تحركت العربة الفاخرة تشق طريقها عبر السهول الخضراء ساد صمتٌ طويل داخلها لكنه لم يكن صمتًا ثقيلًا كما في المرات السابقة كانت إيلارا تجلس مقابل إيثان تراقب ملامحه الرزينة وهو يطالع بعض الأوراق بتركيز تام نظرت إليه وتسلل إلى صدرها شعور بالسكينة لم تعد تضطرب بوجوده بل زاد تقديرها له بشكل لم تتوقعه.
فكرت في نفسها:لقد كان وجودك يا إيثان جدارًا استندتُ إليه حينما تخلت عني الوجوه طالما بقيتُ محافظة على حدودي وطالما أقفلتُ على قلبي بإحكام منذ مدة فسأكون بخير.
كانت ترى في هذا “الاحترام المتبادل” حصنًا يحمي كرامتها وتمنت في سرها أن يبقى هو أيضًا مرتاحًا في هذه الشراكة فالعلاقة المبنية على المنطق والحدود هي الأقل عرضةً للانكسار.
كان إيثان يشعر بنظراتها لكنه لم يرفع عينيه عن أوراقه كي لا يُربكها كان يرى في هدوئها الجديد علامة على نضجها كدوقة ولم يكن يدرك أنها في تلك اللحظة كانت تبرم عهدًا مع قلبها ألا يميل نحوه أبدًا خوفًا من أن يفسد الحب ما بناه الاحترام كانت تخشى أن تفتح باب قلبها فتعود إليها خيبات الماضي لذا فضلت أن تبقى في تلك المنطقة الدافئة والباردة في آنٍ معًا.
بعد ساعات من السفر توقفت العربة أمام منزل الكونت إدموند منزل يفيض بالبساطة والأناقة مقارنة بقصر الدوقية الشاهق لم تنتظر إيلارا أن يفتح الحارس الباب أو أن يمد إيثان يده لمساعدتها فبمجرد أن توقفت العربة اندفعت خارجة بلهفة لم تستطع كبحها.
رأت أختها سيلينا واقفة عند الشرفة بانتظارها بدت شاحبة قليلًا لكن وجهها أضاء برؤية أختها هرعت إيلارا نحوها بخطوات متسارعة ممزقة كل بروتوكولات الرزانة التي تعلمتها.
“سيلينا!” صرخت إيلارا وهي ترتمي في حضن أختها ممتزجة مشاعر الشوق العارم بالخوف الشديد عليها إيلارا (وهي تتراجع قليلًا بقلق): لماذا أنتِ واقفة؟ لقد أخبرتِني أن حملكِ ضعيف! عودي للداخل فورًا لا يجوز لكِ إجهاد نفسكِ هكذا.
ضحكت سيلينا ودموع الفرح في عينيها: رؤيتكِ يا إيلارا هي الدواء الذي كنتُ أحتاجه لا تقلقي إدموند يراقبني كظلي ولن يسمح لي بالتحرك لولا إصراري على استقبالكِ.
في تلك الأثناء ترجل إيثان من العربة بوقاره المعتاد وقف يراقب هذا المشهد العاطفي من بعيد رأى إيلارا أخرى إيلارا التي تفيض حنانًا وضعفًا وقوة في آن واحد تقدم نحوهم ليحيي الكونت إدموند وكان يدرك تمامًا أن وجوده هنا قد غيّر موازين كثيرة ليس فقط في نظر عائلة إيلارا بل في نظر نفسه أيضًا.
كان إدموند ينظر للدوق بدهشة فلم يكن يتخيل أن الدوق العظيم سيترك انشغالاته ليرافق زوجته في زيارة عائلية بسيطة هذا الحضور كان رسالة صامتة للجميع بأن إيلارا ليست مجرد زوجة بل هي جزء لا يتجزأ من حماية الدوق ومكانته.
التعليقات لهذا الفصل " 29"