كانت إيلارا في عالم آخر تمامًا حيث الرائحة المتصاعدة من طبق الحساء تخنق أنفاسها وتوقظ أشباحًا لم تظن أنها ستعلق بها مجددًا انتبهت ليليان لشحوبها فسألت بقلق وحزن: “يا دوقة.. ألم يعجبكِ الحساء؟ إنه لذيذ حقًا لقد حزنتُ لأنكِ لم تلمسيه.. هل هو غير مناسب لذوقكِ كنبيلة؟“
التفت إيثان إلى إيلارا وبنبرة حملت مزيجًا من اللوم والأمر قال: يا دوقةحتى وإن لم يعجبكِ تناولي ولو ملعقة واحدة لأجلها.. لا يجب الحكم على الطعام قبل تذوقه ولا يليق كسر خاطر الضيفة.
تحت وطأة نظراتهما وبآلي تشبه حركة الجثث رفعت إيلارا الملعقة ووضعتها في فمها لم يكن طعمًا عاديًا بل عاد ذاك المذاق القديم ليمر في حلقها كالعلقم ابتلعت الملعقة بشق الأنفس ولم تجرؤ على لمس الطبق ثانية فجسدها لم يعد يحتمل المزيد من هذا العذاب الصامت.
قال إيثان ببرود وكأنه يبرر موقفها لليليان: ليس كل النبلاء يعجبهم هذا النوع من الحساء يا ليليان اعتادي على ذلك.
خفضت ليليان رأسها وقالت بأسف: أنا اسفة.. ربما لم يكن علي إجباركِ على تجربته. قبل أن تنطق إيلارا بكلمة واحدة لتشرح حالتها وقف إيثان فجأة قاطعًا الحديث: هيا بنا إلى الحديقة الهواء المنعش سيكون أفضل لنا جميعًا
بقيت إيلارا في مكانها للحظات تصارع أفكارها وتحاول تهدئة رجفة يديها حتى استعادت القليل من توازنها ثم تبعتهم كانت هذه المرة الأولى التي تدخل فيها الحديقة الخلفية للقصر كانت لوحة خلابة مليئة بورد الجوري الأحمر الذي يغطي المكان كبحر من الدماء القانية بدل أن تشعر بالراحة شعرت بالدوار وتراجعت إلى الخلف خطوات قليلة والذعر يتسلل إلى عينيها.
اقتربت ليليان منها وهي تحمل ابتسامة رقيقة وقد قطفت وردة جورية حمراء يقطر منها الندى مدت يدها بالوردة نحو إيلارا قائلة: خُذي هذه يا إيلارا إنها جميلة تشبهكِ... في تلك اللحظة حدث ما لم يتوقعه أحد انتفضت إيلارا بجنون وبحركة لا إرادية يملؤها الذعر صفعت يد ليليان بقوة جعلت الوردة تطير وتتناثر بتلاتها على الأرض كانت إيلارا ترتجف بعنف وأنفاسها مسموعة كمن يهرب من وحش كاسر.
تجمدت ليليان في مكانها من أثر الصدمة بينما كان إيثان يراقب المشهد بذهول تحول في ثوان إلى غضب حارق. اتسعت عيناه وهو ينظر إلى بتلات الورد المحطمة على الأرض ثم إلى زوجته التي تبدو كأنها فقدت صوابها. صرخ إيثان بصوت هزَّ أرجاء الحديقة: يا دوقة !! ما هذا الذي فعلتِه؟!
كانت إيلارا تنظر إلى يديها المرتجفتين ثم إلى الوردة الحمراء على الأرض ولم تستطع نطق حرف واحد فما تراه أمامها لم يكن مجرد وردة بل كان جزءًا من “الذكرى” التي لا يعرف عنها إيثان شيئًا والتي جعلتها تظهر في نظره الآن كوحش يهاجم براءة ليليان دون سبب
التعليقات لهذا الفصل " 48"