“لم أتمنَّ غير ذلك أصلاً. فكل ما أريده هو أن تعود تلك الطفلة إلى مكانها الطبيعي فحسب.”
“ستتصنع الطهارة وحدكَ هكذا إذاً؟”
“أي جزءٍ من كلامي يبدو طاهرًا؟ بعد أن قُتل ميخائيل، أليس هذا كافيًا؟”
محا بيلكيرس ابتسامته و قال ذلك بصوتٍ خافت، بينما عضّت إيلوفيلا شفتها بقوة.
“لماذا تذكرُ ميخائيل الآن!”
صرخت إيلوفيلا على بيلكيرس وهي تلقي نظرةّ حذرة نحو والدتها. أما تلك فكانت تواصل التلويح بمروحتها بعينين نصف مغمضتين، متثاقلتين كعادتها.
“إيلوفيلا، لا أريد أن أعيش مثل جلالته.”
بمجرد سماعها تلك الجملة الهادئة المنبعثة من فوق رأسها، أطبقت إيلوفيلا شفتيها. فوالدهما، الملك، قتل تسعةً من إخوته الأشقاء ليصل إلى العرش.
أما شقيقه من أمه، فقط قتله بيديه، وكأنه يري العالم قدرته.
لم ينجُ من ذلك التطهير الوحشي سوى شقيقته الوحيدة، الأميرة رينيفيير، التي أصبحت لاحقًا ماركيزة رودريغو. أما جميع الأمراء والأميرات الآخرين مُحوا من الوجود الواحد تلو الآخر.
وهكذا، بعد أن أطاح بإخوته ووصل إلى العرش، لم يحصد الملك سوى الخضوع القسري، والخوف المخبأ خلف رقابٍ منحنية تخفي خناجرها.
ولم يكن حال أولاده مختلفًا. على الأقل، لم يكن أحدٌ في هذه الغرفة يعتبره زوجًا حقيقيًا ولا أبًا بحق.
باستثناء محظيته الثالثة المتيمة به، أو رابع محظياته التي نالت رضاه مؤخرًا، لكن حتى الملكة، وحتى ميخائيل الراحل، كانوا جميعًا متفقين في هذا الشعور.
“……أخيكِ هذا سيصبح حقًا ملكًا صالحًا. لن يكون مثل جلالته.”
“ولكي يحدث ذلك، عليكَ أن تسلك طريقًا مختلفًا تمامًا عن الملك الحالي.”
“إنه ابني، فلا تقلقي.”
أغلقت بيثيس مروحتها بصدمةٍ خفيفة وابتسمت بثقة.
“لكن بيلكيرس، موت ولي العهد كان بأمرٍ من جلالته. أنت تعرف ذلك. و الماركيز لم يفعل سوى تنفيذ إرادته.”
كان ميخائيل حينها يشغل منصب ولي العهد، لكن لا أحد في هذه الغرفة كان ليشير إلى ذلك. فابتسم بيلكيرس ابتسامةّ باهتة،
“للأسف……أعلم.”
“عائلة كادرينغر ليست سوى خدامٍ أوفياء لجلالته. وهو لم يختر ولي العهد الثاني، بل اختاركَ أنت. كل ما حدث هو أن مكانكَ كابنٍ بكر عاد إليكَ لا أكثر.”
“لكن جلالته لم يلمّح بشيءٍ بعدها.”
“وبعد موت ولي العهد الثاني، لمن غيركَ يعود حق العرش؟”
“وماذا عن كيليان؟”
“ذلك الأمير الرابع الضعيف الذي لا يستطيع حتى حمل سيف؟ كيف سيغلبكَ؟ ثم إن أمه الحمقاء، وخاله الذي باع روحه، جعلا من ولادته نفسها خطأ فادحًا. ما هذا النسل المشوّه؟ عجبًا كيف خرجت مثل تلك الفروع من جذع الدوق بايرون السابق.”
صوت النقر المتحسر الذي أطلقته بيثيس كان تعبيرًا عن شفقةٍ صادقة على دوق بايرون الراحل، رغم خصومته لها.
كانت تعرف كيف تحترم رجلاً جيدًا، وتأسف لمصيره، وهذا ما كان بيلكيرس يحترمه فيها.
لكن موت ميخائيل وموت دوق إيدلغارد السابق كانا الاستثناء الوحيد عندها.
فردّ بيلكيرس ساخرًا قليلًا،
“آه، وهناك فيوليتا أيضًا.”
“هل تريد المزاح الآن؟”
“وهل يبدو أن ما أقوله مزاحًا؟”
“تلك الفتاة التي بقيت محبوسةً ثلاثة عشر عامًا؟ ما الذي تعرفه؟ وكيف لها أن تطمح للعرش؟”
“إنها أميرةٌ أنجبتها الملكة. لا يمكن تجاهل شرعية نسبها.”
فضحكت إيلوفيلا باستهزاء.
“هل ستكون ولية عهد؟ أي هراءٍ هذا.…!”
“كلام بيلكيرس ليس خاطئًا. جدّكِ حاول التخلص من الأميرة الخامسة رغم أنه كان يظنها بلهاء، والسبب واضح. فذلك الدوق الصبي لو وجد فيها ذريعةً للتمسك بالوراثة لاستغلها مهما كانت بلهاء.”
“حتى مع وجود أخي وأميرٌ رابع، كيف للأميرة الخامسة أن.…”
“هناك سوابق لملكاتٍ في العائلة المالكة.”
“لكن آلاف السوابق الأخرى تُظهر أن الأميرات الشرعيات تنازلن دومًا للأمراء الذكور! أتبحثون في أحداثٍ وقعت قبل مئات السنين.…!”
“ذلك الدوق قادرٌ على نبش أحداثٍ وقعت قبل ألف عام إن لزم الأمر. إنه ليس كأبيه إطلاقًا. وإن كانت ليست بلهاء كما كان يُظن؟ سيعتبر الأمر فرصةً ذهبية. لكن….لا أكثر.”
ابتسمت بيثيس بزاوية شفتيها،
“لا تنسوا من الذي أطاح حقًا بولي العهد الثاني ودوق إيدلغارد السابق. ذلك كان اختيارًا واضحًا……وكان اختياركَ أنت. لقد اختار الملك يد كادرينغر. فبعد أن أطاح بميخائيل، كيف له أن يختار الأميرة الخامسة؟ أخوها وخالها قُتلا بأمر الإمبراطور، وأمها وابن خالها يملؤهم الحقد عليه. ثم مَن الذي سجنها ظلمًا ثلاثة عشر عامًا؟ كيف يختار الملك ابنةّ قد تخفي خنجرًا في أحشائها؟”
“….…”
“بيلكيرس، ليس هناك سواكَ أنتَ.”
***
كانت عربة القصر مريحةٌ إلى أقصى حد، لكن فيوليتا شعرت وكأنها في عربة شحن قديمة تصعد بها منحدرًا جبليًا؛ وكانت معدتها تتقلب، وخصرها المشدود يكاد يخنق أنفاسها.
تركّزت كل حواسها على الحفاظ على ملامح هادئة، لكن يدها التي كانت تقبض بقوةٍ على طرف الفستان ارتجفت ارتجافًا دقيقًا لم تنتبه له.
راقب راكييل الجزء المتجعد أسفل يدها، ثم نقر لسانه بضيق.
“ستجعّلين الفستان كله يتلف.”
“….ماذا قلتَ؟”
“يدكِ.”
خفضت فيوليتا نظرها إلى يدها ببطء، ثم شهقت حين رأت التجعّد الواضح على القماش، فسحبت يدها بسرعة. و حاولت نفض تلك البقعة براحتيها، لكن دون جدوى.
كان التجعد الذي لا يعود كما كان يذكرها بنفسها. و كل توترها الذي حاولت ضبطه بدا سخيفًا الآن.
استسلمت بسهولةٍ واتكأت على المقعد وتهدلت كتفيها. فرفع راكييل حاجبًا ساخرًا من هيئتها غير اللائقة، بينما تمتمت كأنها تتنفس بصعوبة،
“ماذا؟”
“سنصل خلال خمس عشرة دقيقة. هل تعتزمين النوم بهذا الشكل؟”
“أين رأيتني نائمة؟ فقط أحاول إرخاء عضلاتي قليلًا….سأموت من التعب.”
“لا يجوز لامرأةٍ أن تتهاوى هكذا أمام رجل، وتعرض صدرها بهذا الشكل.”
“إلى ماذا تنظر بالضبط!”
قفزت فيوليتا فزعة، وغطت صدرها بكلتا يديها، ثم نظرت إلى نفسها.
لم يكن هناك أي انكشاف؛ ففستانها كان محتشمًا يبدأ من أسفل عظمة الترقوة مباشرة. وما إن رفعت رأسها نحو راكييل حتى وجدته يضحك ساخراً من رد فعلها.
‘ذلك الوجه الوغد!’
“وأي شيءٍ يستحق النظر حتى—”
“ولماذا لا يوجد ما يستحق النظر؟”
“هل حقاً تريدين الجدال في ذلك؟”
“لا، ليست هذه الفكرة.…”
“عليكِ أن تبقي جسدكِ مشدودًا دائمًا، هكذا. حين يتراخى الجسد، ينهار معه العقل.”
عاد وجهه الخالي من التعبير، وجلسته اللامبالية وهو يلقي محاضرةً ببرودٍ جعلت فيوليتا تشعر بأنها هي الغريبة هنا.
كان هذا الرجل يتقن جعل الآخرين يشعرون بالارتباك حقاً.
وهو نفسه يجلس متكئًا، ساق على ساق، وكأنه آخر من يحق له إلقاء النصائح. فأخرجت فيوليتا شفتها بتذمر، ثم كنوعٍ من العناد خففت من تصلب خصرها وعادت لتجلس مرتاحة.
و لم يخيّب راكييل ظنها ورفع حاجبه مجددًا بالطريقة نفسها.
“أنتِ.…”
“تغاضَ عني قليلاً. عقلي وحده يسير الآن فوق طبقةٍ رقيقة من الجليد. أنتَ تعرف….فنحن لا نملك إلا بعضنا، نحن الأقارب الوحيدين.”
“….…”
“أليس غريبًا أن أبقى متصلبةً حتى أمام ابن خالي الوحيد؟
أغمض راكييل عينيه للحظة ثم فتحهما ببطء.
“اليوم فقط….تحمّلني. لا أريد أن أكون هكذا حتى أمام ابن خالي الوحيد.”
وجه ميخائيل المرح والطيب و كلماته تداخلت مع صورة الفتاة أمامه، فقبض على أسنانه.
الشيء الوحيد الذي يشتركان فيه هي تلك العينان الخضراوان العميقتان، ومع ذلك، كان يشهد لحظاتٍ كثيرة تتراءى فيها ملامح ميخائيل من خلالها، وتلك اللحظات كانت تؤلمه.
تلك العيون تعيد له ذكرى ميخائيل، وميخائيل يعيده إلى ذكرى أبيه، وكلاهما يعيده إلى موتهما. فابتسم بمرارة.
حقًا……كانت الأميرة التي صنعها بيده الأفضل في إجباره على تذكر كل ما أراد نسيانه.
لم يكن ينتظر ردًا، لكن الصمت ظل قائمًا. ورغم أن الصمت لم يعد غريبًا بينهما، فإن حديثها الأخير كان سؤالًا، ولم تحصل على جواب.
فشعرت بشيءٍ من الإحراج، و صرفت نظرها نحو الستار والمناظر خلف النافذة، ثم نظرت إلى انعكاسها في الزجاج. وبالتحديد……إلى القلادة حول عنقها.
وبعد لحظةٍ من التحديق الهادئ، تحدّثت دون أن ترفع عينيها،
“هذه القلادة……تخص والدتي.”
“حقًا؟”
كان رده باردًا، كما لو أن الأمر لا يعنيه، لكنها اعتادت على ذلك منه، فلم تكترث. و تابعت بصوت هادئ،
“يقولون أن جلالة الملك طلبها خصيصًا من الأقزام، وصنعوها كهدية لعشيقته……الملكة، أمي.”
“……الملك فعل ذلك؟”
“يبدو أنها شيءٌ ثمين جدًا……لكن أغنيس تقول أن أهم ما في الأمر هو أني أرتديها أمام جلالة الملك.”
“المعنى واضح. فحتى لو رغبت عمتي في سحق تلك القلادة المقززة إلى غبار، فلا يمكن تجاهل حجم معناها.”
“معناها؟”
“وضعُ تلك القلادة عليكِ يقول: تذكّر أيها الملك أن من ترتديها ليست الملكة، بل ابنة فاساكاليا، تلك التي كانت يومًا عشيقتكَ. وتذكّر أن المرأة التي ترتدي لونكَ المفضل ليست زوجتكَ، بل ابنتها. عمتي….من المؤكد أنها لم تتملّق أحدًا بهذه الطريقة طيلة حياتها.”
ضحك راكييل بصوتٍ واضح، بينما نظرت فيوليتا إلى ثوبها بوجهٍ جامد.
ما كان قبل لحظات مجرد فستان جميل بات يخنقها ويطوّق جسدها وكأن القيود قد كبّلته.
“لطالما أحبت العمة ميخائيل حبًا شديدًا، كأي أم. لكن حتى لأجله….لم تتحدّث يومًا بكلمة واحدة وكانت تخفض رأسها للملك. و تمسّكت بسموّها واستقامتها فقط.”
كلماته كانت تُقال بنبرةٍ شبه ضاحكة……لكن وقعها كان مختلفًا.
“……تبدو وكأنكَ تلوم والدتي.”
“ألومها؟ كيف ألوم أمًّا لم يلمْها ميخائيل نفسه؟”
“ولكنكَ……تبدو متذمرًا منها.”
“كان ميخائيل ليستمر في العيش لو قالت العمة بضع كلماتٍ تافهة، كلماتٍ بسيطة……كلماتٍ تُسكِت الشكوك. كان هناك لحظاتٌ كثيرة احتاجت فيها إلى بعض المراوغة، شيءٌ من الدناءة لو شاءت، لكنّها لم تفعل. إيدلغارد هو من صنع من أمير مستحيل أن يصبح ملكاّ……ملكاّ. والسبب أن جدّي لم يستطع احتمال أن يعيش الرجل الذي أحبّته ابنته بصفته ‘أميرًا عاجزًا عن اعتلاء العرش’. ومن هناك بدأ كل شيءٍ ينهار.”
ألقى راكييل نظرةً طويلة على انعكاس فيوليتا في النافذة.
“إيدلغارد، ذلك الذي رفعه—ذلك، الأمير الذي كان أبعد الناس عن العرش—إلى المملكة، أصبح بعد أن صار ملكاّ مصدر الخطر الأكبر. فابنه وُلد ممزوجًا بدمه. ما الذي ظنه ذلك المجنون، يا تُرى؟”
“……ملكاً آخر ستصنعه إيدلغارد؟”
“تمامًا. ولهذا عاش أبي بقية عمره معتزلاً في مقاطعة الدوق، إلا لسنواتٍ قليلة. كان يهرب من شكوك الملك. كان يخشى أن تطال تلك الشكوك أخته……أو ابنه.”
“….…”
“ورغم أن ميخائيل كان أخطر من يثير شكوك الملك، لم تتفوّه العمة بكلمةٍ واحدة لتهدئ تلك الريبة، لا كلمةً ناعمة، ولا تملّقًا بسيطًا. بينما كان الملك يشكّ في ابنها، ويختبره في كل لحظة، ارتقى الماركيز كادرينغر بحماية ولي عهده الأول كي يقتلوا تحت تلك الحماية ابنها……ثم أخاها.”
طبّقت فيوليتا شفتيها بقوة. و عادت إلى ذهنها تلك الدموع التي سالت فجر ذلك اليوم.
“كنتُ صغيرًا وقتها، وكنت أحترم كبرياءها الثابت احترامًا عظيمًا……مثل ميخائيل. ولا زلت أفهمها وأقدرها حتى الآن.”
“إذًا……”
“لكن في النهاية……كلمةٌ لطيفة، عبارةٌ سهلة……كم هي بسيطة، وكم كان يمكن لها أن تغيّر كل شيء. مثل فستانكِ هذا، مثل قلادتكِ……بسيطة، لكنها فعّالة.”
ابتسم راكييل بمرارة، بدا وكأنه يلوم الملكة قليلًا، ويشفق عليها قليلًا؛ فهي، سيدة الكبرياء طوال حياتها، اضطرت أخيرًا لإحناء رأسها أمام الرجل الذي مزّق عائلتها.
ثم تمتم وكأنه يزفر،
“حتى ذلك السموّ وتلك الاستقامة……لا تصمدان أمام من مزّق ابنها، وأخيها، وحتى ابنتها التي فارقتها لأكثر من عشر سنوات.”
“….…”
“على كل حال……من منظوري، مظهركِ يناسبني اليوم. وخصوصًا تلك القلادة المقرفة.”
مد راكييل يده وأمسك القلادة بقوةٍ حتى شعرت فيوليتا بيدٍ باردة تقبض على عنقها، ثم تركها. فارتجفت فيوليتا لا إراديًا.
“ألم تقولي أنني مختلفٌ تمامًا عن والدتكِ؟ كنتِ محقّة. فأنا لستُ مثل العمة أبدًا.”
“أنا لم—”
“أنا……إن كان لابد، يمكنني لعق قدم الملك، وتقبيل قدم الماركيز كادرينغر، والركوع عند قدمي بيلكيرس نفسه. لن أفعلها طبعًا، لكن التظاهر؟ أستطيع. فكل ما يهم هو أن يكون الباقون في النهاية……أنا، وأنتِ، والعمة، و إيدلغارد.”
“….…”
“فهذا هو موضع كبريائي الحقيقي.”
_________________________
ليتهم كملوا يحارشون بعض ولا ذا الكآبة
لذا الدرجة تأثير كم كلمه قوي😔
المهم بيلكيرس ذاه كأنه مب راضي عن الي امه والماركيز يسوونه بس صدق هو مب راضي ولا مسوي فيها الاخو الرحيم؟🤡 منب واثقه في احد يخويف
التعليقات لهذا الفصل " 17"