خرج إيثان مسرعًا من الشرفة كانت عيناه تبحثان عن طيف الفستان الأحمر في أروقة القصر سار خلف سارة ظنًا منه أنها منهارة في أحد الأركان لكنه فوجئ بأن الحفل يسير بسلاسة مريبة الموسيقى تصدح والضحكات تعلو ولا أثر لأي ضجة سأل أحد الحراس عند المخرج فأخبره أن عربة الأميرة سارة قد غادرت القصر بالفعل منذ دقائق
وقف إيثان في الهواء البارد يضغطُ على صدغيه بتوتر استغرب بشدة من سلوك سارة فطالما كانت تثير الفوضى وتقلب الدنيا رأسًا على عقب إذا غضبت أو أُهينت لكنها اليوم رحلت بصمت مطبق همس لنفسه بمرارة: ربما جُرحت هذه المرة لدرجة لم تعد تقوى فيها على الصراخ.. هل كان كلام إيلارا قاسيًا إلى هذا الحد؟تنهد بعمق وهو يشعر بوطأة المسؤولية والخيبةفقد ظن أن بيته قد استقر أخيرًا.
في هذه الأثناء وداخل عربتها المسرعة كانت الأميرة سارة تعيشُ حالةً من النشوة جلست تداعب خصلات شعرها بحماس طفولي وتارة تنفجر بضحك خافت وتارة تبتسم بمكر. قالت بصوت مسموع وهي تنظر لانعكاس وجهها في زجاج النافذة: يا لها من دوقة خرقاء وساذجة! سقطت في الفخ دون أن تدرك حتى من أين جاءتها الطعنة. يبدو أن الأمور أصبحت ممتعة حقًا.. سنرى الآن يا إيثان كيف ستتعامل مع (زوجتك المصونة) بعد أن لوثت سمعة قريبتك الوحيدة.
دخلت إيلارا إلى قاعة الحفل كانت تضع يدها على قلبها خوفًا من أن تكون الفضيحة قد وصلت لمسامع الضيوف لكنها تفاجأت بالهدوء بحثت بعينيها عن إيثان فرأته يدخل من الباب الجانبي وعلامات التجهم تكسو وجهه كغيمة سوداء.
لم يوجه إليها كلمة بل اكتفى بإشارة حادة برأسه تأمرها باللحاق به جفلت إيلارا وتقدمت نحوه بقلب يرتجف بينما توجه هو نحو الكونت “دي لافوين” وبكل نبل ورباطة جأش استأذنه للمغادرة مهنئًا إياه مرة أخرى وكأن شيئًا لم يكن. تبعته إيلارا بصمت كأنها طيف باهت حتى وصلا إلى العربة التي كانت تنتظر في الخارج.
بمجرد أن أُغلق باب العربة وانطلقت الخيول تحول الصمت إلى جدار خانق لم تستطع إيلارا الكلام كانت الكلمات تتحجر في حنجرتها حتى قطع إيثان الصمت بصوت رخيم يقطرُ صرامة: يجب عليكِ الاعتذار من الأميرة سارة في أقرب فرصة.. هذا أقلُّ شيء تفعلينه لتصحيح خطئكِ الشنيع. ولا ألوم سارة أبدًا لو رفضت مسامحتكِ بعد ما تفوهتِ به.
صُدمت إيلارا كانت تريد أن تصرخ: أنا لم أفعل شيئًا! هي من نصبت لي الفخ! لكنها نظرت إلى وجهه القاسي وأدركت أن ثقته بها قد تبخرت خفضت رأسها وقالت بصوت منكسر: حسنًا سيدي الدوق.. كما تطلب.
عاد الجو الخانق ليسيطر على العربة وشعرت إيلارا بمرارة تفوق الاحتمال. حدثت نفسها بيأس: هل كُتب عليَّ ألا أشعر بالسلام قط؟ أنا لا أطلب سعادة غامرة فقط أريد هدوءًا أستند إليه.. لماذا تتوالى المصائب عليَّ كلما ظننتُ أنني نجوت؟. وشعرت أن هذا القصر الذهبي ليس سوى نسخة أنيقة من جحيمها القديم.
أما إيثان فكان يغلي من الداخل يصارع شكوكه التي بدأت تنهش عقله: ما هو الخطأ الذي ارتكبتُه؟ هل كان عليَّ أن أبقى حذرًا ولا أمنحها هذه المساحة من الثقة؟ هل تماديت في إظهار التقدير لها فظنت أنها تملك الحق في التدخل في علاقاتي الخاصة؟تساءل بمرارة عما إذا كانت إيلارا تحمل مشاعر غيرة تجاهه أم أنها مجرد رغبة في السيطرة قال في نفسه بغضب: إنه خطأي.. أنا من سمحت للسلام بأن يخدعني.
وهكذا في تلك العربة المظلمة كانت المسافة بينهما تزداد أميالًا مع كل خطوة تخطوها الخيول ليعودا إلى نقطة الصفر.. غريبين يجمعهما سقف واحد ويفرقهما بحر من الشك والظلم.
التعليقات لهذا الفصل " 35"