في ردهات القصر الإمبراطوري الباردة كان التاريخ يُنبش من قبوره قال الإمبراطور وصوته يحمل ثقل السنين: نعم يا إيثان بدأت الفتنة حين زارنا وفد مملكة استوريا. كان المستشار الملكي لملكهم يترأس الوفد وطوال شهر كامل بدت الأمور وكأنها فجر جديد من السلام بين بلدينا لكن الغدر كان يكمن في طريق العودة.. وقبل وصولهم للحدود اندلع قتال مريب قتال لم يكن عفويًا أبدًا
صمت الإمبراطور قليلاً قبل أن يكمل بمرارة: “في ذلك اليوم أُصيب الماركيز ليونارد كما أُصيب مستشارهم. فارق الماركيز ليونارد الحياة قبل وصوله للمشفى والغريب أن مملكة استبينا ابتلعت لسانها وصمتت كأن شيئًا لم يكن. ونحن بدورنا آثرنا الصمت لنراقب ردة فعلهم حتى أعلنوا بعد مدة عن وفاة مستشارهم دون توجيه أي اتهام
هز إيثان رأسه كمن استوعب اللعبة: هل يعني هذا أن هناك طرفًا ثالثًا يحاول إشعال فتيل الحرب؟
أومأ الإمبراطور بذكائه المعهود: “بالضبط. ملكهم رجل يسعى للسلام وصمتهم المريب يعني أن الفاعل ما زال بينهم ربما في ظل العرش نفسه وما أخشاه هو أن اختفاء آرثر المفاجئ ليس صدفة ربما وجد ذلك الخيط الذي ظل مفقوداً لسنين.. أتمنى فقط أن يكون بخير
بينما كانت المؤامرات تُحاك في العاصمة شهدت دوقية فاليريان تحولاً لم يتوقعه أحد ليليان لم تترك لإيلارا مجالًا للانطواء. كانت تلاحقها من ركن إلى آخر تعطلها عن سجلات الحسابات بضحكاتها واقتراحاتها التي لا تنتهي
نظرت إيلارا إلى ليليان وشعرت بقشعريرة “ديجافو” تجتاح كيانها هذه الحيوية هذا الحنان وهذا الإصرار على كسر العزلة.. كلها أمور ذكرتها بأختها سيلينا. جعل قلب إيلارا كشعلة دافئة وسط الجليد. كانت ليليان كالنسمة التي تعيد ترتيب الفوضى في نفس إيلارا حتى وصلت بها الجرأة لتقترح عليها الخروج للتسوق وهو أمر لم تفعله إيلارا منذ زمن طويل
مرت ثلاثة أيام لم يغادر فيها إيثان القصر الإمبراطوري وعند عودته كان يجر أذيال التعب والهواجس. توجه نحو الحديقة وهناك تجمدت الدماء في عروقه للحظة رأى إيلارا تضحك مع ليليان كانت ابتسامتها نقية دافئة ولأول مرة يرى فيها وجهًا غير ذلك الوجه الجامد أو المذعور
لكن ما إن التقت عيناها بعينيه حتى تلاشت تلك الابتسامة وكأنها لم تكن وحل محلها ذعر شاحب وكأنها رأت شبحًا يطاردها.
شعر إيثان بغصة مريرة تخنق قلبه أدرك في تلك اللحظة أنه هو سبب الذعر وأن وجوده أصبح يرتبط في ذهنها بالتهديد والألم. فكر بحسرة: “لو لم تحصل حادثة الأميرة سارة وتلك الاتهامات المريرة لربما كانت الامور مختلفة لقد عاشوا فترة من السلام والهدؤء الذي تمنى دوامه “ لكنه سرعان ما تجاهل هذا الشعور واصطنع البرود
اندفعت ليليان نحو إيثان بوجه مشرق: “لقد عدت أخيرًا! انظر لقد أصبحنا صديقتين مقربتين وإياك أن تزعج إيلارا بعد اليوم سأكون أنا من يواجهك!
ابتسم إيثان ابتسامة باهتة وبحثت عيناه عن إدوارد فوجده يراقب من بعيد مما طمأنه على أمنها التفت نحو إيلارا التي كانت تُشيح بنظرها عنه وقد أنكست رأسها بضعف
أراد إيثان أن يثبت لليليان أن الأمور بخير فقال بنبرة هادئة غير معتادة: عزيزتي.. أنا متعبٌ جدًا وأريد أخذ قسط من الراحة
رفعت إيلارا رأسها بصدمة ألجمت لسانها كلمة “عزيزتي” سقطت على مسامعها كالصاعقة لم تكن تتوقع منه هذا اللطف المفاجئ أمام ليليان.
أما ليليان فقد ابتسمت بارتياح ظانة أن العلاقة بين الزوجين بخير ونظرت نحو الأفق هامسة في سرها: وأخيرًا بدأ إيثان يستقر في حياته.. ليتك كنت هنا يا آرثر لترى هذا
التعليقات لهذا الفصل " 52"