامح الرجل: شعره الذهبي الباهر، و عيناه الزرقاوان، ووسامته المتقنة.
وفي لحظة ذلك التمحيص الهادئ، ابتسم الرجل برقّة.
لم يكن شخصاً ينبغي لها أن تُظهر سروراً برؤيته. عندها فقط فهمت فيوليتا لماذا لم تشعر بوجوده من قبل. إنه مُبارز…..
“عيناكِ تشبهان عيني ميخائيل تماماً.”
كانت الجملة التي نطقها كأنها دهشةٌ صغيرة، وليست فقط مقارنةً بلون الملك. فردّت فيوليتا وهي تضيق عينيها،
“هل أنتَ ولي العهد؟” *عشانه الأكبر
“أول ما تقولينه حين ترينني هو هذا السؤال البارد؟ اسمي بيلكيرس-“
“بيلكيرس دو غرانتونيان مورِه كاديرينغر. أعرف ذلك، يا صاحب السمو واي العهد.”
قاطعت فيوليتا كلام بيلكيرس وابتسمت بلطفٍ مصطنع. ورغم اتساع ابتسامتها، لم يَفُت بيلكيرس أن عينيها بقيتا باردتين، لكنه لم يُظهر ذلك.
وكان ذلك أمراً طبيعياً للغاية. فهو كمن قتل ميخائيل، وهي أخته. هذا غير القاتل الذي أرسلته عائلة كاديرينغر إليها.
لو ابتسمت بوجهها بصدق لكان ذلك ضرباً من الجنون.
فضحك بيلكيرس بخفوت.
“إذاً…..أتنوين مناداتي بلقب ولي العهد دائماً؟”
“……هل ترغب أن أدعوكَ…..أخي؟”
“عادةً ما تنادي الأختُ الصغرى أخاها الأكبر هكذا.”
‘و”عادةً” لا يقتل الأخُ الأكبر أخاه.’
تمتمت فيوليتا بذلك في داخلها بسخرية، ثم ابتسمت بابتسامة مجاملة لا فيها لطفٌ ولا وقاحة، و ردّت بهدوء،
“حسناً إذاً….يا أخي.”
“……أنتِ تبتسمين هكذا بالفعل.”
“هكذا”؟ إذاً فولي العهد لم يفعل هذا؟
تذكّرت فيوليتا تعابير راكييل حين كان يستعيد ذكرى ميخائيل…..حين قال أن والده وميخائيل كانا متشابهين، وإنهما كانا طيبين أكثر مما ينبغي.
وجه رجلٍ يستعيد زمناً جميلاً…..يسترجع ضوءَ شخص فقده.
كيف يمكنكَ أن تنظر إليّ بتلك العينين…..كعينَي راكييل؟
“الحياة التي عشتِها لا بد أنها صنعت منكِ هذا. ولكن فيوليتا…..”
عند كلماته التالية أرخَت فيوليتا ابتسامتها ونظرت إليه بجمود.
كانت نظرته المشفقة تزعجها. لم تستوعب كيف يمكن أن تكون صادقة. فهو إنسانٌ على الطرف النقيض تماماً منها—رجلٌ يكفي سببُه وحده ليُكره.
كان سيكون الأمر أسهل لو أنه شخصٌ مكروه بوضوح، بلا تعقيد.
ثم تحدّث بيلكيرس بصوتٍ خافت،
“عيشي بسلام.”
“….…”
“يحق لكِ…..أن تعيشي هكذا.”
كانت فيوليتا على وشك الرد بشفاهٍ متيبّسة، ثم أطبقت فمها وأدارت جسدها مبتعدة.
بأي حقٍ يقول ذلك؟ لأنه سيصبح ملكاً؟ ولأنه “الآن” سيرحمها؟
سخرت منه فيوليتا بقلبها بصدق. فقد كان كلامه هذا متعالياً أكثر مما يحتمله المقام، وكان مجرد خروجه من فمه—هو بالذات—وقاحةً صريحة.
_____________________
شكله صدق مسكين ومب راضي بالي يسوونه اهل امه؟ وشكله كان يحب اخوه ميخائيل والحين حب فيوليتا؟😔 يحزن وش وضعهم الزفت ذاه
المهم الخادمات الي جو مره ونيسات سوالفهم تضحك 😂
وواضح ان كل وحده عارفه مكانها محد عطا فيوليتا نظرة الي اها ذي الاميره الغبية وكذا يارب يصيرون خوياتها تكفووووووووون Dana
التعليقات لهذا الفصل " 21"