عاد إيثان من جناح الضيوف بعد أن اطمأن على ليليان لكنَّ قلبه لم يكن هادئًا كانت ليليان منزعجة للغاية من تصرفه المبالغ فيه ولم تتردد في توبيخه بنبرة عاتبة: إيثان لقد كان تصرفك قاسيًا.. كيف تترك إيلارا وحيدةً هناك؟ لقد كانت مذعورة، وأقسمتْ أنها لم تقصد إيذائي. عيناها لم تكن تكذب. لا تظلمها يا إيثان.
نظر إيثان إلى ليليان بصمت لم تتغير يومًا كانت دائمًا تلك الروح الرحيمة التي تلتمس الأعذار للجميع، وهي الصفة التي جعلته دائمًا يضعها في مكانة مقدسة لكن شكوكه تجاه إيلارا كانت أعمق من أن تمحوها كلمات ليليان الطيبة
بدأت كلماتها تتردد في عقله كصدى مزعج وهو يسير في أروقة دوقية فاليريان العريقة متفكرًا: “هل أخطأت في تقدير الموقف؟
بينما كان إيثان يشق أروقة القصر متوجهًا إلى جناح زوجته تناهى إلى مسامعه صوت خادمة تهمس لزميلتها بسخريةٍ وشماتة: “أرأيتِ كيف صفعَت يد الماركيزة؟ الدوقة فقدت صوابها تمامًا لا بد أن الدوق سيطردها هذه المرة..”
تجمدت الدماء في عروق إيثان واستدار كالإعصار نحو الخادمة التي شحب وجهها حين رأته. صرخ بصوت زلزل أركان الرواق: “مَن سمح لخادمة أن تتطاول على سيدتها بهذا الشكل؟ مَن أعطاكِ الحق في ذكر اسم دوقة فاليريان على لسانكِ القذر؟
صدم الجميع من موقفه فقد ظن الخدم أن الدوق سيصب غضبه على إيلارا لكنه في تلك اللحظة كان “دوق فاليريان” الذي لا يقبل خدشًا في هيبة زوجته أمام الغرباء نادى رئيس الخدم “لورين” وقال له بصرامة: لا أريد خادمة كهذه في قصري لدقيقةٍ واحدة.. علم موظفيك كيف يحترمون أسيادهم وإلا سأعيد تعليمكم جميعًا بطريقتي
اتجه إيثان إلى غرفة إيلارا وفتح الباب دون طرقه. كانت إيلارا لا تزال جالسة على الأرض بوضعية تثير الشفقة منكمشة على نفسها كعصفور جريح أغلق الباب خلفه بحدة هادئة واتجه نحوها ثم نزل لمستواها وجلس القرفصاء أمامها. سألها بصوتٍ حاول جعله رزينًا: هل تريدين إخباري بشيء؟
لم ترفع إيلارا رأسها واكتفت بهمهمة مخنوقة: أنا آسفة. تضايق إيثان من تهربها فرفع ذقنها بيده ليجدها شاحبة كالموت لكن عيناها كانت جافة من الدموع وكأن حزنها تجاوز مرحلة البكاء قال بصوت منخفض: “لماذا فعلتِ هذا؟ ألم أرجوكِ من قبل؟ هل تعمدتِ إهانتها؟ أخبريني الحقيقة.. فقط الحقيقة. أريد أن أتفهمكِ يا دوقة لا أريد أن أظلمكِ” فقد حملت كلمات ليليان أثر في نفسه رغم اعتقاده بغير ذلك فموقف الاميرة ما زال حاضرًا في عقله
نظرت إليه إيلارا ودارت في رأسها عواصف من الكلمات: “ماذا أقول لك؟.. كل الذنب في ذاك الماضي البائس الذي يطاردني في رائحة حساء وبتلات وردة”. لكن لسانها خانها فكيف تشرح لرجل يقدس الجمال والارتقاء أنها كانت تُعامل كالحيوانات في قبو والدها؟
قالت بانكسار مرير وهي تضغط على كفيها المخفيين تحت فستانها: أعرف أن فعلي غير مبرر.. لا أعرف ماذا أقول ولكني آسفة حقًا
لم يلحظ إيثان الدماء التي بدأت تجف على راحتها كان تركيزه منصبًا على ملامح وجهها وعلى إجابتها التي اعتبرها تهربًا. زفر بضيق ووقف قائلاً بمرارة: تبًا للأسف! هل هذا كل شيء؟ ألا تملكين شجاعة الدفاع عن نفسكِ أو تبرير جنونكِ؟
حاول إيثان بكل جوارحه أن يجد ثغرة يرحمها من خلالها أن تعطيه سببًا واحدًا ليصدق براءتها لكن صمتها وانكسارها جعله يظن أنها تخفي عنه وجهًا آخر. خاب ظنه مرة أخرى وشعر بأن الجدار بينهما يزداد سمكًا فخرج من الغرفة وهو يشعر بالهزيمة تاركًا إيلارا تصارع أشباحها وحدها في ظلام الدوقية الباردة
التعليقات لهذا الفصل " 50"