بمجرد خروجهما من القصر الملكي عاد إيثان إلى صمته الموحش لم يعاتبها ولم يصرخ بل فعل ما هو أسوأ بدأ يضع حدودًا قاسية وصارمة في تعامله معها داخل جدران الدوقية. لم يعد يشاركها وجبات الغداء كما فعل سابقًا ولم تعد تلك الجولات الهادئة في الحديقة موجودة. كان يكتفي بالحديث معها في الضروريات القصوى وبنبرة خالية تمامًا من أي مشاعر وكأنه يعاقبها بسلب ذلك القليل من “الأمان” الذي منحه إياها.
رغم الجفاء الذي يسود خلف الأبواب المغلقة حافظ إيثان على وقاره أمام الخدم والنبلاء كان يخاطبها بلقبها الرسمي وبكل احترام مصطنع لكي لا يعطي فرصة للقيل والقال. لكنَّ إيلارا كانت تشعر بالفرق فكلماته التي كانت تبدو صادقة في السابق أصبحت الآن مجرد بروتوكول فارغ. كانت تلك “الحدود” تؤلمها أكثر من إهانات سارة لأنها أدركت أن الثقة التي حاولت بناءها قد تبخرت بلمحة بصر وأنها عادت في نظره تلك “الغريبة” التي يجب الحذر منها.
قضت إيلارا أيامها في هدوء غريب. لم تحاول الدفاع عن نفسها مجددًا ولم تبكِ أمام أحد كانت تتحرك في القصر كخيال باهت تؤدي واجباتها كدوقة بآلية تامة كانت ماري تلاحظ انكسار عينيها وتحاول التقرب منها بصمت لكن إيلارا كانت قد أغلقت كل الأبواب قالت لنفسها وهي تراقب غروب الشمس من نافذتها: لقد كان السلام حلمًا جميلًا يا إيلارا لكن أمثالكِ لا يُسمح لهم بالحلم طويلاً سأعيش كما يريد دوقة بالاسم وغريبة بالروح.
وفي ظهيرة يوم بارد بينما كان الصمت يلف قاعة الطعام دخل كبير الخدم “لورين” وعلى وجهه أمارات القلق الشديد حاملًا رسالة بختم أحمر مستعجل. سلمها لإيثان الذي فتحها بسرعة وما إن قرأ الأسطر الأولى حتى تغيرت ملامحه تمامًا شحب وجهه واهتزت يده قليلًا وهو أمر نادر الحدوث للدوق الصارم.
نهض إيثان من مكانه فجأة مما تسبب في سقوط كرسيه للخلف. نظر نحو لورين وصرخ بصوت جهوري: أمر بجهيز العربة فورًا! أريد أسرع الخيول وسأغادر في غضون عشر دقائق!
جفلت إيلارا من رد فعله وسألت بتوجس: سيدي الدوق هل حدث خطأ؟ نظر إليها إيثان نظرة خاطفةً كانت مزيجًا من القلق والتشتت ولم يجبها بوضوح بل اكتفى بقوله وهو يغادر القاعة بخطوات متعثرة من السرعة: سأغادر الآن.. لا أعلم متى سأعود لورين سيهتم بكل شيء في غيابي.
ركبت العربة المسرعة وانطلقت تشق الضباب تاركة إيلارا تقف عند عتبة القصر تتساءل في رعب: ما الذي ورد في تلك الرسالة ليجعل الرجل الذي لا تهزه العواصف يهرع بهذا الشكل؟ وهل هذا الرحيل هو نجاة لي أم بداية لمصيبة جديدة؟
التعليقات لهذا الفصل " 37"