مرَّ اليوم الأول في الدوقية ثقيلًا ورتيبًا كان إيثان يبذل قصارى جهده لإخراج ليليان من سجن حزنها المظلم فكان يصرُّ على حضورها لجميع الوجبات ويحيطها باهتمام لم يعهده أحد منه من قبل كانت ليليان تحضر وتجلس على المائدة كخيال باهت تتناول طعامها بصمت مطبق وعيناها مثبتتان على نقطة مجهولة في الفراغ وكأن روحها لا تزال عالقة في ثلوج الشمال.
خلال العشاء كسر إيثان حاجز الصمت وهو ينظر إلى ليليان بصدق: “ليليان عليكِ ألا تفقدي الأمل.. آرثر رجل صلب والشدائد لا تكسره بسهولة أنا أؤمن في داخلي أنه سيعود.
رفعت ليليان رأسها ببطء ولأول مرة التقت عيناها بعيني إيثان وسألت بصوت مرتعش: “هل صحيح ما تقوله؟ هل سيعود حقًا؟” ثم خنقتها العبرة وأكملت بمرارة: لقد سمعتُ الماركيزة الأم تقول إنها ستعلن وفاته.. هل مات آرثر يا إيثان؟ هل انتهى كل شيء؟
أدرك إيثان حينها سبب انهيارها لقد تسللت كلمات الماركيزة إلى مسامعها وحطمت بقايا صمودها أمسك إيثان بزمام الحديث بقوة: لا تصدقي ذلك! الماركيزة قالت ما قالته بدافع الخوف على المقاطعة لكنَّ الإمبراطور منحنا ستة أشهر وأنا أعدكِ أنني لن أتوقف ثقي بآرثر فهو لن يترككِ وحيدة.
عند سماعها تلك الكلمات ارتسمت على شفتي ليليان ابتسامة خفيفة باهتة كانت أشبه بخيط نور في ليلة مظلمة شعر إيثان بسعادة غامرة انعكست بوضوح على ملامحه التي انفرجت فجأة وبدا وكأن حِملًا ثقيلًا قد انزاح عن كاهله لرؤية هذا التحسن الطفيف في حال زوجة صديقه.
في زاوية الطاولة كانت إيلارا تراقب المشهد بذهول وصمت لا يرحم. كانت تنظر إليهما دون وعي وتتصارع في رأسها الأسئلة:من هو آرثر؟ هل هو قريبها؟ وما سر هذه العلاقة التي تجعل إيثان ينسى كل من حوله لأجلها؟.
لم تجرؤ على السؤال فالحواجز التي وضعها إيثان كانت كالجدران الإسمنتية شعرت إيلارا أنها ليست سوى شخص غريب فُرض عليه التواجد في لحظة عائلية خاصة وكأن وجودها صار عائقًا أمام راحتهما.
لم ينظر إيثان إليها ولو لمرة واحدة طوال الجلسة كان كل كيانه وكلماته واهتمامه موجهًا نحو ليليان لم يكن الغيرة هي ما يؤلم إيلارا بل شعورها بالعدم.. شعورها بأنها “لاشيء” في هذا القصر الكبير.
تنهدت إيلارا بعمق وشعرت بضيق يخنق أنفاسها نهضت من مقعدها بهدوء محاولة عدم إثارة أي جلبة غريب هو الأمر فلم يلتفت إليها إيثان ولم تنتبه لها ليليان وكأن الدوقة قد تلاشت تمامًا من المكان كان الاثنان غارقين في عالمهما الخاص المشبع بذكرى آرثر بينما انسحبت هي نحو غرفتها والدموع تحرق جفنيها مدركة أن هدوء الدوقية الجديد ليس إلا فصلاً آخر من فصول وحدتها الطويلة.
التعليقات لهذا الفصل " 42"