بعد مغادرة ليليان الأولى لم تستطع إيلارا العودة إلى سجلات الحسابات الجافة شعرت بعبء ثقيل يطبق على صدرها فتناولت ورقة بيضاء وبدأت تطويها بأصابع مرتعشة حتى صنعت منها قاربًا ورقيًا صغيرًا وضعت رأسها على المكتب وأخذت تحرك القارب بيدها يمنة ويسرة وكأنها تتمنى لو تبحر بعيدًا عن هذا القصر وأزماته حتى غلبها النعاس وغفت في مكانها من فرط الإنهاك النفسي.
لم تفق إيلارا إلا على صوت ليليان الرقيق وهي تناديها باسمها. فتحت عينيها بكسل وثقل ولم تستوعب للوهلة الأولى المشهد أمامها كانت ليليان تقف أمام مكتبها بابتسامة وادعة بينما كان إيثان واقفًا عند الباب يراقب الموقف بنظرات حادة غامضة كان يخشى أن تسمع ليليان كلمات جافة من إيلارا فحرص على مرافقتها.
انقبض قلب إيلارا حين التقت عيناها بعيني إيثان شعرت وكأنها رأت شيئًا لا يجب رؤيته فسرعان ما أشاحت بنظرها عنه. لمحت ورقة القارب في يدها فكمشتها بسرعة لتخفيها وهو ما لفت انتباه إيثان الذي لاحظ تعبها الظاهر في عينيها وظن أنها غفت من شدة العمل أو الملل لكن نظرتها له كانت تحمل عتابًا صامتًا لم يفهمه.
تحدثت ليليان بحماس: يا دوقة اعتذر لإيقاظكِ لكن ما رأيكِ بالتنزه في الحديقة؟ أريد التحدث معكِ بعيداً عن هذه الأوراق. يكفيكِ عملاً أنتِ منشغلة دائمًا كان على إيثان أن يعمل بدلاً منكِ قليلًا. ثم التفتت نحو إيثان بنظرة متململة فأومأ هو بالموافقة بصمت مهيب.
حاولت إيلارا التملص قائلة: حسنًاولكني لم أنتهِ بعد.. سألحقُ بكم فور إنهاء عملي. كانت تكذب فهي تريد فقط البقاء وحيدة لكن ليليان أصرت ألا تذهب إلا برفقتها.
رضخت إيلارا أخيرًا وعندما نهضت لتغادر معها قال إيثان بنبرة آمرة تحمل اهتمامًا خاصًا لليليان: عليكِ تناول الغداء أولاً يا ليليان لقد طلبتُ منهم إعداد وجبتكِ المفضلة غادرت ليليان وهي تسحب إيلارا من يدها وقبل أن تخرج رمت إيلارا القارب الورقي في سلة المهملات بمرارة وتبعتهم بقلب مثقل.
جلس الجميع إلى المائدة وساد صمت لم يكسره إلا صوت الأواني وُضعت الوجبات وكان الطبق الرئيسي حساء دافئًا بسيطًا إنه حساء العامة الذي كانت ليليان تحبه وتصنعه بيديها أيام الأكاديمية كان إيثان وآرثر يعشقان هذا الحساء من يدها فقد كان يمثل لهما أيامًا من البساطة والرفقة الصادقة.
بدأت ليليان تأكل بمتعة استعادت معها بعضًا من روحها القديمة بينما كان إيثان يراقبها بابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى غارقًا في ذكرياتهما الجميلة المشتركة.
لكن في الجهة المقابلة كانت إيلارا متجمدة تمامًا لم تمد يدها نحو الملعقة بل كانت تنظر إلى الحساء بعينين مرتعشتين وشحوبٍ مفاجئ غطى وجهها حتى أصبحت شفتاها بيضاء كالثلج لم يكن هذا الحساء بالنسبة لها مجرد “طبق شعبي” أو “ذكرى أكاديمية” كما هو الحال معهما.
كانت تنظر إليه وكأنها ترى شبحًا يخرج من وعاء الفخار فقد أيقظت رائحته في أعماقها ذكرى سيئة قديمة.. ذكرى مظلمة جعلت أنفاسها تضيق وجسدها يرتجف خفية تحت الطاولة بينما كان إيثان وليليان غارقين في عالم آخر لا علم لهما فيه بما تفعله تلك الرائحة بروح الدوقة
التعليقات لهذا الفصل " 47"