34 وقفت إيلارا في الشرفة والرياح الباردة تداعب أطراف فستانها العاجي لكن البرد الحقيقي كان ينبع من نظرات إيثان التي تحولت فجأة من الاهتمام الرقيق إلى شظايا من الجليد الحارق كان الارتباك يعلو وجهها وعقلها لا يزال يحاول استيعاب سرعة تحول تلك الابتسامة الماكرة على وجه سارة إلى نوبة بكاء منهارة وقبل أن تنطق بكلمة واحدة لتستفسر عن سبب وقوفه هناك بادرها إيثان بصوتٍ يرتجف بغضب مكتوم لم تعهده منه أبدًا: لماذا قلتِ لها هذا يا إيلارا؟ لماذا انحدرت إلى هذا المستوى من الاتهامات؟
ردت إيلارا بصدمة جعلت صوتها يخرج مخنوقًا: أنا.. أنا لم أقل شيئًا لم يحدث يا سيدي الدوق.. خطا إيثان خطوة نحوها وبدا في ضوء القمر وكأنه غريب تمامًا عنها وقال بحدة جارحة: لقد أخبرتكِ سابقًا أن علاقتي بسارة ليست سوى قرابة جمعتها الصداقة الطويلة فبأي حق تهاجمين كرامتها وتتهمينها بأنها تحبني؟ هل تريدين مني أن أكذبَ ما سمعتُه بأذناي الآن
توقفت أنفاس إيلارا وشعرت بوخزة في قلبها فاقت ألم طعنات السيوف وسألت بنبرة مرتعشة: “لحظة.. ماذا سمعتَ تحديدًا؟ وكيف حكمتَ علي بهذه السرعة؟” أجابها إيثان وعيناه تشعان بخيبة أمل مريرة حطمت كل جسور المودة التي بُنيت في الأيام الماضية: سمعتك وأنتِ تسألينها بصوت واضح ومستنكر: (هل تحبين الدوق؟).. ثم رأيتها تنهار باكيةوتفر من أمامكِ من هول اتهامكِ المشين الذي لا يليق بدوقة ولا بامرأة أمنتُها على اسمي.
في تلك اللحظة شعرت إيلارا وكأن الأرض تميد بها وأدركت بوضوح مرعب المكيدة التي حيكت لها بدقة متناهية سارة لم تكن غبية لقد كانت تعلم بوجود إيثان خلف الباب فاستدرجت إيلارا بحديث ناعم ومعسول عن الحب لتدفعها دفعًا لقول تلك الجملة تحديدًاوثم قامت بتمثيل دور الضحية المظلومة لتترك الباقي لخيال إيثان الذي يثق بـ “قريبته” ثقة عمياء.
حاولت إيلارا أن تستجمع شتات نفسها وقالت بمحاولة أخيرةٍ للدفاع عن كرامتها: ياسيدي الدوق أرجوكَ اسمعني الأمر ليس كما ظننت.. هي من بدأت الحديث وهي من اعترفت..
لكن إيثان لم يمنحها فرصة لتكمل فلقد كان جرح كبريائه وصدمته في “نبل” زوجته المفترض أعمق من أي تبرير نظر إليها نظرة أخيرة كانت أثقل من الجبال وقال بصوت هادئ لكنه يقطر قسوة: لقد خيبتِ أملي وثقتي يا دوقة.. كنتُ أظن أنكِ أنبل من الانزلاق الى الافتراء. يبدو أنني أخطأت حين ظننت أننا بدأنا نفهم بعضنا البعض.
استدار إيثان وخرج من الشرفة بخطوات واسعة وصارمة دون أن يلتفت نحوها تاركًا إياها في صمت رهيب يمزقه صدى الموسيقى والضحكات القادم من داخل القاعة وكأن العالم يحتفل بكسر قلبها.
بقيت إيلارا وحدها في عتمة الشرفة تتصارع مع أفكارها السوداء التي نهشت روحها: ماذا سأقول؟ وكيف سأقنعه والحقيقة تبدو ضدي؟ أنا حديثة العهد به وسارةورفيقة طفولته وابنة عمه.. من سيصدقُ ابنة (الخائن) التي يُنظر إليها دائمًا بعين الشك أمام دموع الأميرة المصونة؟
لقد نجحت سارة في هدم كل ما بنته إيلارا في أيام بكلمة واحدة وموقف مفتعل نظرت إيلارا إلى فستانها الذي اختاره إيثان لها وإلى الزمرد الذي يطوق عنقها وشعرت أن هذه الزينة لم تعد درعًا بل أصبحت قيدًا يذكرها بأنها مهما فعلت ستظل في نظره الغريبة التي لا تستحق الثقة المطلقة تنهدت بمرارة وهي تدرك أن ليلتها التي بدأت بالبريق ستنتهي بالرماد……
التعليقات لهذا الفصل " 34"